طوال عامين، وجد التلميذ العراقي عبد الرحمن الجنابي (19 عاما) نفسه محروما من مشاركة أقرانه حصص الرياضيات والعلوم في مدرسته بالنمسا؛ إذ كان يُجبر يوميا على مغادرة فصله الأصلي لساعات للالتحاق بدورات مكثفة لتعلم الألمانية.

هذه الآلية التي صُممت ظاهريا لمساعدة الوافدين الجدد على الاندماج، تركت عبد الرحمن يتخبط في شعور قاس بالانزعاج والضياع، متسائلا: "لماذا أنا الوحيد الذي يُطرد من الفصل؟".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من دير البلح إلى النصيرات: الريشة والوتر يرممان ما أفسدته الحرب في وجدان الأطفال
* list 2 of 2 ليبيا تبدأ عامها الدراسي بإضراب عام.. خريطة طريق حكومية في مواجهة مطالب المعلمين end of list

حالة عبد الرحمن ليست فردية، بل هي انعكاس لسياسة تعليمية نمساوية طُبقت قبل ثماني سنوات في ظل حكومة يمينية، وفرضت فصولا لغوية منفصلة لأبناء المهاجرين واللاجئين.

غير أن التقييمات الحديثة كشفت عن مفارقة صادمة: البرنامج الذي يهدف للدمج، تسبب في عزل التلاميذ، ودفع رُبعهم تقريبا لإعادة سنة دراسية واحدة على الأقل، ليطلق عليه المنتقدون والخبراء وصف "صفوف الغيتو".

مصدر الصورة عبد الرحمن الجنابي، وهو طالب عراقي يبلغ من العمر 19 عاماً (الفرنسية)

عزلة باسم الاندماج

تختلف المقاربة النمساوية جذريا عما هو متبع في غالبية الدول الأوروبية، حيث يُدمج التلاميذ الوافدون حديثا بالكامل في النظام المدرسي العادي منذ يومهم الأول لضمان تفاعلهم الاجتماعي والأكاديمي. أما في النمسا، فقد أدى الفصل اللغوي إلى تمزيق الروابط الاجتماعية للتلاميذ.

يقول الطالب الأوكراني "ماكاري" (16 عاما)، الذي فر من كييف عام 2022: "عندما تصل إلى مدرسة جديدة، كل ما تريده هو الاندماج. لكن ما يحدث أننا نقضي وقتا مع مجموعة دراسية، ثم تُحلّ هذه المجموعة فجأة.. نفقد الأصدقاء، ولا نتمكن من بناء أي ألفة مع معلمي الفصل العادي".

تعكس لغة الأرقام حجم هذه الظاهرة؛ ففي العام الدراسي الماضي، صُنف نحو 60 ألف تلميذ ضمن فئة "خارج الحصص العادية"، مما أجبرهم على الالتحاق بهذه الفصول المنفصلة.

وفي العاصمة فيينا وحدها، وقع طفل واحد من بين كل خمسة أطفال في المرحلة الابتدائية تحت هذا التصنيف، ينحدر 35% منهم من سوريا، و27% من أوكرانيا.

فخ "الرسوب التلقائي"

الأثر الأشد فداحة لهذه الفصول لا يقتصر على العزلة النفسية، بل يمتد ليكون سببا مباشرا في التأخر الأكاديمي. فقد كشف تقييم حديث لوزارة التعليم أن 22% من أصل 22,800 طالب (بين عامي 2022-2023) اضطروا لإعادة السنة الدراسية مرة واحدة، بينما أعادها 3% مرتين، وهو رقم وصفه وزير التعليم، كريستوف فيدركير، بأنه "مرتفع جدا".

إعلان

وتفسر الخبيرة التربوية بجامعة فيينا، سوزان شواب، هذه المعضلة بأن بقاء التلاميذ لفترة طويلة في فصول اللغة يحرمهم من التقييم في المواد الأساسية كالرياضيات والعلوم، مما يؤدي إلى "إعادة السنة الدراسية تلقائيا" لعجزهم عن الانتقال للمستوى التالي.

وتؤكد شواب أن هذا البرنامج، الذي تم تمريره متجاهلا "الإجماع العلمي" المعارض له، لا يقدم حلولا بل يولد أزمات مركبة. وهو ما يتطابق مع تقرير خبراء صدر عام 2022، حذر بوضوح من وجود "آليات عنصرية وتمييز مؤسسي يُمارس تحت ستار دعم اللغة".

تراجع حكومي وصراع يميني

هذا الخلل الهيكلي أسهم في ارتفاع ملحوظ بنسبة التلاميذ الذين يتجاوزون السن المعتادة لمرحلتهم الدراسية (أكبر بعامين على الأقل من زملائهم). ووفقا لبيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، قفزت نسبة هؤلاء في النمسا بين عامي 2015 و2023 من 4.1% إلى 5.8% في المدارس الابتدائية، ومن 6.5% إلى 9.1% في الثانوية.

وأمام هذه النتائج السلبية، اضطرت الحكومة لتخفيف صرامة هذا القانون بدءا من العام الدراسي الحالي، مانحة المدارس صلاحية اختيار الطريقة الأنسب لدعم التلاميذ الأجانب، مما شجع نصف المدارس النمساوية على الإلغاء الفوري لهذه الفصول المنفصلة.

لكن هذا التراجع لم يمر دون ضجيج سياسي؛ فقد استغل "حزب الحرية" اليميني المتطرف (المناهض للهجرة) هذه التعديلات لشن هجوم لاذع على التخفيف من قواعد الفصل. ورغم فوز هذا الحزب في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2024 للمرة الأولى في تاريخه، إلا أن عجزه عن إيجاد شركاء لتشكيل الحكومة أبقى سياساته المتشددة قيد الانتظار، بينما لا يزال آلاف التلاميذ المهاجرين يدفعون ضريبة سنوات من العزلة الأكاديمية المقننة.