في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين أزقة المدينة العتيقة في تونس، حيث تختلط روائح الأسواق القديمة بصدى خطوات العابرين، تقودك الطرق إلى أنهج تصطف على جنباتها مبان تحمل علامات البلدية تدعو إلى الحذر من خطر سقوطها.
هنا، لا يتعلق الأمر بجدران عادية، بل بمبان ضاربة في التاريخ، بعضها يعود إلى أكثر من 3 قرون وأخرى تكاد تكون بقدم المدينة نفسها. ورغم التحذيرات، ما زال كثير منها ينتظر الترميم أو الإزالة، فيما يبقى خطر الانهيار قائما.
في أحد هذه الأزقة، يقف نزار دربال، صاحب محل لتصليح الأحذية والملابس الجلدية، بجوار مجموعة من المنازل التي يقول إنها قد تسقط في أي لحظة.
يقول للجزيرة نت: "على البلدية أن تجد حلا لهذا الوضع، فالأمر لم يعد يحتمل ولا يوجد حل واضح حتى الآن"، مضيفا أن الخطر لا يهدد السكان فقط، بل أيضا المارة الذين يعبرون المكان يوميا.
ويشير دربال إلى أن مالك العقار أشعر السكان بضرورة المغادرة، فاستجاب بعضهم، بينما لا يزال آخرون يقيمون داخل هذه المباني رغم المخاطر.
وبحسب تقرير لوزارة التجهيز والإسكان التونسية، تمثل المباني التي شيدت قبل عام 1956 نحو 6% من الرصيد السكني في البلاد ويتركز أغلبها في تونس الكبرى، وخاصة في العاصمة وبعض المدن المجاورة.
وقد ظل هذا الملف محل جدل متواصل، إذ عجزت البلديات المتعاقبة عن إيجاد حل جذري، خصوصا بعدما تحولت أجزاء من هذه البنايات إلى مصدر خطر على السكان والمارة إثر انهيار أجزاء منها، بينما لا تزال مئات المباني القديمة مأهولة، ويقطنها عدد كبير من المواطنين، كثير منهم يدفعون إيجارات رمزية لا تتجاوز 10 دولارات شهريا.
كلما تعمقت داخل المدينة العتيقة، تكشف الواجهات القديمة عن أزمة متراكمة أكثر مما تخفيها.
يعترضنا محمد علي بن يونس -أحد سكان المنطقة- الذي لا يخفي قلقه من الوضع، خاصة بعد الانهيار الأخير الذي وقع نهاية مايو/أيار الماضي.
ويستعيد بن يونس حادثة وفاة أحد السكان بعد انهيار سقف منزل عليه، معتبرا أن الخطر أصبح جزءا من الحياة اليومية لمن يعيشون داخل هذه المباني المتهالكة.
وفي يونيو/حزيران 2024، صادق البرلمان التونسي على قانون يتعلق بالمباني المتداعية للسقوط، في ظل تزايد حالات المباني المهددة بالانهيار في تونس الكبرى ومدن أخرى.
المدينة العتيقة لا تفتقد أصالتها، فأبوابها التاريخية ومعالمها المعمارية والأقواس والممرات القديمة تحمل آثار الحضارات التي مرت بها وتركت بصمتها في المكان.
لكن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات الزمن والإهمال، فبعض المعالم حصل على نصيبه من الصيانة والترميم، بينما بقيت أخرى تصارع عوامل التآكل في انتظار تدخل قد لا يأتي. هذه المباني لا يمكن التعامل معها كغيرها من العقارات، فهي تحمل قيمة تراثية وتاريخية، وترميمها يحتاج إلى خبرات خاصة وتمويلات كبيرة.
تقول المتخصصة في التراث والآثار ليلى الدعمي للجزيرة نت إن تثمين التراث ليس أمرا سهلا في ظل وجود حاجات اقتصادية واجتماعية ملحة. وتضيف: "في السابق كانت الدولة تنفق على الصيانة، لكن اليوم لم يعد ذلك كافيا نتيجة أولويات الإنفاق من جهة، وغلاء عمليات الصيانة من جهة أخرى".
من ناحيته، يوضح المهندس المعماري بشير الرياحي أن هذه المباني تمثل قيمة تاريخية كبيرة، مشيرا إلى أن بعضها مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ويشير إلى أن تراجع بعض الأنشطة الثقافية داخل المدينة أسهم في تغيير طبيعة المنطقة، وأدى إلى تحولات في استعمال بعض العقارات.
خلف الجدران المتشققة، تقف قصص إنسانية معقدة لآلاف العائلات التي تعيش في مبان مصنفة "آيلة للسقوط".
ويرى النائب بمجلس نواب الشعب صالح السالمي -مقرر لجنة التخطيط الإستراتيجي- أن ملف البنايات المهددة بالسقوط لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل، ويحذر من أن الأرواح أصبحت مهددة في أي لحظة بسبب غياب التطبيق الفعلي للقانون المنظم للتدخل في هذه المباني.
ويؤكد أن وجود أكثر من 1300 بناية مهددة بالسقوط في تونس الكبرى يعني أن ما بين 1400 و1500 عائلة على الأقل قد تواجه خطر فقدان مساكنها، خصوصا أن العديد من هذه المباني تضم عدة شقق.
ويشير السالمي إلى أن الوضعية العقارية لبعض هذه المباني تزيد الملف تعقيدا، إذ توجد عقارات تعود ملكيتها إلى الدولة وأخرى إلى أفراد أو إلى مالكين غير مقيمين في تونس، إضافة إلى مبان تم الاستيلاء عليها بعد 2010 دون سند قانوني واضح.
وكان مدير البناء ببلدية تونس مرشد البصلي قد أعلن سابقا أن عمليات الجرد والمعاينة انتهت إلى حصر نحو 1350 مبنى متداعيا وآيلا للسقوط داخل نطاق البلدية، موضحا أن ترتيب هذه الحالات يتم وفق درجة الخطورة، بين مبان تمثل خطرا وشيكا، وأخرى تحتاج إلى ترميم ثقيل أو تدخلات صيانة أقل.
في المدينة العتيقة، لا تبدو المعركة فقط بين بنايات قديمة وعوامل الزمن، بل بين الحاجة إلى حماية الأرواح والحفاظ على ذاكرة مكان شكل جزءا من صورة تونس في العالم. فإذا سبق الانهيار الترميم، قد لا يكون الخطر فقدان سقف أو جدار فقط، بل ضياع جزء من هوية عمرها قرون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة