تنتهي، يوم الخميس، صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين الولايات المتحدة و روسيا ، ما يضع حدًا لآخر القيود المتبادلة المتبقية على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم .
ويمثل هذا التطور، بحسب مراقبين، ضربة قاضية لأكثر من خمسة عقود من جهود ضبط التسلح، في وقت يشهد فيه النظام الدولي اضطرابات متزايدة، ويسهم في تسارع انهيار منظومة القواعد الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، لوكالات أنباء روسية خلال زيارة إلى بكين: "هذه لحظة جديدة وواقع جديد، ونحن مستعدون لها".
من جهتها، حذّرت ألكسندرا بيل، رئيسة ومديرة "نشرة علماء الذرة"، من أن المخاطر النووية تسير "في الاتجاه الخاطئ" خلال عام 2025، مشيرة إلى أنها أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة، في ظل فشل القادة في الوفاء بالتزاماتهم لإدارة هذه المخاطر.
وأضافت: "نحن على بعد أيام من مشاهدة الولايات المتحدة وروسيا تبددان نصف قرن من العمل للحفاظ على الاستقرار النووي بين أكبر دولتين نوويتين".
ووصف دميتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق الذي وقع الاتفاق مع باراك أوباما عام 2010، انتهاء المعاهدة بأنه أمر "يجب أن يقلق الجميع".
وقال: "وجود اتفاق يعني وجود ثقة، أما غيابه فيعني أن الثقة قد نُفدت"، في تصريحات تعكس تحوّله إلى أحد أبرز الأصوات المتشددة في موسكو.
بدوره، كتب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما على وسائل التواصل الاجتماعي أن انتهاء الاتفاق "سيقضي بلا داعٍ على عقود من الدبلوماسية، وقد يشعل سباق تسلح جديدًا يجعل العالم أقل أمانًا".
ودعا نشطاء في مجال ضبط التسلح القوتين النوويتين إلى التحرك في اللحظات الأخيرة لإنقاذ الاتفاق، الذي يحدد سقف الرؤوس النووية الاستراتيجية المنتشرة لكل طرف بـ1550 رأسًا، وعدد وسائل الإطلاق من صواريخ وقاذفات بـ800.
وفي سبتمبر الماضي، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تمديد الاتفاق لعام إضافي، وهو ما قال دونالد ترامب حينها إنه "يبدو فكرة جيدة"، غير أن هذه التصريحات لم تُترجم إلى مفاوضات فعلية، بحسب موسكو، التي أكدت أنها لم تتلق ردًا رسميًا. وعلّق ريابكوف قائلًا: "غياب الرد هو بحد ذاته رد".
وكان ترامب قد أشار في يناير إلى استعداده للتخلي عن المعاهدة، قائلاً لصحيفة "نيويورك تايمز": "إذا انتهت، فلتنتهِ. سنبرم اتفاقًا أفضل".
وأوضح مسؤول في البيت الأبيض لاحقًا أن ترامب يرغب في اتفاق يشمل الصين أيضًا، التي تمتلك ترسانة أصغر بكثير تُقدّر بنحو 600 رأس نووي، وفق تقديرات "اتحاد العلماء الأميركيين".
وبحسب الاتحاد ذاته، تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأسًا نوويًا، تشمل المخزنة والمتقاعدة، مقابل 5459 لروسيا.
ووصفت جينيفر كافانا، مديرة التحليل العسكري في مجموعة "ديفنس برايورتيز"، الرهان على التوصل إلى "اتفاق أفضل" بعد انتهاء "نيو ستارت" بأنه "تفكير رغائبي"، مؤكدة أن أي اتفاق مع روسيا قد يكون شرطًا أساسيًا لإشراك الصين في مفاوضات ضبط التسلح.
ولا تقتصر أهمية "نيو ستارت" على القيود العددية، إذ أرست أيضًا نظامًا موسعًا للمراقبة المتبادلة وتبادل البيانات وعمليات التفتيش، رغم أن روسيا علّقت مشاركتها في هذا الجانب عام 2023 ردًا على الدعم الأميركي لأوكرانيا بعد الغزو الروسي الشامل.
ويرى خبراء أن نهاية الاتفاق تمثل المرحلة الأخيرة في تفكك منظومة ضبط التسلح العالمية، بعد انهيار اتفاقات أخرى تتعلق بالدفاع الصاروخي والصواريخ متوسطة المدى وحقوق التحليق المتبادل. كما استثمرت القوى النووية مئات مليارات الدولارات في تحديث ترساناتها، فيما لم يتردد قادة مثل بوتين وترامب في التلويح بالقوة النووية في خطابهم السياسي.
وحذّر داريل كيمبال، رئيس "جمعية ضبط التسلح" في واشنطن، من أن انتهاء "نيو ستارت" قد يشعل سباق تسلح جديدًا بسرعة، مشيرًا إلى وجود تيارات داخل المؤسسة النووية الأميركية تدفع نحو توسيع الترسانة لمواجهة صعود الصين الاستراتيجي.
كما قد يهدد انهيار الاتفاق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الموقعة عام 1970، والتي تعهدت بموجبها الدول غير النووية بعدم امتلاك السلاح النووي مقابل التزام الدول النووية بالسعي إلى نزع السلاح. ومن المقرر مراجعة المعاهدة هذا العام.
وقال كيمبال إن التخلي عن هذه الالتزامات "يمثل انتهاكًا مباشرًا للواجبات القانونية للولايات المتحدة"، وقد يقوض ركيزة أساسية أخرى من النظام الدولي القائم على القواعد.
ورغم أن الردع النووي لطالما اعتُبر عامل استقرار عالمي، يرى محللون أن فعاليته تتراجع، لا سيما بعد الحرب في أوكرانيا عام 2022 وتصاعد التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
المصدر:
يورو نيوز