في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خضم موجة من عمليات القتل البارزة والعنف السياسي الذي شهدته الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين، واجهت أجهزة إنفاذ القانون لغزا متكررا يتمثل في غياب أي دافع أيديولوجي واضح للجناة، بحسب صحيفة واشنطن بوست.
وفي حالات عديدة، شملت إطلاق نار وتفجيرات وهجمات مخططا لها بطائرات مسيرة، لم تنطبق على منفذيها التصنيفات التقليدية المألوفة، فلم يكونوا ديمقراطيين أو جمهوريين، ولا متشددين إسلاميين، ولا ينتمون لحركة " أنتيفا" اليسارية أو الجماعات التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض.
وبحسب تحقيق موسّع نشرته واشنطن بوست بقلم الكاتب بيتر ووريسكي، فإن السلطات الأمريكية بدأت ترى في هذه الهجمات تعبيرا عن نمط جديد من التطرف، أطلقت عليه اسم "التطرف العدمي العنيف".
وأوضحت الصحيفة أن هذا المصطلح يستلهم فلسفة العدمية التي ظهرت في القرن الـ19، والتي تنكر وجود أي معنى أو قيمة أخلاقية للحياة.
وبحلول مارس/آذار 2025، تبنى المدعون الفدراليون في الولايات المتحدة رسميا المصطلح، وعرّفوه بأنه "سلوك إجرامي يُرتكب لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو دينية، تنبع أساسا من كراهية المجتمع ككل، ورغبة في التسبب بانهياره عبر نشر الفوضى والدمار وعدم الاستقرار الاجتماعي".
وأشار ووريسكي في تحقيقه الصحفي، إلى أن هذا المصطلح استُخدم أول مرة في المحاكم في قضية مراهق من ويسكونسن قتل والديه ضمن مخطط لإشعال حرب أهلية واغتيال شخصيات عامة.
وقد شهدت الولايات المتحدة، خلال العام ونصف العام الماضيين، سلسلة من الهجمات المستهدِفة، من بينها اعتداءات على مدارس، وتفجيرات محدودة، واغتيالات شملت مشرّعا في ولاية مينيسوتا، ورئيس شركة كبرى للتأمين الصحي، والناشط المحافظ تشارلي كيرك.
وأظهر تحليل واشنطن بوست لـ17 هجوما وقعت بين يوليو/تموز 2024 وديسمبر/كانون الأول 2025 -وترك منفذوها بيانات أو تفسيرات مكتوبة- أن 6 منها على الأقل تندرج ضمن النمط العدمي، فيما ارتبطت 3 هجمات أخرى بمظالم فردية ضيقة لم تكن مألوفة سابقا.
وأعلن منفذو تلك الهجمات في بياناتهم المسجلة عن ازدرائهم للبشرية ورغبتهم في رؤية انهيار الحضارة.
ونقل الكاتب عن كودي زوشاك، الباحث في معهد الحوار الإستراتيجي والمحلل السابق في مكافحة الإرهاب بشرطة نيويورك، القول إن المحققين وجدوا أنفسهم أمام حالات لا تنطبق عليها أي من التعريفات السابقة.
وأوضح الباحث أن "ما كان لافتا (في القضية) ليس مجرد وجود آراء عنصرية أحيانا، بل الرغبة الشاملة في تدمير المجتمع بأكمله".
ومن بين المهاجمين الذين صُنّفوا ضمن تيار التطرف العدمي العنيف، مراهقة من مدينة ماديسون بولاية ويسكونسن، تُدعى ناتالي روبناو تبلغ من العمر 15 عاما، تركت وراءها بيانا بعنوان "حرب ضد الإنسانية"، وصفت فيه البشر بأنهم "قذارة".
ففي صباح 16 ديسمبر/كانون الأول 2024، اقتحمت ناتالي مدرستها المسيحية، وهي تحمل مسدسا اشترته سرا قبل أشهر، فقتلت معلما وطالبا وأصابت 6 آخرين قبل أن تنهي حياتها.
وفي البداية، سعى المحققون جاهدين لفهم دوافعها، حيث اقترحت بعض التقارير وجود ميول عنصرية، لكنّ استهدافها لمدرسة مسيحية تقطنها أغلبية بيضاء دحض هذه الفرضية.
وكشفت التحقيقات لاحقا أن ناتالي كانت غارقة في ثقافة فرعية عبر الإنترنت تُعرف باسم "مجتمع الجريمة الحقيقية"، حيث يتم تقديس القتلة الجماعيين باعتبارهم قديسين، ومنبوذين رومانسيين ينتقمون من المجتمع.
من بين المهاجمين الذين صُنّفوا ضمن تيار التطرف العدمي العنيف، مراهقة تركت وراءها بيانا بعنوان "حرب ضد الإنسانية"، وصفت فيه البشر بأنهم "قذارة"
وفي بيانها، أعربت عن تبجيلها لقتلة سابقين واعتبرت أفعالهم "شكلا من أشكال الأمل البسيط". لقد كانت تطمح للشهرة، قائلة في أحد تسجيلاتها: "سوف تعرفونني كواحدة من المرضى الذين تتابعونهم".
وفي حادثة أخرى، خطط شاب في سن 24 عاما لتفجير شبكة الكهرباء في ناشفيل بولاية تينيسي عبر طائرة مسيرة، سعيا منه لتسريع "بداية النهاية للعالم المترابط".
كما فجر جاي إدوارد بارتكوس (25 عاما)، نفسه أمام عيادة للخصوبة في كاليفورنيا احتجاجا على الإنجاب الصناعي، معتبرا أن البشر لا ينبغي أن يولدوا من دون موافقتهم، وفق تحقيق واشنطن بوست.
لفتت واشنطن بوست إلى أن "عدوى" التطرف العدمي العنيف امتدت لتشمل هجمات أخرى في فلوريدا وكولورادو ومينيابوليس.
وضربت الصحيفة مثالا على ذلك بالهجوم الذي نفذته ناتالي روبنو. لكنها قالت إن قصة ناتالي لم تنتهِ بموتها، بل تحولت إلى "أيقونة" للمتطرفين العدميين.
فبعد 5 أسابيع فقط، فتح سليمان هندرسون (17 عاما) النار في مدرسته بولاية تينيسي، واصفا روبنو في منشوراته بأنها "قديسة".
ورغم أن كتابات هندرسون تضمنت عبارات عنصرية، إلا أن كراهيته كانت شاملة للجميع، حيث كتب في نهاية بيانه "هذا الكتاب مخصص لقتل كل من أكره.. الموت للجميع".
وفي الحادثة الأخيرة، قتل روبن ويستمان طفلين في كنيسة قبل أن ينتحر، ووجد المحققون اسم "روبنو" منقوشا على سلاحه.
بعضهم لجأ إلى تطبيقات ذكاء اصطناعي للاستفسار عن خصائص المتفجرات، وآخرون تعلموا تصنيع مسيّرات مفخخة عبر مقاطع فيديو على منصة يوتيوب
وكتب ويستمان في مذكراته كلمات تلخص هذا الفراغ المخيف: "هذا ليس هجوما على كنيسة أو دين.. الرسالة هي أنه لا توجد رسالة".
يشير ووريسكي إلى أن الإنترنت لعب دورا حاسما في تمكين هذا النوع من العنف، فبعد أن كان الإرهاب يعتمد على تنظيمات هرمية واضحة، بات الأفراد اليوم قادرين على التعلم، والتخطيط، والتواصل، وحتى التمجيد المتبادل، عبر الفضاء الرقمي.
بعضهم لجأ إلى تطبيقات ذكاء اصطناعي للاستفسار عن خصائص المتفجرات، وآخرون تعلموا تصنيع طائرات مسيّرة مفخخة عبر مقاطع فيديو على منصة يوتيوب.
وحذّر مايكل ينسن، مدير الأبحاث في مختبر دراسة الاستقطاب والتطرف بجامعة أميركان، من أن الخطر بات أكثر غموضا، قائلا للصحيفة "المخيف الآن أننا لا نعرف من أين سيأتي التهديد التالي".
وبرز مصطلح جديد في الولايات المتحدة هو "التسارعيون" لوصف أولئك الذين يعتقدون أن المجتمع لا يمكن إصلاحه وأن الحل الوحيد هو تدميره بالكامل لإعادة بنائه من الصفر.
ومن بين هؤلاء -طبقا لواشنطن بوست- نيكيتا كاساب، المراهق الذي قتل والديه لتأمين موارد لاغتيال الرئيس والإطاحة بالحكومة، كان يهدف في بيانه "تسريع الانهيار" إلى زرع الفوضى المطلقة.
ومع ذلك، يثير دمج هؤلاء في فئة "العدمية" جدلا بين الباحثين، إذ تقول ويندي فيا، من المشروع العالمي ضد الكراهية والتطرف، إن هذا التصنيف قد يغفل الدوافع التاريخية للكراهية مثل العنصرية.
يبقى التحدي الأكبر أمام أجهزة الأمن هو التنبؤ بمصدر التهديد القادم في ظل وجود أفراد لا تربطهم تنظيمات
وترى في حديث مع واشنطن بوست أن الخطاب السياسي العنيف السائد في المجتمع يسهم في عزل الشباب ودفعهم نحو العنف كحل لمشاكلهم.
من جانبه، أشار شون بارنز، رئيس شرطة ماديسون السابق، للصحيفة الأمريكية إلى أن الأطفال يراقبون القادة في أعلى المستويات، وعندما يغيب نموذج الوحدة والتسوية، تترسخ مشاعر "كراهية الجميع".
المصدر:
الجزيرة