في مدينة مأرب شرقي اليمن، لا تبدو أزمة السكن مجرد تحد اقتصادي عابر، بل واقع يومي يضغط على حياة آلاف الأسر، في ظل ارتفاع متسارع للإيجارات يقابله عجز واضح في مصادر الدخل، وغياب شبه كامل للرقابة والتنظيم، وفق مراقبين.
في الأحياء الشعبية، تتشابه البيوت في ضيقها، كما تتشابه الهموم التي تسكنها. منازل متواضعة، بعضها لم يكتمل بناؤه، وأخرى بالكاد تتسع لقاطنيها، لكن المشترك بينها جميعا هو عبء الإيجار الذي يتصاعد بوتيرة تفوق قدرة السكان على الاحتمال.
هنا تبدأ حكاية "أم وائل"، الأرملة التي فقدت زوجها في الحرب، ولم تفقد منزلها فحسب، بل خسرت أيضا قدرة أبنائها على مواصلة التعليم.
تقول للجزيرة نت إن مالك المنزل رفع الإيجار من 80 ألف ريال يمني (نحو 50 دولارا) إلى 250 ألف ريال (نحو 165 دولارا)، أي أكثر من 3 أضعاف. ويعادل الدولار 1510 ريالات يمنية في مناطق الحكومة المعترف بها دوليا.
ومع عجزها عن الدفع، اضطرت إلى مغادرة منزلها المكون من غرفتين صغيرتين ومطبخ ضيق، والانتقال إلى سكن بعيد لدى أحد أقاربها في منطقة تفتقر إلى المدارس.
وهناك توقفت مسيرة الأبناء التعليمية، وانقطعوا عن مقاعد الدراسة، ليس لأنهم لا يريدون التعلم، بل لأن الإيجار أصبح أقوى من أحلامهم.
تحت سقف منزل ضيق، يعيش "أبو صالح عبد الله صالح" مع أسرته المكونة من 6 أفراد، محاولا التكيف مع واقع يصفه بأنه "أثقل من قدرته على الاحتمال".
يعمل أبو صالح موظفا حكوميا، ويتقاضى راتبا شهريا يبلغ نحو 500 ألف ريال يمني (نحو 330 دولارا)، وهو حسب وصفه "مرتب جيد" مقارنة بغيره. لكن هذا الدخل يتآكل سريعا أمام الإيجار، إذ يدفع 300 ألف ريال شهريا، أي أكثر من نصف راتبه.
يقول: "استلمت الراتب في بداية الشهر، ودفعت الإيجار، ما تبقى لم يكمل معي أيام الثلث الأول من الشهر".
ويضيف أبو صالح بنبرة مثقلة بالعجز: "أصبح رصيدي صفرا، وما زال أمامي 20 يوما يجب أن أعيشها أنا وعائلتي، وكل ما أحتاجه الآن هو مصدر دخل إضافي يخفف عني هذا العبء".
في المقابل، يرى بعض ملاك العقارات أن هذه الزيادات في أسعار الإيجارات مبررة. ويقول أحد الملاك في مأرب -فضل عدم ذكر اسمه- في تصريح للجزيرة نت إن ارتفاع الإيجارات يعود إلى زيادة الطلب وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرا أن تحديد السعر "حق مشروع للمالك".
ويضيف "للمالك في ملكه ما يشاء"، مشيرا إلى أن السوق تحكمه قاعدة العرض والطلب، دون قيود قانونية ملزمة.
لكن هذا الطرح يفتح تساؤلات واسعة حول حدود هذا "الحق"، خاصة في ظل أزمة معيشية خانقة، وغياب تدخل فعال لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
يربط المحامي والناشط الحقوقي سليم علاو تفاقم أزمة الإيجارات بضعف الإطار القانوني، رغم وجود قانون ينظم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
ويقول علاو في تصريح للجزيرة نت إن القانون رقم 22 لسنة 2006 "يشوبه قصور كبير، وكان يميل في بعض جوانبه لصالح الملاك"، مشيرا إلى أن تعديله كان مطروحا قبل بدء الحرب في 2014، لكنه لم يُقر.
ويضيف أن زيادات الإيجارات "تخضع للجشع والعرض والطلب"، لافتا إلى أن بعضها تجاوز 100%، في ظل غياب سقوف قانونية أو رقابة.
كما يحذر من "ممارسات تعسفية" تشمل قطع المياه أو الكهرباء، أو استخدام أقسام الشرطة للضغط على المستأجرين، رغم أن هذه النزاعات "مدنية وليست جنائية".
ورغم توجيهات النيابة بعدم تدخل الأجهزة الأمنية، لا تزال حالات الطرد قائمة، في ظل جهل بعض المستأجرين بحقوقهم، أو لجوء بعض الملاك إلى وسائل قانونية للالتفاف على القوانين.
تكشف وثائق رسمية حصلت عليها الجزيرة نت عن محاولات لمعالجة الأزمة، بينها قرار بتشكيل لجنة لمعالجة ارتفاع الإيجارات، مما يعكس إدراكا رسميا مبكرا لحجم المشكلة.
لكن هذه الجهود لم تُترجم إلى إجراءات فعلية، مما أبقى السوق دون تنظيم، وفق مراقبين.
كما أظهرت مذكرة صادرة عن النيابة العامة توجيهات بعدم تدخل الأجهزة الأمنية في النزاعات، باعتبارها قضايا مدنية تُحال إلى القضاء.
وتعكس هذه الوثائق حجم التعقيد، بين غياب التنظيم من جهة، وتقييد تدخل الجهات التنفيذية من جهة أخرى.
يؤكد عادل الحمزي، قاضي محكمة مأرب الابتدائية، أن قضايا النزاعات بين المؤجرين والمستأجرين تتصدر المشهد في المحاكم، نتيجة الوضع الاقتصادي والحرب وموجات النزوح.
ويقول للجزيرة نت إن المشكلة الكبرى هي عجز المستأجرين عن السداد، وهو ما يضع القاضي أمام معضلة، إذ ينص القانون على حق المؤجر في طلب الإخلاء إذا تأخر المستأجر أكثر من 3 أشهر.
ويضيف أن القانون الحالي "يراعي مصلحة المؤجر بشكل كبير، ولا يمنح المستأجر حماية كافية"، داعيا إلى تحديثه لتحقيق التوازن بين الطرفين.
يدعو القاضي عادل الحمزي إلى تدخل عاجل من السلطة التنفيذية لضبط السوق، مؤكدا أن الدولة تملك صلاحية تحديد سقوف للإيجارات، على غرار تسعير السلع الأساسية.
ويشير إلى أن القانون لا يمنح المؤجر حق الإخلاء لمجرد الرغبة في رفع الإيجار، بل يلزمه بالتجديد وفق "إيجار المثل"، إلا في حالات محددة.
لكن الواقع – كما يقول – يكشف اختلالا واضحا، حيث يتحول المستأجر في كثير من الأحيان إلى ضحية، دون حماية كافية.
وبين نصوص قانونية قديمة تميل لصالح المالك، وواقع اقتصادي قاس يضغط على المستأجر، تتحول أزمة الإيجارات في مأرب إلى قضية اجتماعية وإنسانية معقدة.
ومع غياب حلول ملموسة، يبقى السؤال مفتوحا: إلى متى سيظل السكن حقا مرهونا بالقدرة المالية، بينما تتآكل فرص آلاف الأسر في حياة كريمة وتعليم مستقر؟ يستاءل متابعون؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة