في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مقال مطوّل نشرته مجلة فورين أفيرز، استقصى الباحث الأميركي المتخصص في شؤون الأمن القومي، أفشون أوستوفار، مسار الأزمة البنيوية التي تعصف بالنظام الحاكم في إيران، محللا أسبابها ومراحل تطورها وتفاصيلها.
وكتب قائلا إن النظام الإيراني بدا متماسكا وهو يمر بمرحلة فريدة من نوعها، تمثّلت في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت مدن البلاد.
لكن الكاتب يرى أن هذا التماسك ليس سوى غطاء لهشاشة داخلية تنذر بانفجار وشيك، مرجحا أن لحظة التحول الحاسمة، إن وقعت، لن تأتي عبر ثورة شعبية مباشرة، بل من خلال تصدّع داخلي في صفوف النخبة الحاكمة يتبلور ببطء ثم ما يلبث أن ينفجر على نحو مفاجئ.
وانطلق أوستوفار في شرح رؤيته من حقيقة أن إيران تواجه أخطر تحدٍّ داخلي منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل 47 عاما. فقد شهدت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة موجة احتجاجات غير مسبوقة من حيث اتساع رقعتها الجغرافية وتنوعها الاجتماعي، وجرأتها السياسية.
يسود إدراك عميق بأن النظام يعيش أزمة وجودية، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية الأميركية التي تلوح في الأفق
وشارك في الاحتجاجات مئات الآلاف من الإيرانيين الغاضبين من التدهور الاقتصادي، وغلاء المعيشة، واستشراء الفساد، وانسداد الأفق السياسي.
ووفق المقال، فقد ردّت السلطات على تلك الاحتجاجات بحملة قمع واسعة النطاق، زاعما أنها أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين في واحدة من أكثر عمليات القمع دموية في تاريخ النظام.
وأشار الباحث الأميركي إلى أن النخبة الإيرانية، رغم اختلاف مشاربها بين إصلاحيين ومتشددين، قد اتحدت ظاهريا لقمع التظاهرات، وتبنت رواية موحدة تنسب العنف لجهات خارجية.
بيد أن خلف هذه الجبهة الموحدة، يسود -برأيه- إدراك عميق بأن النظام يعيش أزمة وجودية، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية الأميركية التي تلوح في الأفق.
وفي الوقت نفسه، يزعم الكاتب أن النظام فقد معظم ما تبقى له من شرعية اجتماعية، ليس فقط بين الشباب والطبقات الوسطى، بل أيضا في المدن المحافظة وبين فئات كانت تُعدّ تقليديا من ركائز دعمه، مثل التجّار التقليديين.
وفي تقدير أوستوفار أن هذه الأزمة الداخلية تتزامن مع وضع خارجي غير مُؤات. فقد تراجعت شبكة حلفاء إيران الإقليميين، وتعرّض نفوذها في المنطقة لانتكاسات متتالية.
وتزامن ذلك، وفق الكاتب، مع تصعيد الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، من لهجتها العدائية، ملوّحة بإمكانية استهداف طهران مباشرة والسعي لإسقاط النظام.
في هذا السياق، يرى أوستوفار أن كثيرا من النخب داخل النظام باتوا مقتنعين بأن القيادة الحالية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، عاجزة عن تقديم حلول حقيقية أو رؤية للخروج من الأزمة.
بالنسبة للبعض، لم يعد خامنئي عنصر استقرار، بل تحوّل إلى عقبة تهدد بقاء النظام نفسه، ما يفتح الباب أمام التفكير في إزاحته كخيار لإنقاذ الذات والمؤسسة
وبالنسبة لبعض هؤلاء، لم يعد خامنئي عنصر استقرار، بل تحوّل إلى عقبة تهدد بقاء النظام نفسه، ما يفتح الباب أمام التفكير في إزاحته كخيار لإنقاذ الذات والمؤسسة، حسب الكاتب.
ويؤكد الكاتب أن أي تحرك من هذا النوع لن يحدث تدريجيا أو علنيا، بل سيأتي في صورة انقلاب داخلي سريع وخاطف، بلا مؤشرات مسبقة واضحة.
ويصف أوستوفار هذا النمط بأنه "انهيار تدريجي يعقبه سقوط مفاجئ"، وهو مسار مألوف في الأنظمة السلطوية التي تبدو صلبة حتى لحظة الانكسار.
ويستعرض مقال فورين أفيرز 3 مسارات محتملة للتغيير في إيران:
وفي حال وقوع انقلاب، يرجّح أوستوفار أن يكون الحرس الثوري الإيراني اللاعب المركزي، نظرا لكونه القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية الأبرز في البلاد.
ورغم أن الحرس الثوري هو المستفيد الأكبر من حكم خامنئي والحارس الأساسي للنظام الإسلامي، فإنه أيضا الأكثر عرضة للخسارة في حال انهيار النظام عبر ثورة شعبية أو تدخل أجنبي، مما يمنحه دافعا قويا للسيطرة على مسار التغيير، بحسب المقال.
ويشدّد الكاتب على أن الحرس الثوري ليس كتلة متجانسة، بل يعاني من انقسام حاد بين جيلين. الجيل الأول، المتمثل في القيادة العليا، يتكوّن من شخصيات نشأت مع الثورة الإسلامية وخاضت الحرب مع العراق، وترتبط بخامنئي أيديولوجيا وشخصيا.
هذا الجيل متمسّك بالحكم الديني، ومستفيد من الفساد، وقد يسعى، إن قاد انقلابا، إلى الحفاظ على جوهر النظام مع تقديم تنازلات خارجية محدودة، مثل التفاوض على الملف النووي مقابل رفع العقوبات، وفقا لرؤية الباحث الأميركي.
يخلص الكاتب إلى أن أيّاً من هذه السيناريوهات لن يقود إلى ديمقراطية حقيقية
في المقابل، يمثّل الجيل الأصغر ضباطا تدرّجوا في صفوف الحرس الثوري خلال صعود النفوذ الإيراني الإقليمي بعد عام 2003.
ويصف المقال هؤلاء بأنهم أقل التزاما بالقيود الاجتماعية الصارمة، وأكثر نزعة قومية، وأكثر تشددا عسكريا في الخارج.
وإذا قادوا انقلابا، فقد يُقدِمون على تغييرات أوسع، مثل تقليص دور المرشد الأعلى، وتخفيف القوانين الاجتماعية التي فجّرت غضب الشباب، مع الإبقاء على طموح إيران كقوة إقليمية كبرى.
ومع ذلك، يخلص أوستوفار إلى أن أيّاً من هذه السيناريوهات لن يقود إلى ديمقراطية حقيقية. فالانقلاب، أياً كان قائده، سيهدف أساسا إلى حماية مصالح النخبة وإعادة إنتاج النظام بصيغة معدّلة، لا إلى تمكين الشعب.
غير أن تصدّع النخبة، حتى في هذا الإطار، سيشكّل "اعترافا ضمنيا" بفشل القيادة الحالية، وخطوة إضافية في مسار تفكك الجمهورية الإسلامية، برأي الكاتب.
ويختتم الكاتب مقاله بالتشديد على إن إيران تقف على أعتاب مرحلة تغيير لا مفرّ منها، مشيرا إلى أن ذلك لن يحدث فورا، لكن النظام، الذي بدا يوما عصيّا على الكسر، بات الآن ينهار من الداخل ببطء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة