انطلقت في نيويورك واحدة من أكثر القضايا الجنائية تعقيدا وإثارة للجدل، بعد اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس مطلع يناير/كانون الثاني الجاري.
واستعرضت مجلة فورين بوليسي تفاصيل القضية، مشيرة إلى أنها طويلة ومتشعبة، ولا تختبر فقط حدود القانون الأميركي، بل تضع النظام الدولي وقواعد السيادة أمام امتحان حقيقي، إذ اعتبر العديد من الخبراء المحاكمة برمتها انتهاكا للقانون الدولي.
تولى الدفاع المحامي البارز باري بولاك، وهو محامٍ شرس من واشنطن لُقب بـ"البيت بول"، اشتهر بتمثيل جوليان أسانج -مؤسس ويكيليكس- وتأمين إطلاق سراحه
وبحسب ما أورده كاتبا التقرير، جون هالتيونغر وكيث جونسون، فإن مادورو ليس أول زعيم أجنبي يمثل أمام القضاء الأميركي، لكنه بلا شك من أكثرهم إثارة للجدل.
فالملف القانوني ضده، الذي بدأ مساره في محكمة المنطقة الجنوبية لولاية نيويورك، يتقاطع فيه القانون الجنائي والدولي مع حسابات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية.
على مقعد القاضي، يجلس ألفين هيلرستين، القاضي المخضرم البالغ من العمر (92 عاما)، والمعروف باستقلاليته، إذ سبق وأن حكم ضد قرارات إدارة ترامب المتعلقة بالهجرة، وقد تعهد بمنح مادورو "محاكمة عادلة"، وفق ما نقلته المجلة.
في المقابل -يتابع التقرير- يقود الادعاء مكتب المدعي العام للمنطقة الجنوبية من نيويورك، برئاسة جاي كلايتون، ويعاونه فريق قانوني سبق وأن شارك في إعداد لائحة الاتهام الأصلية ضد مادورو عام 2020.
أما الدفاع، بحسب المجلة، فيتولاه المحامي البارز باري بولاك، وهو محامٍ شرس من واشنطن لُقب بـ"البيت بول"، اشتهر بتمثيل جوليان أسانج -مؤسس ويكيليكس– وتأمين إطلاق سراحه من سجون بريطانيا.
ويتولى المحامي مارك دونيلي الدفاع عن زوجة مادورو سيليا فلوريس، وفق التقرير، وقد عمل سابقا في وزارة العدل الأميركية لأكثر من عقد.
تتمحور الاتهامات الأساسية حول ما تصفه النيابة الأميركية باستغلال مادورو ومقربين منه مناصبهم الرسمية على مدى أكثر من 25 عاما لتسهيل إدخال أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، بحسب المجلة.
وتشمل لائحة الاتهام 4 تهم رئيسية، من بينها التآمر في إطار "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، عبر التعاون مع جماعات شبه عسكرية كولومبية مثل القوات المسلحة الثورية الكولومبية وجيش التحرير الوطني، وعصابات المخدرات المكسيكية بما في ذلك "كارتل سينالوا"، وعصابة "ترين دي أراغوا".
إذا أُدين مادورو فقد يحكم عليه بالسجن مدى الحياة
أما التهم الأخرى فهي التآمر لاستيراد الكوكايين، إضافة إلى حيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية. وقال التقرير إنه إذا أُدين مادورو فقد يحكم عليه بالسجن مدى الحياة.
وذكر التقرير أن فلوريس متهمة بتلقي رشوة عام 2007 لترتيب لقاء بين تاجر مخدرات كبير ومدير المكتب الوطني لمكافحة المخدرات في كاراكاس.
وأشارت المجلة إلى أن لائحة الاتهامات هذه تعد امتدادا لملف قضائي سابق فُتح عام 2020، اتهم مادورو بقيادة ما شبكة مخدرات " كارتل الشمس" المتهمة بتهريب المخدرات إلى أميركا.
حتى الآن، مثل مادورو وزوجته أمام المحكمة، وأعلنا براءتهما من جميع التهم، مع تحديد مارس/آذار المقبل موعدا للجلسة التالية. لكن خلف هذا المشهد، لفتت المجلة إلى تراكم الأسئلة حول الأدلة.
وذكر التقرير أن خبراء قانونيين شككوا في امتلاك الادعاء أدلة مباشرة كافية تربط مادورو شخصيا بعمليات تهريب المخدرات، خصوصا في ظل التناقض بين الخطاب السياسي الأميركي ومحتوى لائحة الاتهام نفسها.
وأوضح أن ترامب برّر التدخل العسكري في فنزويلا باعتباره خطوة لحماية الديمقراطية واستعادة النظام والدفاع عن حقوق الإنسان، لكن لائحة تهم مادورو ركّزت بشكل شبه حصري على جرائم جنائية تقليدية لا علاقة لها بالحملة السياسية على كاراكاس.
وسلط التقرير الضوء على أول تحد في القضية: مسألة الحصانة السيادية. فالدفاع يجادل بأن مادورو كان رئيسا لدولة ذات سيادة وقت اعتقاله، مما يمنحه حصانة قانونية. بينما تصر واشنطن على أنه لم يكن رئيسا شرعيا، بعد انتخابات 2024 التي اعتبرتها مزورة.
وتثير القضية تساؤلات عن ازدواجية المعايير الأميركية، برأي فورين بوليسي، في ظل العفو الذي منحه ترامب مؤخرا لرئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، الذي حكم عليه عام 2024 بالحبس 45 سنة لإدانته بالاتجار بالمخدرات والأسلحة النارية.
كما أشارت المجلة إلى أن واشنطن تحاكم مادورو وتشكك في شرعية حكومته في الوقت الذي تتفاوض فيه مع وزراء في نظامه -مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو- لا تزال أسماؤهم مدرجة في قوائم المطلوبين بتهم المخدرات.
وبينما تمضي المحاكمة قدما، يبقى مصير مادورو معلقا بين القانون والسياسة، في معركة قد تكون واحدة من أطول وأعقد المواجهات القضائية في تاريخ العلاقات الأميركية اللاتينية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة