في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أجرى الكاتب الصحفي بيير هاسكي حوارا مطولا مع الدبلوماسي والسياسي الفرنسي البارز دومينيك دوفيلبان تحدث فيه عن التحول الجيوسياسي الذي يعيشه العالم، وهو يئن تحت وطأة عودة القوة بشكل مفاجئ والتنافس بين الإمبراطوريات الأمريكية والصينية والروسية وضعف القواعد الدولية.
ويقول هاسكي في توطئته للحوار، الذي نشره في قناته على اليوتيوب، إن دوفيلبان -وهو وزير خارجية ورئيس وزراء سابق لفرنسا– عاد إلى ما شكل مساره المهني، وهو القناعة بأن القوة لا تستطيع كل شيء، وأن القانون والكلمة والمقاومة السياسية تظل أسلحة أساسية.
وتوسعت مقابلة دومينيك دو فيلبان مع بيير هاسكي لتتحول إلى "بيان سياسي" يشخص احتضار النظام العالمي القديم، إذ اتسم حديث دو فيلبان بنبرة تحذيرية حادة، بينما لعب هاسكي دور المحرك للنقاش بوضع دو فيلبان أمام تناقضات الواقعية السياسية.
ومن أهم ما جاء في الحوار اعتبار دوفيلبان أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحكم لم تكن مجرد تغيير إداري، بل مثلت إعلانا رسميا لانتهاء عصر الدبلوماسية التقليدية، بعد أن ضرب العالم " زلزال ترمب" ليدمر القواعد التي كانت تحكم هذا العالم، حسب دوفيلبان.
وأوضح رئيس الوزراء الأسبق، ذلك قائلا: "نحن ننتقل من عالم القواعد إلى عالم الصفقات المباشرة، ترمب لا يؤمن بالتحالفات، بل يؤمن بموازين القوى اللحظية، بالنسبة له، أوروبا ليست شريكا، بل هي منافس تجاري يجب إضعافه".
دوفيلبان: نحن ننتقل من عالم القواعد إلى عالم الصفقات المباشرة، ترمب لا يؤمن بالتحالفات، بل يؤمن بموازين القوى اللحظية، بالنسبة له، أوروبا ليست شريكا، بل هي منافس تجاري يجب إضعافه
وهو ما علق عليه هاسكي بسؤال استنكاري قائلا "هل يمكن للأوروبيين حقا المقاومة وهم منقسمون داخليا؟ ألا يبدو أن بعض العواصم الأوروبية بدأت بالفعل في التودد لترمب لتأمين صفقات منفردة، مما ينهي فكرة الوحدة الأوروبية؟"
وتطرق الحوار لما جرى ويجري في غزة والشرق الأوسط، وهو ما وصفه دوفيلبان بأنه "انتحار الغرب الأخلاقي"، معتبرا أن ما يحدث في غزة هو المسمار الأخير في نعش المصداقية الغربية، وأننا "بصمتنا تجاه غزة، ندمر مصداقيتنا الأخلاقية لعقود قادمة"، على حد تعبيره.
وقال دو فيلبان في هذا الصدد "ما يحدث في غزة هو فضيحة الضمير العالمي، نحن نطبق قانونا دوليا بـ ‘هندسة متغيرة’؛ نتحرك في أوكرانيا ونصمت في فلسطين، هذا الكيل بمكيالين هو الذي يجعل الجنوب العالمي يدير ظهره لنا بشكل نهائي".
وعلق على ما تقوم به تل أبيب قائلا "القوة العسكرية الإسرائيلية العمياء هي وهم أمني، فلا يمكنك قتل فكرة بالرصاص، ولا يمكنك بناء أمنك على أنقاض كرامة جارك"، موضحا أن "القوة لا تجلب الأمن بل تولد الكراهية، وإسرائيل تحصر نفسها في رد أمني ينسى أن القضية الفلسطينية هي قضية سياسية وإنسانية".
وعن ما أسماه صراع الإمبراطوريات، وصف دوفيلبان كيف استبدلت القوى الكبرى التعاون الدولي بالنزعة الإمبراطورية التوسعية، قائلا "نحن في زمن الإمبراطوريات العائدة، روسيا تبحث عن مجدها الضائع، والصين تريد استعادة سيادتها التاريخية، وأمريكا ترمب تريد أن تكون ‘الإمبراطور المنعزل’، وفي هذا الصراع، إذا لم تكن إمبراطورا، فأنت مجرد رقعة شطرنج.
دوفيلبان: يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول ‘لا’، فالدبلوماسية ليست هي التبعية، بل هي القدرة على اقتراح مسار ثالث، فإذا لم تستعد أوروبا سيادتها التكنولوجية والدفاعية الآن، فسوف تُمحى من كتب التاريخ كلاعب فاعل.
وعلق هاسكي على هذا بالقول إن " فرنسا التي كانت ‘قوة توازن’ تبدو اليوم غائبة أو عاجزة عن تقديم بديل، فهل فقدت الدبلوماسية الفرنسية روحها؟"
هنا دعا دوفيلبان لما أسماه "السيادة الفكرية"، قائلا "يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول ‘لا’، فالدبلوماسية ليست هي التبعية، بل هي القدرة على اقتراح مسار ثالث، فإذا لم تستعد أوروبا سيادتها التكنولوجية والدفاعية الآن، فسوف تُمحى من كتب التاريخ كلاعب فاعل".
وركز دوفيلبان على الترويج لفكرة إنقاذ ما تبقى من "القيم" في عالم غارق في المادية العسكرية، لكنّ هاسكي لم يترك لضيفه فرصة الاسترسال في التنظير دون مواجهته بمرارة الواقع، مركزا على "عجز النخب"، طارحا سؤالا جديدا بنبرة انتقادية لما آلت إليه الأمور: "كيف تطلب من الشعوب الإيمان بالدبلوماسية بينما يرون أن المؤسسات الدولية أصبحت مجرد منتديات للخطابة لا تمنع حربا ولا تنقذ طفلا؟".
هاسكي: كيف تطلب من الشعوب الإيمان بالدبلوماسية بينما يرون أن المؤسسات الدولية أصبحت مجرد منتديات للخطابة لا تمنع حربا ولا تنقذ طفلا؟
لكنّ دوفيلبان، رغم قناعته، بأن العالم يتجه نحو "الفوضى المنظمة" حيث لا يحترم أحد أحدا إلا بقدر ما يمتلك من أنياب، ظل يدعو لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، محذرا الغرب من أنه، بسلوكه في الشرق الأوسط وأوكرانيا، يفقد "سلطته المعنوية" التي كانت أهم من سلاحه النووي، وفقا لدو فيلبان.
وختم دوفيلبان حديثه بالقول إن الدبلوماسية ليست هي الاستسلام للواقع، بل هي القدرة على تغيير الواقع بالكلمة والفعل، فعلينا أن نملك الشجاعة لنقول ‘لا’ لواشنطن حين تخطئ، و’لا’ لبكين حين تتغول، فالاستقلال ليس عزلة، بل هو كرامة"، على حد تعبيره.
وعلى أوروبا، حسب دوفيلبان، أن تخرج من "سباتها الديمقراطي، وأن تعلم أن المقاومة لم تعد خيارا بل ضرورة حيوية ولا بد من انتفاضة الذكاء والإرادة السياسية".
المصدر:
الجزيرة