نفّذت إسرائيل الخميس الماضي ضربة جوية مركّزة على صنعاء، أودت بحياة رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه. وقدّمت تل أبيب الضربة باعتبارها "ساحقة". أما الحوثيون فتعهدوا بالانتقام، ووصفوا الضربة بأنها "غادرة"، وأنهم مستعدون لمواجهة تصعيد محتمل، لعل أهم بشائره أن إسرائيل نقلت اليوم اجتماعين مهمين -أحدهما للحكومة والآخر للمجلس الوزاري المصغر ( الكابينت )- إلى "مكان سري".
اعتمدت إسرائيل منذ سنوات على الضربات الجراحية كأداة لاحتواء خصومها عبر اغتيالات مركزة، وقصف مواقع دقيقة، وتعطيل لحظي للبنية التحتية. وتأتي الضربة الأخيرة في صنعاء في هذا السياق نفسه، وهو ما يمكن أن يوصف بإستراتيجية قطع الرأس بدل الدخول في حرب استنزاف طويلة.
لكنّ السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: هل تكفي هذه الضربات فعلًا لتحييد خطر الحوثيين، أم أنها تفتح الباب لتحوّلهم إلى رمزٍ أقوى مما كانوا عليه؟
الصحف العالمية ذهبت إلى تقييمات متباينة، فمن جهتها اعتبرت صحيفة فايننشال تايمز أنه رغم مقتل رموز حكومية، فمن غير المتوقع أن تؤثر الضربة بشكل جوهري في قدرات الجماعة العسكرية. وتشير الصحيفة إلى أن القتلى قادة إداريون بالتحديد ولا يحتلون مراكز قيادية عسكرية فاعلة، وبالتالي فمن غير المحتمل أن تؤثر الضربة تأثيرًا جذريًا في القدرات العملياتية لجماعة الحوثي.
وتتفق وكالة أسوشيتد برس مع هذا التحليل، فالضربة استهدفت كبار المسؤولين خلال اجتماع، لكن لم تتضمن عناصر عسكرية بارزة، مما يضعف من احتمال تقليص جيوب القوة المنتجة أو الذخائر أو البنية التحتية العسكرية الفعلية. أما صحيفة وول ستريت جورنال فترى أن الضربة الرمزية توضح تقدم الاستخبارات الإسرائيلية في الاستهداف، لكنها لا تبدو حاسمة من الناحية العسكرية، لأن الضحايا لم يكونوا في قلب القيادة العسكرية.
وفي السياق الأوسع يذهب تقرير المجموعات التحليلية مثل "كرايسس غروب" إلى أن الحوثيين عززوا قدراتهم المسلحة -بما في ذلك استخدام الذخائر العنقودية وصواريخ باليستية – مما يجعلهم أكثر مرونة ضد الضربات الجوية وتدعيمًا لمقاومتهم.
ويؤكد موقع ويكي بيانات أن الهجمات الأميركية الأكبر حجما لم تحقق تدميرا جذريا للقدرات العسكرية الحوثية؛ إذ رغم الخسائر في الأرواح والبنية التحتية، فإن الجماعة استمرت في تنفيذ هجماتها بالصواريخ والطائرات.
أما التغطيات الإسرائيلية فأكدت أن الضربة كانت دقيقة واستهدفت أهدافاً عسكرية، ووصفتها بأنها "ضربة قاسية" في إطار حملة أوسع ضد تهديدات عدّة. ونقلت جيروزالِم بوست أن المؤسسة الأمنية تعتقد أنّ نجاح الضربة اعتمد على "خداعٍ عملياتي" سبق الاستهداف، وأن منظومات الدفاع الجوي تُعزَّز تحسبا لرد صاروخي أو طيران مسيّر من اليمن .
قبل عقدين، لم يكن أحد يتخيّل أن جماعة محلية في محافظة صعدة المعزولة ستصبح جزءًا من معركة إسرائيل الإقليمية. فالحوثيون بدؤوا فصيلاً متمردًا داخل اليمن، قبل أن تتحوّل وظيفتهم مع دخول إيران على الخطّ؛ أولًا كورقة ضغط إقليمية، ثم كورقة بحرية تهدد الملاحة الدولية، وأخيرًا كلاعب مباشر ضد إسرائيل.
اليوم، لم تعد تل أبيب تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم مليشيات يمنية، بل كذراع بعيدة المدى ضد مشروعها التوسعي في الشرق الأوسط. فالجماعة التي تحكم صنعاء قادرة على مدّ يدها بالصواريخ والمسيّرات إلى إيلات وأشدود، وإلى خطوط الملاحة الحيوية في البحر الأحمر . هذا التحول من جماعة حرب أهلية إلى فاعل إقليمي في الصراع العربي الإسرائيلي هو ما يقلق إسرائيل أكثر من الطائرات المسيّرة نفسها.
وإذا استمرت هذه الديناميكية، فقد يكون قادم الأيام مفصليًا في مسيرة الجماعة. لأن الحوثيين يملكون أوراقًا عدة، وهي:
كل ذلك يعني أن إسرائيل تواجه معضلة، فهل تواصل سياسة الاغتيالات المتكررة مع خطر تعزيز أسطورة الحوثيين، أم تفكر في مواجهة عسكرية أوسع داخل اليمن بما تحمله من كلفة سياسية ودبلوماسية ضخمة؟
بكل الأحول فإن الضربة الإسرائيلية الأخيرة على صنعاء تشكل تأثيرا معنويا، فمقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من الوزراء يمثل صفعة رمزية، لكنه في الأغلب لن يضعف الروح القتالية للجماعة، بل قد يتحول إلى خطاب تعبوي داخلي.
أما عسكريًا فإن البنية العسكرية للحوثيين (الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيّرة، البنية الاستخباراتية) لم تُمس مباشرة، مما يعني أنهم سيواصلون إطلاق الهجمات ضد إسرائيل، وربما بتكثيف أكبر كردّ انتقامي. أما سياسيًا، فإن الجماعة قد تستغل الحدث لتعزيز شرعيتها في الداخل، وتصوير نفسها كجزء من "جبهة المقاومة" الممتدة من غزة إلى لبنان واليمن.
وإسرائيليا، فإن حكومة نتنياهو ستوظف الضربة لتأكيد قوتها الاستخباراتية والعسكرية، لكنها ستبقى تحت ضغط الشارع الذي يريد نهاية سريعة للحرب مع غزة وحزب الله والحوثيين. أما إستراتيجيا فسوف تسعى إسرائيل لتقليص الجبهات عبر ضربات نوعية، لكنّ الخطر أنها تفتح جبهة اليمن بقوة أكبر، ما قد يُرهقها في حرب استنزاف متعددة الجبهات.
وتتحدث التحليلات الإستراتيجية عن عدة سيناريوهات مستقبلية محتملة يمكن استعراضها فيما يلي:
تجد حكومة بنيامين نتنياهو نفسها اليوم في مأزق مزدوج؛ فمن جهة، كان لا بدّ من توجيه ضربة استعراضية في صنعاء بعد تصاعد هجمات الحوثيين على الموانئ الإسرائيلية وتهديدهم المباشر لخطوط الملاحة في البحر الأحمر، حتى لا يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها عاجزة عن حماية عمقها الجنوبي. فالحكومة الإسرائيلية تعيش تحت ضغط داخلي غير مسبوق منذ اندلاع حرب غزة؛ إذ إن الرأي العام يطالب بنتائج ملموسة، والمعارضة تلوّح بفشل القيادة في تحقيق أمن الإسرائيليين رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة للحرب. من هنا، قدّمت تل أبيب الضربة كبرهان على تفوّقها الاستخباراتي والعملياتي، محاولةً إعادة ترميم صورة الردع.
لكن في الجهة الأخرى، يعي نتنياهو أن أي توسّع في الجبهات قد يجرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف في الجنوب مع غزة، وربما في الشمال مع حزب الله، وفي البحر الأحمر مع الحوثيين. ومثل هذا المشهد كفيل بتعميق الانقسام الداخلي في إسرائيل، حيث يزداد الغضب الشعبي من طول أمد الحرب وتراجع الاقتصاد، فيما تتصاعد الخلافات بين النخب السياسية والأمنية إزاء جدوى التصعيد. وهنا يكمن التناقض، فكلما أمعن نتنياهو في "إظهار القوة" عبر الاغتيالات والضربات البعيدة، زادت احتمالات أن يجد نفسه في ورطة إستراتيجية أكبر قد تهزّ ائتلافه الحكومي وتضعه أمام استحقاقات داخلية أشد خطورة من أي تهديد خارجي.
عسكريًا، لا يبدو أن اغتيال شخصية سياسية سيؤثر جذريًا في قدرات الحوثيين. فالجماعة راكمت خبرة تنظيمية وعسكرية خلال عقد من الحرب، وبنيتها موزعة ومرنة. قد يكون ما يضرّها اليوم معنويا أكثر منه عملياتيا. في المقابل، فإن الضربة قدّمت للحوثيين ذخيرة دعائية مضاعفة، فالقادة الذين يُقتلون يتحوّلون إلى "شهداء"، والجماعة تستثمر دماءهم لتعزيز خطابها المقاوم. وهنا تكمن المفارقة، حيث إن إسرائيل تظن أنها تُضعف عدوها، لكنها قد تساهم في تعميق رمزيته وإعادة تقديمه لجمهوره كحارسٍ للمعركة الكبرى ضدها.
إن إسرائيل تراهن على إضعاف الحوثيين بالاغتيالات، لكن هذه السياسة قد تتحول إلى سلاح ذي حدين، يعزز رمزية الجماعة بدل أن يردعها. والحوثيون بدورهم خرجوا من إطار الحرب الأهلية الضيقة ليصبحوا لاعبا إقليميا مباشرا في الصراع مع إسرائيل.
قد لا يكون الحوثيون قادرين على إحداث شلل عسكري حاسم في الداخل الإسرائيلي، لكنهم اليوم يملكون ما هو أخطر، إنه رمزية القلعة الأخيرة التي ما زالت تُعلن مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بينما انشغلت جبهات أخرى أو كبحتها الحسابات الدولية. وفي الوقت نفسه، تحاول إسرائيل عبر "الضربات الجراحية" أن تثبت قدرتها على إخضاع هذا الخصم البعيد، لكنها تدرك أن كل دم يُسفك يضيف طبقة جديدة من الشرعية الرمزية لخطاب الحوثيين.
وما بين الحرب المحدودة والتصعيد الشامل وإغراء التسوية، يقف الشرق الأوسط على حافة لحظة جديدة. وإذا لم تُحسم الجبهات الأخرى سريعا، فقد يكون العام المقبل -كما يحذّر بعض المراقبين- عام الحوثيين، أي العام الذي خرجوا فيه من جغرافيا صعدة ليطلّوا على البحر الأحمر والقدس معا.