على بُعد ميل واحد من سجن مانهاتن الذي عُثر فيه على المُدان بجرائم جنسية جيفري إبستين ميتا عام 2019، تحوّل معرض متواضع في حي تريبيكا (عند العنوان 101 شارع ريد)، إلى أرشيف مادي للقضايا المرتبطة بالممول الذي طالته الفضيحة. هناك، طُبعت أكثر من 3.5 ملايين صفحة من وثائق أجهزة إنفاذ القانون التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، ثم جُلِّدت ورُصّت في 3437 مجلدا تكسو جدران الغرفة من الأرض إلى السقف.
نظّم المعرض، الذي يحمل اسم "قاعة المطالعة التذكارية لدونالد ترمب وجيفري إبستين"، معهدُ الحقائق الأولية، وهو منظمة غير ربحية تركّز على الشفافية ومكافحة الفساد. وتأتي هذه القاعة كمحاولة لتسليط الضوء على القضايا الكثيرة المرتبطة بإبستين والتي لم تصل قط إلى المحاكمة؛ بعدما اعتُقل بتهم الاتجار بالبشر لأغراض جنسية في يوليو/تموز 2019، قبل أن يشنق نفسه في زنزانته بعد شهر واحد، حارماً الضحايا من فرصة الإنصاف القضائي.
تحمل الرفوف وثائق أُفرج عنها بموجب " قانون شفافية ملفات إبستين"، إلى جانب جداول زمنية، ورسائل خطّها الزوار، ومساحة تذكارية مخصّصة للضحايا. ومنذ افتتاحه قبل أسبوعين، يجتذب المعرض تدفقاً مستمراً من الزوار، لا سيما الناجين من تلك الشبكة.
ومن بين هؤلاء لارا بلوم ماكغي، التي لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة حين اعتدى عليها إبستين، إذ زارت القاعة الأسبوع الماضي وقالت للجزيرة: "وجدتُ في قاعة ترمب-إبستين شيئاً إنسانياً موجعاً؛ دليلاً على أن حياتنا كانت ذات قيمة تكفي لأن تُجمع وتُوثَّق وتُرى أخيرا". ووصفت دخولها الغرفة بأنه أشبه بالولوج إلى "مدينة من ورق" صدمتها كصفعة مادية، لكن ما علق في ذاكرتها أكثر هو الصمت.
كان الصمت مثقلا بالذكرى. صف تلو الآخر، كل مجلد هنا يمثل حياة واسما ويوما ما كان ينبغي أن يقع لو أن الحكومة الأمريكية تحرّكت حين أُبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي عنه عام 1996
الحجم الهائل للأرشيف مقصود؛ إذ يقول المنظمون إن الطابع المادية للوثائق يجبر الزوار على مواجهة حجم الجرائم وعدد الأرواح التي طالتها في آن واحد، بعدما جرى التعرّف على آلاف الضحايا، ومن بينهن الناجية البارزة فيرجينيا جوفري، التي توفيت منتحرة في أبريل/نيسان 2025.
يقول أحد المؤسسين المشاركين للمعرض ديفيد غاريت إن المشروع يتمحور حول الضحايا والناجين والمساءلة، واصفاً إياه بأنه جزء من جهد لإنشاء "متاحف مؤقتة على أرض الواقع" لتوليد ضغط شعبي يواجه الفساد وفشل المؤسسات، بهدف إثارة الغضب للضغط على الكونغرس ووزارة العدل.
لكن عملية تجميع الأرشيف نفسها كانت فوضوية؛ إذ يكشف غاريت أن المنظمين حمّلوا الملفات من وزارة العدل في مارس/آذار، معتقدين أنهم حصلوا على وثائق حُجبت معلوماتها الحساسة، ولم يكتشفوا إلا بعد الطباعة أن أسماء كثير من الناجين بقيت مكشوفة، بينما أُخفيت أسماء الشهود والمتواطئين!
ويضيف غاريت بغضب: "يبدو أن وزارة العدل عدّلت خاصية البحث بدلاً من حجب الأسماء فعلياً.. لقد انتهكوا القانون بكل وقاحة".
العثور على مكان للمعرض كان معركة أخرى؛ فقد تراجعت أماكن عدة خشية الجدل أو الانتقام، ليصبح معرض تريبيكا المكان الخامس الذي يطرقه المنظمون.
ورغم ذلك، سارع المدافعون إلى احتضان المشروع، وتحوّل المعرض مؤخراً إلى موقع لقراءة الملفات على مدى 24 ساعة في بث مباشر قادته إحدى الناجيات داني بنسكي، تلت فيه مقتطفات من المجلدات البيضاء لضمان ألا تُدفن الوثائق في صمت مرة أخرى.
في أرجاء المكان، يترك الزوار زهوراً وملاحظات تفيض حزناً.
ويستذكر غاريت امرأة أمضت ساعات تتجوّل صامتة قبل أن تكشف للمنظمين أنها ناجية من اعتداء جنسي، قائلة إن الأرشيف ساعدها على أن تشعر بأنها أصبحت "مرئية".
أما بالنسبة إلى بلوم ماكغي، فإن هذا الشعور يحمل الارتياح والإحباط معاً، وتقول للجزيرة: "طوال سنوات قيل لنا أن نصمت ونقبل بالتسويات، ورؤية حقائقنا في أرشيف عام بدت اعترافا طال انتظاره بألمنا، لكن التوثيق وحده ليس عدالة".
"تمنح هذه الملفات أملاً لأن السجل بات لا يُنكَر، لكنها ترسم في الوقت ذاته خريطة لفشل ممنهج؛ فالظهور دون عواقب يطيل أمد الجرح، ونحن بحاجة لحكومة تتحرك وتُحاكم، حتى يتحوّل «أن تُرى أخيرا» إلى «أن تكون آمنا أخيرا»".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة