آخر الأخبار

لماذا أصبحت العلاقة مع روسيا خيارا إستراتيجيا لسوريا؟

شارك

أكدت زيارة الوفد السوري الرفيع إلى موسكو أواخر الشهر الماضي، وطبيعة المباحثات التي أجراها مع القيادات الروسية، أن دمشق باتت تنظر للعلاقة مع موسكو كخيار إستراتيجي، وعامل مهم في التوازنات التي تسعى السلطة السورية إلى مراعاتها، في ظل أوضاع داخلية وإقليمية تتميز بقدر كبير من الهشاشة وسيولة في التطورات والمواقف.

التوقيت والسياق

جاءت زيارة الوفد السوري المكون من وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة ومسؤولين في الاستخبارات العامة، إلى روسيا، في توقيت بالغ الأهمية، إذ تستعيد موسكو دورها العالمي، بإقرار أميركي يعترف بمصالح روسيا الأمنية ومراعاة حساسيتها، سواء في أوكرانيا، أو تجاه توسيع حلف الناتو، حيث، ومن خلال بوابة إنهاء الحرب في أوكرانيا، قدمت واشنطن الضمانات لروسيا بهذا الخصوص، الأمر الذي يعيد لروسيا اعتبارها كفاعل دولي مهم سواء في أوروبا، أو في مناطق أخرى في العالم.

هناك مستويات عسكرية وأمنية وسياسية في واشنطن، ترفض التخلي عن ورقة "قسد" وترى أن الاستثمار الأميركي في قواتها، على مدى الأعوام السابقة، يجب ألا يتم تقديمه هدية مجانية لتركيا ودمشق

على الطرف المقابل، كانت إدارة الرئيس أحمد الشرع تدرك أن ثمة تطورات تحيط بسوريا، وتتفاعل في إطار جغرافيتها، باتت تحتاج إلى تحركات تحوطية، وعدم الاكتفاء بالركون إلى الرهان على وجود رغبة أميركية بمساعدة دمشق على تجاوز الأوضاع الأمنية الهشة، وإدراك الإدارة السورية أن الانشغالات الأميركية، بالتراكب مع إستراتيجيات الفاعلين الإقليميين والمنافسات الحاصلة، والتي تكاد تصل إلى حد الحرب بالوكالة، لا تكفي للنوم على وسائد حرير.

وفي كل الأحوال، تمثل الزيارة استكمالا لمسار بدأ منذ عملية "ردع العدوان"، حيث بنى الطرفان جملة تفاهمات، بعضها معلن، مثل الحفاظ على نفوذ روسيا في سوريا، ولو مع تغيير نسبي في الصلاحيات والمهل الزمنية، وبعضها غير معلن لمراعاة اعتبارات داخلية وخارجية.

وضمن هذا السياق، كان الشرع قد زار موسكو منتصف أكتوبر/تشرين الأول، وهي الزيارة التي مثلت تدشينا لمرحلة جديدة تقوم على مقاربة واقعية للعلاقة بين البلدين تتجاوز كل مخلفات الماضي.

وقائع حاكمة

يرتبط تطوير مستوى العلاقات بين دمشق وموسكو، وصولا إلى تحويلها إلى علاقة إستراتيجية، بتقديرات سورية، هي أشبه بخلاصات توصلت لها إدارة الرئيس الشرع في نهاية عام من الوصول إلى السلطة، نتيجة قراءة متأنية لمشهد الأحداث في المنطقة وديناميكياته الصاعدة بقوة، والتي لا بد أنها كشفت عن ولادة مصفوفة من المخاطر باتت تدق باب الاستقرار السوري بقوة.

حدود الرهان على ترامب

رغم ما يبديه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من رغبة في منح القيادة السورية الجديدة فرصة للخروج من الأوضاع التي خلفتها سنوات الحرب، وتجلى ذلك بوضوح في إزاحة العقوبات ما يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات التي تحتاجها سوريا للنهوض، فإن ترامب بدا عاجزا عن حل إشكاليات خطيرة والتي مع استمرارها لا يمكن الاستفادة من الاستثمارات الموعودة، ولا سيما في ملفَي "قسَد" والتدخلات الإسرائيلية في سوريا ومساعيها المعلنة في تفكيك البلاد.

إعلان

والواضح أن هناك مستويات عسكرية وأمنية وسياسية في واشنطن، ترفض التخلي عن ورقة "قسد" وترى أن الاستثمار الأميركي في قواتها، على مدى الأعوام السابقة، يجب ألا يتم تقديمه هدية مجانية لتركيا ودمشق، ربما ظنا منها أن الأمور في المنطقة لا تزال في طور إعادة الهندسة، وبالتالي فإن جميع الأوراق التي تملكها واشنطن مهمة لتقوية موقفها التفاوضي والحصول على امتيازات وتنازلات أكبر.

وفي الجانب الإسرائيلي، بدا أن ترامب لديه استعداد كبير لمجاملة تل أبيب والانحياز لرؤيتها في سوريا، وربما فرض أمر واقع على دمشق للقبول بالشروط الإسرائيلية للتوقيع على الاتفاق الأمني الموعود، على قاعدة ليس بالإمكان أفضل مما كان، وضرورة مراعاة اعتبارات توازنات القوى ومصالح إسرائيل. لا سيما أن تعهدات ترامب افتقرت إلى آليات تنفيذية واضحة.

انطلاقا من ذلك، فإن دمشق، وبإعلانها رفع درجة العلاقات مع موسكو إلى المستوى الإستراتيجي، ترسل رسالة واضحة لمن يعنيه الأمر، أن دمشق لديها خيارات أخرى ومجال للتحرك للحفاظ على مصالحها وحماية نفسها من التهديدات الخارجية.

اتساع مساحات هشاشة الوضع الأمني

ليس سرا أن دمشق باتت محاصرة بأزمات داخلية عديدة، وأهمها حالات الاستعصاء والتمرد التي تشهدها مناطق شرق وغرب وجنوب سوريا، وهي حالات تشهد ارتفاعا ملحوظا في منسوب التوتر، وانتهاج قيادات التمرد في تلك المناطق خيارات تصعيدية، وهذه الحالات تبدو مدعومة من أطراف خارجية، بل إن واشنطن نفسها، في الوقت الذي فتحت أبوابها أمام إدارة الشرع، وضعت قيودا ومحددات على سلوكها الداخلي، وتبين ذلك من خلال البيان الذي تبناه أكثر من 100 عضو في الكونغرس، والذي يتضمن محتواه وضع سوريا تحت مجهر المراقبة في طريقة معالجتها ملف الأقليات.

تتأتى أهمية تعزيز العلاقة مع روسيا من كون أن موسكو تملك قنوات تواصل مع الأطراف المحلية، فضلا عن خبرة كونتها منذ عام 2015، ولها تواجد فعلي في مناطق الساحل، وكانت، وما زالت على تماس مباشر مع بعض القوى في الساحل، من خلال التنسيق ضد المعارضة، وجزء كبير ممن يشكلون ما يسمى "فلول" النظام" ارتبط بعلاقة عسكرية مع روسيا، فضلا عن وجودها في مواقع عديدة في شرق سوريا، وعلاقات سياسية مع الإدارة الذاتية الكردية، بالإضافة إلى علاقاتها مع الدروز في تلك المرحلة، ومن ثم فإن تعزيز العلاقة الروسية، بتقدير دمشق، من شأنه تسهيل عمليات الاندماج وترميم شبكة العلاقات مع الأطراف المذكورة.

سياسات إسرائيل التفكيكية

تشكل السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا، أحد أهم محفزات إدارة الشرع لتعزيز العلاقة مع روسيا، إذ تصر إسرائيل على إبقاء سوريا في وضع من الهشاشة والتفكك، من خلال دعم قوى محلية متمردة ترفض إعادة توحيد البلاد، ومنع بناء جيش وطني قوي، وتتذرع إسرائيل بأن التغيير الذي حصل في سوريا، قد يشكل فرصة لبناء قوى سنية معادية بقيادة تركيا، وتتذرع بحماية الأقليات لإبقاء سوريا هشة وضعيفة.

وعبر النافذة الروسية تسعى الحكومة السورية إلى سد الذرائع الروسية، وإحداث توازن نسبي، وتوسيع نطاق الأمان في مواجهة السياسات الإسرائيلية المنفلتة، وتستثمر الحكومة السورية سياسة روسيا التي تدعو إلى الحفاظ على وحدة سوريا ومنع تقسيمها.

إعلان

كما تسعى الحكومة السورية إلى إيجاد مقاربة جديدة تجاه جنوب سوريا، من خلال وجود القوات الروسية كضامن بين سوريا وإسرائيل، وهو الدور الذي أجادته روسيا في فترة حكم النظام السابق، وفي هذا السياق تعمل إدارة الشرع على طمأنة إسرائيل بأن جنوب سوريا سيكون بعيدا عن التأثيرات التركية، وبذلك تتلاقى مع رغبات حكومة نتنياهو بتعزيز الدور الروسي على حساب الدور التركي في سوريا، وهو ما يبدو أن واشنطن باتت متفهمة له وقابلة به.

مخاطر جيوسياسية داهمة

يعيش إقليم الشرق الأوسط برمته لحظة صراع قاسية، حيث تسعى أطرافه إلى تحسين مواقعها الجيوسياسية عبر استثمار حالات الفوضى واختلال موازين القوى وما تبعها من انهيار للمعادلات الإقليمية السابقة، ويبرز بهذا الصدد التحالف الإسرائيلي- اليوناني- القبرصي، المعادي بشكل صريح لتركيا في المنطقة، والساعي إلى الهيمنة على ثروات البحر المتوسط النفطية والغازية.

وتبدو احتمالات الصدام واردة بنسبة كبيرة بين طرفي التنافس: تركيا والتحالف المقابل، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على أمن سوريا البحري، كما أن هذا التحالف، الذي اجتمعت قياداته مؤخرا في تل أبيب، من شأنه التأثير في التوازنات البحرية والطاقة في شرق المتوسط، بما يضر بالمصالح السورية، في وقت يبدو أن مستقبل سوريا سيرتكز على استثماراتها البحرية في الطاقة وحركة الموانئ والتواصل مع العالم الخارجي.

وفي هذا السياق، تشكل العلاقة الإستراتيجية مع روسيا عامل توازن وقوة ردع في مواجهة التحالف القائم في شرق المتوسط، إذ تشكل قاعدة طرطوس البحرية، وعقود التنقيب الروسية عن النفط والغاز في السواحل السورية، مصالح قومية وإستراتيجية لموسكو لا يمكن المناورة بها.

مصالح ملحة

تأكد للحكومة السورية أن العلاقة مع روسيا تندرج في خانة الضرورات، ذلك أنه نتيجة ظروف تاريخية، كان لروسيا الدور الأساسي في تصميم البنى التحتية في المنشآت والصناعة والكهرباء والتنقيب عن النفط والغاز، بالإضافة إلى سلاسل توريد القمح والمنتجات الزراعية والغذائية التي دامت لعقود طويلة، وبشروط مالية تفاضلية، وهو ما لا توجد بدائل عنه في المرحلة الحالية على الأقل.

ويشكل عامل إعادة بناء الجيش السوري وتسليحه اعتبارا مهما في هذه المرحلة، فجميع الأسلحة الباقية من عهد النظام السابق، وتلك التي استعملتها الفصائل المسلحة وتدربت عليها، ذات منشأ روسي، ولا يبدو أن هناك موردين آخرين قد يحلّون مكان روسيا في هذا المجال لأسباب سياسية وأمنية.

محاذير

لا يخلو التوجه السوري نحو روسيا من مآخذ عديدة واعتراضات من قبل شرائح سورية، سواء نتيجة دور روسيا في مساعدة نظام الأسد في قتل السوريين، أو نتيجة شكوك بدورها الحالي في دعم فلول الأسد وأطماعها الصريحة في الساحل السوري، بالإضافة إلى حقيقة أن سوريا هي الطرف الضعيف في معادلة العلاقة الجديدة، الأمر الذي سيرتب عليها تنازلات تؤثر بالمصالح الوطنية السورية.

بالإجمال، العلاقات مع القوى الكبرى، وفي ظروف مثل التي تعيشها سوريا، تنطوي على مخاطر الوقوع في فخ التبعية، ولكن يبقى مدى قدرة دمشق على إدارة توازنات فعلية بين مصالحها والحفاظ على توازن العلاقة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا