آخر الأخبار

السودان.. شكوك حول حملات العودة إلى الخرطوم وسط واقع قاسٍ

شارك
قالت الأمم المتحدة إن عمليات العودة إلى الخرطوم لا تزال هشة

اتهم مراقبون وعائدون إلى العاصمة الخرطوم السلطات بمحاولة تضليل الفارين من القتال، لدفعهم إلى العودة إلى المدينة رغم النقص الحاد في الخدمات الأساسية، وانتشار الأمراض، وتصاعد الانفلات الأمني.

اتهم مراقبون وعائدون إلى العاصمة الخرطوم السلطات بمحاولة تضليل الفارين من القتال، لدفعهم إلى العودة إلى المدينة رغم النقص الحاد في الخدمات الأساسية، وانتشار الأمراض، وتصاعد الانفلات الأمني.

وتزايدت الشكوك حول حقيقة الأوضاع في العاصمة بعد اختيار عدد من المؤسسات الحكومية، التي عادت الأسبوع الماضي، مواقع بعيدة عن مقارها الرئيسية السابقة التي كانت تتركز قبل الحرب في وسط الخرطوم، وهي مناطق تشير تقارير إلى تعرضها لتلوث خطير.

وتداول عائدون حديثا إلى العاصمة روايات مأساوية، مؤكدين أن الواقع الذي واجهوه على الأرض كان مختلفا تماما عن الصورة التي تشكلت لديهم قبل العودة.

من جهتها، قالت الأمم المتحدة إن عمليات العودة لا تزال هشة، وغالبا ما تتم إلى مناطق تعاني من بنية تحتية متضررة، وخدمات محدودة، وانعدام مستمر للأمن.

وأشارت المنظمة إلى أنه من بين نحو 15 مليون شخص نزحوا داخليا أو عبروا الحدود إلى خارج البلاد خلال ألف يوم من النزاع، عاد 3 ملايين فقط إلى مناطقهم الأصلية، من بينهم نحو مليون عادوا إلى العاصمة الخرطوم، من أصل أكثر من 8 ملايين فروا منها بعد اندلاع القتال في منتصف أبريل 2023.

مخاوف كبيرة

اصطدم معظم العائدين إلى العاصمة خلال الأسابيع الماضية بواقع مغاير تماما لما روجت له حملات العودة التي تقودها مجموعات موالية لسلطة الجيش.

ووفقا لعلي محمود، الذي عاد في نهاية ديسمبر إلى منزله في أحد أحياء شرق الخرطوم قبل أن يغادره بعد أقل من يومين، فإن معظم الأحياء السكنية باتت غير صالحة للحياة.

ويوضح لموقع "سكاي نيوز عربية": "الحرب دمرت كل شيء، وحتى القلة التي رأيتها في المنطقة تعاني من إنهاك شديد بسبب نوبات الحمى المتكررة المنتشرة في كل مكان".

ويضيف: "كنت أشكك في التقارير التي تتحدث عن استخدام مواد سامة أو عن تلوث كيميائي، لكن ما شاهدته من أوضاع صحية متدهورة وهجران لعدد من المباني الحكومية جعلني أعيد التفكير في تلك التقارير".

وتعد المنطقة التي يتحدث عنها محمود واحدة من 3 مناطق كشفت تحقيقات أجراها فريق "مراقبون" ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" عن وجود أدلة تشير إلى استخدام حاويات كلور ومواد كيميائية فيها خلال العام الماضي.

ومع تزايد انتشار أمراض غامضة في عدد من مناطق العاصمة خلال الأشهر الأخيرة، تحدثت مصادر طبية وبيئية عن ارتباط محتمل بتلوث في الهواء ناجم عن استخدام أسلحة كيميائية.

وكانت مناطق شمال شرق الخرطوم تضم عددا من المؤسسات والهيئات الحكومية التي عادت خلال الأسابيع الماضية من مقرها المؤقت في بورتسودان شرق البلاد، لكنها اختارت مواقع بديلة بعيدة عن مقارها السابقة.

تناقض صارخ

يتهم مراقبون جهات رسمية بمحاولة دفع النازحين واللاجئين إلى العودة إلى الخرطوم لتحقيق أهداف سياسية، معتبرين أن لجوء مؤسسات حكومية إلى مقار بديلة يشكل دليلا واضحا على وجود صعوبات جسيمة تحول دون عودة آمنة.

وينبه المراقبون إلى أن تكثيف حملات العودة تزامن مع تنفيذ عمليات صيانة شكلية لم تعالج جوهر الأضرار التي يفترض إصلاحها قبل تشجيع السكان على العودة.

وفي الواقع، لا تزال معظم مناطق العاصمة تفتقر إلى خدمات الكهرباء والمياه، إلى جانب نقص حاد في الخدمات الصحية وانتشار واسع للأمراض.

وترى الكاتبة الصحفية صباح محمد الحسن أن الحكومة تسعى إلى إظهار حضورها السياسي والإداري في العاصمة دون اكتراث كاف بالأوضاع البيئية والأمنية أو بالظروف المعيشية والخدمية.

وتقول لموقع سكاي نيوز عربية: "الدعوة للعودة لا تستند إلى حقائق ميدانية، بل تقتصر على رسائل سياسية ورمزية مفادها أن الخرطوم يجب أن تستعيد دورها كعاصمة، رغم الواقع القاسي الذي يواجهه العائدون الذين ضللتهم الحملات الإعلامية".

وتشير الحسن إلى تناقض واضح في الخطاب الرسمي، موضحة أن حملات العودة تكشف حالة التخبط التي تعيشها السلطة القائمة، إذ تراهن على أن وجودها في الخرطوم سيشجع المواطنين على العودة تدريجيا، بينما تعترف في الوقت ذاته بأن الظروف غير مثالية، وتتجاهل أن هذه الخطوات تهدف إلى إبراز صورة زائفة للاستقرار في المركز، في وقت تستمر فيه معاناة إقليمي دارفور وكردفان تحت وطأة الحرب والحصار، ما يعمق مخاوف تهميش الأزمات الإنسانية.

محاولات قسرية

ومنذ نهاية نوفمبر، تنظم منصات وجهات إعلامية موالية للجيش حملات مكثفة لتشجيع المواطنين على العودة إلى الخرطوم، وازدادت هذه الحملات زخما بعد إصدار جهات حكومية قرارات بعودة قسرية لبعض المؤسسات، لا سيما الجامعات التي كانت تشغل مراكز خارجية لطلابها عقب اندلاع الحرب، حيث حددت وزارة التعليم العالي شهر أبريل المقبل موعدا لاستئناف الدراسة من العاصمة.

ويرى مراقبون أن التركيز على الجامعات يعود إلى كونها تشكل نسبة كبيرة من سكان الخرطوم، إذ يقدّر عدد الطلاب بنحو نصف مليون طالب يدرسون في 39 جامعة و82 مؤسسة تعليمية حكومية وخاصة.

وفي ظل غياب توضيحات من الجامعات والمؤسسات الحكومية التي كانت تدير أنشطتها من بورتسودان أو من خارج البلاد بشأن كيفية التكيف مع الأوضاع المتدهورة في العاصمة، ودون تقديم ضمانات تتعلق بالسكن أو الأمن للموظفين والطلاب، يتهم مراقبون سلطة الجيش بالضغط على هذه المؤسسات لضمان عودة أكبر عدد ممكن من السكان، في محاولة لرفع معدلات العودة.

وبحسب الباحث والأستاذ الجامعي، جمال الجاك، فإن هذه الدعوات تأتي في توقيت يفتقر إلى الحد الأدنى من الجاهزية الأمنية والخدمية.

ويقول لموقع سكاي نيوز عربية: "هناك ضغط سياسي مباشر لتسويق عودة الحياة إلى الخرطوم على حساب سلامة العائدين وحقوقهم".

ويضيف: "الواقع يكذب الخطاب الرسمي؛ فالأحياء لا تزال بلا خدمات، والسلاح منتشر في كل مكان، في ظل غياب تام لأي ترتيبات لحماية السكان".

وفي السياق ذاته، قال مسؤول إداري في جامعة حكومية، طلب حجب اسمه: "وُزعت علينا قرارات نقل الطلاب إلى الخرطوم دون أن يطلب منا إعداد تقارير سلامة، أو حصر الأضرار، أو تقدير التكاليف".

أرقام صادمة

مع دخول الحرب عامها الرابع، حذرت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة من أن ملايين السودانيين سيظلون عالقين في دوامات النزوح واللجوء، بسبب استمرار حالة عدم اليقين والفشل في إحراز تقدم ملموس نحو السلام والاستقرار.

ومنذ اندلاع الصراع، أُجبر نحو ثلث سكان السودان، البالغ عددهم قرابة 48 مليون نسمة، على مغادرة منازلهم، من بينهم 11.58 مليون نازح داخليا، ونحو 4 ملايين لاجئ عبروا الحدود في ذروة الأزمة، وفقا لبيانات المنظمة.

وتسبب النزاع في نزوح أعداد تفوق ضعف من نزحوا في السودان خلال العقدين الماضيين مجتمعين، إذ بات السودان يمثل نحو 15 بالمئة من إجمالي النازحين داخلياً في العالم، أي أن واحداً من كل سبعة نازحين داخلياً على مستوى العالم هو سوداني.

وأكدت المنظمة أن الحرب أدت إلى أزمة إنسانية حادة أزهقت أرواح الكثيرين، واقتلعت مجتمعات بأكملها، وتسببت في أكبر حالة نزوح طارئ في العالم.

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، آمي بوب: "لقد خلّف ألف يوم من الصراع أثرا لا يطاق على الشعب السوداني. فخلف كل إحصائية نزوح عائلة تبذل قصارى جهدها لحماية أطفالها والحفاظ على كرامتها والبقاء على قيد الحياة بأقل الإمكانيات. يجب أن تقابل شجاعة الشعب السوداني بتحرك دولي مستدام يحمي المدنيين، ويدعم الأسر النازحة، ويهيئ الظروف للسلام، حتى يتمكن الناس من العودة بأمان والتعافي وإعادة بناء حياتهم".

وبحسب بيانات المنظمة، تسببت 743 حادثة نزوح في مختلف أنحاء السودان منذ أبريل 2023، منها 524 حادثة مرتبطة بالصراع، و219 ناتجة عن كوارث طبيعية مثل الفيضانات والحرائق.

ولا يزال الأطفال يتحملون العبء الأكبر للأزمة، إذ إن أكثر من نصف النازحين داخلياً في السودان (55%) تقل أعمارهم عن 18 عاماً، ويواجهون انقطاعاً في التعليم، ومخاطر متزايدة على سلامتهم، وتداعيات طويلة الأمد على رفاههم ومستقبلهم

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا