إلى شارع النبي دانيال، حيث كان مقصدنا، وحيث يقول دوما أهالي الإسكندرية إنه المكان الوحيد المتبقي من كرامة الماضي؛ ماضي الإسكندرية التعددية والصاخبة، والتي عرفت دوما في كتب الرحالة والمستشرقين ممن مروا بين جنباتها ومن آثروا البقاء بها بعد أن انقادوا لبريق شعاعها، بـ"مدينة المنارة" و"جوهرة الهيلين".
لا يستهدف هذا المقال من قريب أو بعيد تركيب ما هو مفكك أو تفكيك ما هو مركب إزاء نوع ما من المدن التاريخية والشوارع التراثية، بقدر ما يستهدف سبر أغوارها في سعي روماني لمعرفة أسباب أفولها، وتتبع مسارها التاريخي من صعودها المدوي حتى سقوطها المشرف.
عرف شارع النبي دانيال في العصر اليوناني القديم باسم "دي كومناس كادو" أو الشارع ذو المنفذين حيث كانت له بوابتان
تقول الأسطورة، والتي تناقلتها سنون عديدة وتداولتها أجيال كثيرة، حتى بات من الصعب تكذيبها برغم عدم وجود ما يثبت صحتها في الوثائق الرسمية والسندات التاريخية، إن الإسكندر الأكبر حين أمر ببناء المدينة المتوسطية الجديدة لتكون عاصمة لحكمه، تم بناؤها وفقا للتخطيط الهيبودامي "الشبكي"، بما يشبه رقعة الشطرنج.
وقسمت المدينة بعد ذلك وفقا لذلك التصميم إلى شارعين: أحدهما طولي دون دروب أو تعرجات، "شارع كانوب القديم"، والذي سيعرف لاحقا وحتى هاتيك اللحظة بطريق أبو قير البحري، والآخر عرضي بأزقة وأطاريف وتفرعات متداخلة، حيث يعتقد أن شارع النبي دانيال جزء من الشارع العرضي الثاني، الذي كان يمتد من شمال المدينة إلى جنوبها.
وقد عرف شارع النبي دانيال في العصر اليوناني القديم باسم "دي كومناس كادو" أو الشارع ذو المنفذين، حيث كانت له بوابتان، أطلق على إحداهما، وهي الشمالية، "بوابة القمر"، بينما استقرت الجنوبية على اسم ذائع الصيت في الذاكرة الجماعية المصرية: "بوابة الشمس".
ومع اتساع أمجاد الشارع عبر حقب متوالية وأزمنة متلاحقة، بدأت أساطير أخرى تنسج حوله، زادت من زخم وجوده لدى السكان الأصليين، ومن شعاع بريقه لدى الغرباء الوافدين.
حمل المعبد اليهودي بالشارع اسم "معبد النبي دانيال"، على الرغم من أن تسمية الشارع ترجع نسبة إلى مسجد النبي دانيال
كان أهمها وأكثرها مقاومة للنسيان، والتي اكتسب الشارع منها اسمه "النبي دانيال"، وهو أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي المسيحي، وأحد ضحايا السبي البابلي وفقا للرواية التوراتية.
ولذلك حمل المعبد اليهودي القائم بالشارع اسم "معبد النبي دانيال"، على الرغم من أن تسمية الشارع وفقا للحقائق التاريخية ترجع نسبة إلى المسجد ذي المئذنتين، والذي يتوسط الشارع، والمعروف بمسجد النبي دانيال.
ويقال إن تحت بلاطته، وعلى عمق خمسة أمتار من التراب، دفنت رفات فقيه دين ومعلم صبية عراقي، قدم إلى الإسكندرية في أواسط القرن الثامن الهجري، "محمد بن دانيال الموصلي"، حيث أقام مريدوه فوق قبره ضريحا لحفظ روحه من النسيان.
أما الأسطورة الأخرى، والتي ارتبطت بالشارع ارتباطا وثيقا، وظلت محمية من آفات الزمن ورياح البحر، فتدور حول المحاولات المتكررة والمستمرة حتى اليوم للعثور على مقبرة الإسكندر الأكبر المزعومة أسفل المنطقة المحيطة بالشارع.
حيث يعتقد -بناء على التخمين الشعبي الآخذ في التحول إلى إيمان رسمي- أن السراديب والأنفاق الممتدة أسفل الشارع، والتي تشكل إحداها حفرة كبيرة في المنتصف، ليست مجرد نتوءات هندسية عديمة الجدوى، بقدر ما هي خرائط صامتة تقود إلى السر الأكبر في تاريخ المدينة، بل والعالم.
المحاولات مستمرة حتى اليوم للعثور على مقبرة الإسكندر الأكبر المزعومة أسفل المنطقة المحيطة بالشارع
وقد تحدث المقريزي هندسيا عن تلك الأنفاق، ووصفها بارتفاع يزيد على أربعة أمتار، وأن الفارس بإمكانه أن يسير بداخلها ممتطيا صهوة جواده، ومسلحا بسيف ورمح مرفوعين.
ومع اتساع أمجاد الشارع عبر أساطير أخرى، بدأ الرسامون والرحالة بتصويره في أطر من المثالية، فغسلوا دماءه، وتبّلوا عظامه، وحولوه إلى سيد كل الأساطير، إلى أن فرضوه على الذاكرة الرسمية بتقاطيع رومانية، وهي التي ما زال عليها حتى الآن.
عرفت الإسكندرية، ولطالما عرفت بذلك على مر عقود خلت، بأنها ملتقى للحضارات والثقافات المختلفة، حيث تمكنت من هضم جنسيات وأعراق ولغات مختلفة، وعلى مستوى الارتفاع نفسه فوق ملتطم الأمواج، حيث يقذف بحرها غرقاه في حالة "كوزموبوليتية" مثيرة، انبثقت من قدرة جغرافيتها على استيعاب ديموغرافيات أمم أخرى.
مما جعلها مركز حنين للأجانب العابرين، فضلا عمن استقر بها من الأرمن والإيطاليين واليونانيين، بفضل ميناء بحري كانت ترتاده سفن صيد الحيتان للراحة والتزود بالمؤونة، فتلقي من على أسطحها غرباء من كل الأجناس والأنواع.
يجسد شارع النبي دانيال تلك الحالة، ويعتبر الأثر الوحيد المتبقي منها حتى اللحظة المعاشة؛ فالشارع الذي يصنف على أنه المقابل الموضوعي لسور الأزبكية بالقاهرة بما يمثله من عصب ثقافي وشريان تراثي لجسد المدينة ما زال يحتفظ بأناقته الرومانية وأبهة الكنيسة التي أنشئ عليها، متحملًا ضربات مطارق التطوير والتجديد، والتي تسمى في بعض الثقافات تحببا "حداثة"، متمثلة في زحف لا رحمة فيه من البنايات الحديثة ومراكز الخدمات المستعجلة، كما حدث لأغلب شوارع الإسكندرية.
ويضم الشارع بين جنباته خليطا متنوعا ومتنافرا من أهم رموز الطوائف الدينية التي مارست شعائرها على تراب المدينة المتقد؛ ففضلا عن المسجد، والذي استمد الشارع زخمه منه، يوجد معبد "إلياهو حنابي" اليهودي، والذي كانت تمارس فيه الطائفة اليهودية طقوسها الدينية حتى وقت قريب من الزمن، ويعد مزارا تاريخيا يحرص السائحون والأهالي على زيارته.
وعلى الجانب الآخر، محاذيا لمكتب جريدة الأهرام القديم، توجد قابعة منذ زمن الكنيسة المرقسية، والتي تعد أقدم الكنائس في أفريقيا، أنشئت بأمر القديس مرقس في أوائل القرن الأول الميلادي، بالإضافة إلى مقر المركز الثقافي الفرنسي، والذي تأسس عام 1866، وكان معنيا بنشر الثقافة الفرنسية والتعريف بالحجم التاريخي والسياسي لفرنسا بين الأهالي والجاليات المختلفة.
ذاع صيت شارع النبي دانيال عالميا حتى وصل إلى بلاد بعيدة، باعتباره منبر المثقفين، وقبلة الشغوفين
لم تخلق ثورة 23 يوليو/تموز 1952 حالة سياسية جديدة فقط، بل ساهمت هفوا أو بتعمد في خلق تركيبة ديموغرافية ومزاج اجتماعي جديد، ضرب بالتركيبة القديمة عرض الحائط، وألقى بها بطول ذراع الطموح السياسي الذي كانت تحمله بداخلها بعيدا، مما سيعجل لاحقا بالسقوط المشرف الذي سيشهده الشارع.
فبعد استتباب 23 يوليو/تموز كحدث تاريخي في الذاكرة الجماهيرية، رحل الكثير من المغتربين المقيمين في مصر وعادوا إلى بلادهم، تاركين وراءهم الفراغ، والذي ستحاول سد ثغراته طبقات اجتماعية أخرى أقل تكلفا وأكثر إقداما على العيش دون السقوط في فخ الحنين.
وربما هذا هو السبب في الركود الثقافي الذي يشهده الشارع، والذي سمي بأسماء مختلفة، كان آخرها "شارع الكتاب" بين عشاق اقتناء الكتب النادرة والتراثية، نظرا لما يشتهر به من أكشاك ومنافذ بيع الكتب والدوريات العربية والأجنبية.
وبفضل هذه التجارة الجديرة بالاحترام ذاع صيته عالميا، حتى وصل إلى بلاد بعيدة، باعتباره منبر المثقفين، وقبلة الشغوفين، ومسكّن ألم للمدبوغين بحديدة النادر والقديم.
كان الذي يمر بالشارع لا يأتي إلا لشراء الكتب لأنها كانت السلعة الوحيدة التي تباع فيه
كان الذي يمر بالشارع لا يأتي إلا لشراء الكتب لأنها كانت السلعة الوحيدة التي تباع فيه، أما الآن فلم يعد الشارع سوى ممر مكتظ بالواجهات الزجاجية، تتشابه لافتاته كما تتشابه سلعه، وقد زحفت إليه الرغبة التجارية دون إنذار مسبق، مزاحمة تجارة الكتب حتى دفعتها إلى الأطراف، ثم إلى الهامش، ثم إلى ذاكرة من عاصروا مجد الشارع فقط.
تراجعت تجارة بيع الكتب -التي كانت يوما العمود الفقري للمكان- لا بفعل قرار واحد، بل نتيجة حصار طويل مارسته السوق، وتواطأت معه ذائقة عامة باتت أكثر استعجالا وأقل صبرا على الورق.
لم يعد القارئ زائرا دائما، بل عابرا مترددا، يدخل الشارع مدفوعا بالحنين أكثر مما تدفعه الحاجة، يقلب بعض العناوين كمن يتحسس جرحا قديما، ثم يخرج سريعا، وقد أدرك أن القراءة لم تعد فعلا جماعيا، بل ممارسة فردية شبه منقرضة.
ومع تراجع المقبلين على الكتاب، تراجع بدوره ذلك الحوار الصامت الذي كان يدور بين البائع والقارئ؛ حوار لا تتداول فيه الأسعار فقط، بل الأفكار، والاقتراحات، والاعترافات الصغيرة.
أمام كومة من الكتب القديمة، سعر الواحد منها 20 جنيها (نحو 0.4 دولار)، حاول مصطفى حسن (62 عاما) أن يسترد من النسيان مجد الشارع الغابر.
وبحماسة مفرطة تدعو إلى الرثاء قال: "لم يكن الشارع كما تراه الآن، كان أفضل من ذلك بكثير، وكان الذي يمر بداخله لا يأتي إلا لشراء الكتب، لأنها كانت السلعة الوحيدة التي تباع فيه".
وأضاف لـ"الجزيرة نت": "الآن تكاثرت المحال التجارية داخل الشارع وزاحمت الكتب، ولم يعد بإمكاننا التمييز بين من يأتي لشراء كتاب ومن يأتي لشراء حزام جلدي أو حقيبة مهمات".
باعة الكتب يجلسون أمام واجهات أكشاكهم المكتظة بالكتب والفارغة من الزبائن
وعند سؤاله عن الأسباب التي أدت إلى انحدار الشارع وتراجع صيته كمنصة لاقتناء الكتب، أجاب: "الأسباب كثيرة، وأنت تعرفها أكثر مني، ولكن تريد سماعها من لساني.. حسنا إذًا".
رفع يده اليمنى إلى حيث يقطن قلبه، وفتح أصابعه وأخذ يحصي: بأن ذائقة القارئ لم تعد كما كانت، وأن الشباب لم يعودوا كما كانوا في الماضي، وأن التغيرات السياسية والثقافية التي شهدتها مصر، وكان آخرها ثورة 25 يناير/كانون الثاني، أدت إلى عزوف عدد كبير من المصريين عن الاطلاع والقراءة.
أنزل يده حيث مستقرها، وتنهد بآخر أنفاسه/ "الحياة لم تعد كما كانت يا ولدي".
عم جميل مرقس (56 عاما)، أحد باعة الكتب، والذي يشرب سجائر ذات تبغ رخيص يلفها بنفسه في ورق أسمر وخشن، ويصفها لزبائنه كعلاج لكل الأمراض، حاول أن يتذكر معي ما كان عليه الشارع من زهو يزداد شحوبا كل يوم.
قال: "أنا هنا منذ أربعين عاما، ورثت مهنة بيع الكتب من أبي، الذي ورثها من أبيه هو الآخر، ويمكنني أن أقول لك إن شارع النبي دانيال لم يعد كما كان، وكما سمعت أنت".
نفث دخان سيجارته بعيدا عن وجهي، وأضاف لـ"الجزيرة نت": "أقضي اليوم بطوله وأنا أدخن السجائر وأشرب الشاي، لأني لا أجد شيئا آخر أفعله. لم تعد الناس تقرأ كما في الماضي، كما لو أن شيئا قد تبدل في طباعهم".
وأشار بيده إلى رفاقه في المهنة، والذين يجلسون أمام واجهات أكشاكهم المكتظة بالكتب والفارغة من الزبائن: "انظر، جميعنا يعاني المرض ذاته".
خطة التطوير لم تساهم في إنعاش بريق الشارع وإعادته إلى سالف عهده بل أدت إلى طمس ما تبقى من رونقه
أمام أحد تلك الأكشاك التقينا طالب كلية الطب لؤي كامل (23 عاما)، حيث قال: "أنا آتي إلى هنا يوميا لأعثر على بعض الدوريات العلمية التي أحتاج إليها في دراستي الطب، ونظرا لارتفاع سعرها فقد أشرت إلى بعض الأصدقاء بزيارة النبي دانيال حيث يمكنني شراؤها بسعر منخفض، ولكن للأسف لم أتمكن من العثور عليها".
وتابع قائلا: "أعرف أن النبي دانيال هو مزار المثقفين ومحبي الكتب، ولذلك أحب زيارته يوميا حتى ولو لم أشترِ شيئا، إلا ما أحتاج إليه لدراستي"، مضيفا بابتسامة: "أوليست هذه ثقافة أيضا؟".
أعلنت محافظة الإسكندرية في 2023 عن خطة تطوير هدفها إرجاع الشارع إلى بريقه المسلوب بفعل الباعة الجائلين، وإزالة ما به من عشوائيات، وتحويله إلى ممشى ثقافي وسياحي يجمع ما بين تاريخه الرمزي وأصالته الثقافية، من خلال ترميم المباني التاريخية وتطوير واجهات محلات وأكشاك الكتب وتوحيد المظهر الحضاري، مع الحفاظ على الهوية التي يمثلها الشارع كمركز تراثي يضم مجمع الأديان.
بحسب عم جميل، فإن تلك الخطوة لم تساهم في إنعاش بريق الشارع وإعادته إلى سالف عهده، بل أدت إلى طمس ما تبقى من رونقه من خلال الترميم المبالغ فيه للمباني التاريخية التي يحتفظ بها الشارع.
وأضاف "كان من المفترض أن تكون خطة التطوير على ثلاث مراحل كما أبلغونا، ولكنها تمت في مرحلة واحدة وعلى عجل، ولم تستهدف سوى المباني التاريخية فقط، والتي فقدت أصالتها بسبب تغير شكلها وطليها بألوان غير التي كانت عليها".
بينما يصف عم مصطفى عملية التطوير تلك التي قامت بها المحافظة بالإجهاز غير المتعمد على ما بقي من إرث الشارع، ودفن ما فاض عن حاجات البشر والسنين، واللذين أكلا رماد مجده، إذ يقول: "حتى هذه اللحظة لم نرَ التطوير الذي وعدتنا به المحافظة، كان من المفترض أن تكون لنا أكشاك ومحلات تتماشى مع طراز الشارع المعماري، ولكن كما ترى أنت لا زلنا قابعين حيث كنا منذ سنين، فلا جديد حدث".
وأضاف بنبرة متنبئ، وهو الذي لم يؤمن يوما ما بالتبؤات كما يقول "وربما لن يحدث".
لا يزال الشارع حتى الآن يعاني تكدس الباعة الجائلين، والذين يبيعون كل شيء بداخله، بدءا من لعب الأطفال حتى الملابس والإكسسوارات والأحذية، كما أنه يشهد حالة اختناق مروري بعد تساهل الحكومة مع سائقي السيارات بالمرور بداخله للوصول إلى الجانب الآخر من محطة القطار، بانتظار من يأتي ليرسخ سلطته ويوحد رونقه، فاتحا الطريق لأمجاده.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة