في الخرطوم، وبعد أعوام من التوقف القسري الذي فرضته الحرب، عادت حلقات المصارعة الشعبية إلى منطقة شرق النيل، لتستعيد مكانتها كتراث ثقافي سوداني أصيل سبق أن اعتمدته اليونسكو.
ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أثقلت كاهل المواطنين، توافد جمهور من كل أحياء الخرطوم إلى ساحات المصارعة، وكأنهم عادوا إلى جزء من هويتهم افتقدوه طويلاً.
بين حلقات الصراع والتصفيق الحار، نبضت الحياة من جديد في هذا الموروث الشعبي، ليكون المصارعون والجمهور معاً جزءاً من مشهد يؤكد بوضوح أن الثقافة تقاوم، وأن التراث لا تدفنه الحرب.
لم تكن المصارعة مجرد لعبة، بل حكاية بدأت من جبال النوبة لتتحول إلى رياضة رسمية تتطور وتكبر، وعودتها اليوم أشعلت فرحة طال انتظارها عند المشجعين.
قال ود أبوك المسيري، أحد المشجعين، للجزيرة: "المصارعة دي برزت من جبال النوبة، ده تراث. لكن جينا عملنا أندية أولمبية، وبقت رياضة رسمية، تطورت وأصبح فيها اتحاد. العودة دي يعني مبسوطين جداً، ورجع لنا المصارعة زي ما كان. في جيل هسه جداد صغار، عندهم طموح بالمصارعة. الناس دي كلها جت تشاهد المصارعة دي".
وفي الوقت الذي تطحن فيه الحرب كل مظاهر الحياة، أثبت اتحاد المصارعة أن إرادة الإحياء لا تحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى أناس يؤمنون بأن الثقافة حياة لا تقل أهمية عن الخبز.
وأكد محمد فضل المولى، الأمين العام لاتحاد المصارعة، هذا المعنى للجزيرة قائلاً: "بدأنا في ظل الظروف الصعبة، ظروف الحرب وكده. بدينا بالجهد الشعبي والحكومي".
لم ينظر المصارعون إلى عودة الحلقات على أنها مجرد منافسة، بل حملوها رسالة إلى كل من هزته الحرب، أن ثمة حياة وأماناً ينتظران عودة الجميع.
واختتم محمد عمر، أحد المصارعين، حديثه للجزيرة برسالة تحمل في كلماتها أملاً: "الرسالة اللي نحب نوصلها للناس: إحنا هنا في أمان وعايشين، والناس متعايشة ومرتاحة الحمد لله". ودعا النازحين واللاجئين السودانيين بسبب الحرب للعودة لبلدهم، حتى يساهموا بإعمارها وعودة الأمان لها، كما أعرب عن أمنيته بدعم المصارعة وفتح المجال أمام الأطفال لممارستها وإتقانها.
المصدر:
الجزيرة