في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لسنوات طويلة مثلت دراما التلفزيون، خصوصا في مواسم رمضان، أرشيفا حيا للأحياء المصرية القديمة. مسلسلات مثل "زيزينيا" و"النوة" اللذين قدمهما أسامة أنور عكاشة عن الإسكندرية، اعتبرت نموذجا في توثيق المدينة القديمة وتحولاتها. الأمر نفسه تكرر في أعماله القاهرية مثل "ليالي الحلمية" و"أهالينا" و"أميرة في عابدين"، التي سجلت ملامح اجتماعية واقتصادية لأحياء وسط القاهرة وأطرافها.
في السنوات الأخيرة، خفت حضور القاهرة القديمة على الشاشة وتركزت الدراما غالبا في "الكمبوندات" أو في حكايات بطولية بلا سياق مكاني واضح. لكن مع عرض مسلسل "عين سحرية" في موسم رمضان 2026، ثم استمرار تفاعلاته حتى بعد انتهاء الشهر الفضيل، عاد حي عابدين إلى المشهد من بوابة غير متوقعة: مطعم صغير للحمة الرأس وأحشاء الذبيحة، اسمه "مسمط الشعب".
في مشاهد متفرقة من مسلسل "عين سحرية" للمخرج السوري السدير مسعود، ظهر مطعم "مسمط الشعب" في عابدين كمكان متكرر للقاء بطلي العمل باسم سمرة وعصام عمر وهما يتناولان وجبة شعبية من "لحمة رأس وحلويات". دقائق قليلة على الشاشة كانت كافية لتتحول واجهة المحل إلى "لوكيشن" مطلوب يتسابق رواد مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إليه والتقاط الصور أمامه وسؤال صاحبه عن قصته.
رجب ورمضان، شقيقان في أواخر الستينيات من عمرهما، يكبر رمضان أخاه بثلاثة أعوام. لا يعرف الاثنان مهنة أخرى غير بيع "لحمة الرأس" و"الكرشة" و"الفِشّة"، وهي حرفة تعلماها على يد والدهما قبل نحو ستين عاما.
بدأت الحكاية بعربتين صغيرتين يقفان بهما في شوارع وسط القاهرة، وقف رمضان بعربته في وسط البلد، ووقف رجب في شارع عبد العزيز. مضت سنوات طويلة على هذا الحال، قبل أن يجتمعا من جديد، هذه المرة تحت سقف واحد: محل صغير في شارع نجيب الريحاني بمنطقة عابدين في وسط القاهرة.
منذ عام 1990، وفي مواجهة قصر عابدين مباشرة، وضع عم رمضان لأول مرة لافتة محله باسم "مسمط الشعب".
خلال موسم رمضان الأخير وما تلاه، تغير حال "مسمط الشعب". لم يعد مجرد مطعم يشبه عشرات المطاعم الأخرى في الحي المكتظ بالحركة على مدار الساعة، بل صار معلما شبه سياحي يأتيه الزوار من أحياء القاهرة المختلفة، ومن مدن أخرى أحيانا، للتصوير في "مطعم عين سحرية" كما يعرّفونه الآن.
وكما يلتقط الزائرون الصور أمام قصر عابدين الملكي المجاور وأمام مبنى محافظة القاهرة الأثري، صاروا يلتقطون الصور أمام واجهة "مسمط الشعب"، يستمعون إلى حكاياته من عم رمضان ويتذوقون أطباق "الكبدة البلدي" و"الكفتة الجملي" وأصابع "الممبار" التي يشتهر بها عم رجب.
"سميته مطعم الشعب عشان أكلنا هو أكل الشعب.. أكل الناس العادية"، يقول الحاج رمضان للجزيرة نت عن سبب اختيار اسم المطعم.
ويوضح أنه حين اشترى دكانه في حي عابدين عام 1990، كان تأمين قصر عابدين أشد مما هو عليه الآن، تمر من أمامه مواكب الرئاسة والوزراء ورجال الحكم، فكان اسم "مسمط الشعب" في مواجهة بوابة السلطة اختيارا يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يحمل من المفارقة ما يكفي لحكاية كاملة.
خلال عقود، مرت على "مسمط الشعب" وجوه كثيرة وأحداث لا تنسى. لا يتوقف الأمر عند لقاءات الصباح مع موظفي القصر أو مواكب المسؤولين، بل يمتد إلى شخصيات عامة لا تزال صورها حاضرة في ذاكرة عم رمضان.
يتذكر صاحب المطعم زيارات متكررة لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى، الذي كان يتردد مساءً لتذوق "طعام الشعب". كما كان الكاتب والسيناريست الراحل أسامة أنور عكاشة ضيفا شبه دائم على المسمط، يجلس إلى طاولته المفضلة ويتناول طبق "لحمة رأس ضاني" مع الكبدة، بينما يلتقط من أجواء المكان ملامح شخصياته وبيئاته الدرامية.
أما المذيعة الأشهر في تاريخ الإذاعة المصرية آمال فهمي، فقد كانت من زبائن المطعم أيضا، لكن بذوق خاص كما يقول عم رمضان: "كانت تحب لحم الرأس مسلوق.. وتقول إن المسلوق أضمن لصحة القلب".
قائمة الطعام في "مسمط الشعب" لم تتغير منذ افتتاحه، الأصناف هي نفسها: لحمة رأس ضاني وعجالي، ممبار، كرشة وفِشّة، لسان، وكبدة، وكفتة مدوّرة. لم يستجب الشقيقان لموجات "التطوير" أو إضافة أطباق جديدة لمجاراة تغير الأذواق. يقول عم رجب: "إحنا بنقدم أكل هيفضل الناس تأكله لحد يوم القيامة، مهما تغيرت الأذواق، الناس هتفضل تيجي على الأصناف دي".
ما تغير حقا لم يكن القائمة، بل الأسعار، فالطلب الذي كان يقدم في التسعينيات بجنيه و75 قرشا، يقدم اليوم بحوالي 600 جنيه (11 دولارا)، في انعكاس مباشر لسنوات من التضخم وغلاء المعيشة في مصر.
من بين كل الذكريات، تظل أحداث الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني 2011 الأكثر حضورا في ذاكرة الشقيقين رمضان ورجب، خاصة يوم "جمعة الغضب". بعد خروج المتظاهرين إلى الميادين، تحول محيط قصر عابدين إلى مساحة توتر مفتوحة.
يتذكر رمضان ثلاثة ضباط دخلوا المطعم على عجل، وتركوا أسلحتهم وملابسهم الرسمية لديه، وخرجوا بملابس مدنية لتفادي الاحتكاك المباشر مع المتظاهرين. في المقابل، بقي مجندو الأمن المركزي متمسكين بملابسهم العسكرية: "ماكانش معاهم سلاح غير العصاية في إيد، والصدادة في إيد، وخافوا يسيبوهم ويمشوا"، يقول عم رمضان.
يضيف أنه اصطحب الجنود إلى المسجد القريب، حيث سلموا العهدة للإمام قبل أن يتجه كل منهم إلى أهله، بينما بقيت أسلحة الضباط الثلاثة في "جوال" داخل المسمط إلى أن عادوا بعد أيام لاستلامها.
"ساعتها عرفت إن كل حاجة ليها من اسمها نصيب"، يختم عم رمضان حديثه، "وعشان كده فضِل المحل ده هو.. مسمط الشعب".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة