صورة تعبيرية لمقابلات العمل في المستقبل (جيميناي)

تقدم شركة HackerRank لمحة عن الشكل الذي قد تصبح عليه مقابلات العمل مستقبلًا، من خلال أداة جديدة تحمل اسم Chakra، وهي وكيل ذكاء اصطناعي يجري المقابلات مع المرشحين، ويراقب طريقة عملهم، ثم يقيم ليس فقط إجاباتهم النهائية، وإنما أيضًا الطريقة التي توصلوا بها إلى هذه الإجابات.

وبعد نحو 6 أشهر من الاختبارات التجريبية، أتاحت "HackerRank" أداة Chakra رسميًا لعملائها، الاثنين.

وتقول الشركة الناشئة إن وكيل المقابلات بالذكاء الاصطناعي أجرى أكثر من 500 ألف مقابلة خلال فترة الاختبار، بمشاركة شركات من بينها "Snowflake" و"Snorkel" و"Capgemini"، كما استخدمت "HackerRank" الأداة داخليًا لاختبارها وتقييمها.

من اختبار الإجابة إلى تقييم طريقة التفكير

أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا بالفعل في مقابلات التوظيف، إذ تستخدم الشركات وكلاء صوتيين وأدوات آلية أخرى لفحص المتقدمين وتسهيل عملية التوظيف، بحسب تقرير نشره موقع "تك كرانش" واطلعت عليه "العربية Business".

وفي المقابل، حصل الباحثون عن وظائف هم الآخرون على أدوات ذكاء اصطناعي تساعدهم في التعامل مع مقابلات العمل، وأحيانًا يستخدمونها دون علم أصحاب العمل.

لكن "HackerRank" تراهن من خلال Chakra على أن الذكاء الاصطناعي قادر على تغيير ليس فقط طريقة إجراء المقابلات، وإنما أيضًا ما يمكن للشركات قياسه لدى المتقدمين.

فإلى جانب معرفة ما إذا كان المرشح قد وصل إلى الإجابة الصحيحة، تريد الشركة تقييم مؤشرات يصعب قياسها تقليديًا، مثل التفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرار.

كما تسعى إلى قياس ما تسميه الطلاقة في استخدام الذكاء الاصطناعي، أي مدى قدرة المرشح على صياغة المشكلة أمام الذكاء الاصطناعي، وتقييم النتائج التي يقدمها، ثم توجيهه للوصول إلى الحل المناسب.

وقال فيفيك رافيسانكار، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة HackerRank، إن الطريقة التقليدية للتقييم كانت تركز على تقييم المخرجات.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي غيّر المعادلة، لأنه أصبح بإمكان أي شخص تقريبًا إنتاج مخرجات أو منتج نهائي، وبالتالي أصبح السؤال بالنسبة إلى أصحاب العمل هو: هل يمكننا فهم طريقة التفكير والحكم التي أدت إلى إنتاج هذا العمل؟

مقابلة تشبه الوظيفة الحقيقية

صُممت مقابلة Chakra بحيث تكون أقرب إلى أداء العمل الفعلي، بدلًا من خوض اختبار برمجة تقليدي.

يحصل المرشح على مهمة مرتبطة بمستودع أكواد حقيقي، ثم يعمل عليها داخل مساحة عمل تحتوي أيضًا على مساعد للذكاء الاصطناعي.

وأثناء عمل المرشح، يستطيع Chakra الاستفادة من السياق الذي يعمل ضمنه لطرح أسئلة متابعة.

على سبيل المثال، يمكن للأداة أن تسأله عن سبب اختياره أسلوبًا معينًا بدلًا من أسلوب آخر، أو كيف سيتغير الحل إذا تمت إضافة قيد أو شرط جديد إلى المهمة.

وبهذه الطريقة، لا يقتصر التقييم على النتيجة النهائية للكود، بل يمتد إلى القرارات التي اتخذها المرشح وطريقة تفكيره أثناء حل المشكلة.

وقال رافيسانكار إن Chakra لا تغير شكل المقابلة فحسب، وإنما تعيد تشكيل عملية التوظيف نفسها.

وأوضح أن العملية التي كانت تتطلب سابقًا ثلاث مراحل منفصلة، تبدأ بمقابلة مع مسؤول التوظيف، ثم اختبار منزلي، ثم مقابلة متابعة مع مهندس، يمكن دمجها الآن في مقابلة واحدة باستخدام Chakra.

هل يؤدي السماح بالذكاء الاصطناعي إلى زيادة الغش؟

قد يبدو منح المتقدمين إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي أثناء المقابلة وكأنه يسهل الغش، لكن "HackerRank" تقول إن نتائجها تشير إلى العكس.

وأوضح رافيسانكار أن مؤشرات النشاط المشبوه كانت أقل بنسبة تتراوح بين 70% و80% في مقابلات Chakra مقارنة باختبارات "HackerRank" التقليدية المماثلة.

وأشار إلى أن النسبة تختلف بحسب عوامل مثل الموقع الجغرافي للمتقدم ومستوى خبرته.

والسبب، وفقًا له، أن السماح للمرشح باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل رسمي يقلل الحافز لاستخدام أدوات خارجية سرًا يمكنها تزويده بالإجابات أثناء المقابلة.

وبدلًا من محاولة منع استخدام الذكاء الاصطناعي، تراهن "HackerRank" على السماح باستخدامه ثم تقييم قدرة المرشح على التعامل معه بفعالية.

"HackerRank" تراهن على تغيير نموذج أعمالها

أطلقت "HackerRank" خلال فعالية TechCrunch Disrupt في عام 2012، وبنت نشاطها في الأساس على اختبارات وتحديات البرمجة التي تساعد الشركات على تقييم المطورين وتوظيفهم بناءً على مهاراتهم التقنية.

وتضم الشركة الناشئة المدعومة من "Y Combinator" حاليًا أكثر من 3 آلاف عميل من الشركات، من بينهم "أمازون" و"إنفيديا" و"Clay" و"Replit"، إلى جانب مجتمع يضم أكثر من 30 مليون مطور حول العالم.

لكن Chakra تمثل في الوقت نفسه رهانًا على نموذج مختلف عن النشاط الذي بنت "HackerRank" أعمالها عليه طوال سنوات.

وكان منتج الشركة التقليدي يركز بدرجة كبيرة على اختبار قدرة المطور على حل المشكلات البرمجية بصورة صحيحة.

ويرى رافيسانكار أن انتشار الذكاء الاصطناعي جعل هذا النموذج أقل فائدة في قياس القدرات الحقيقية للمهندسين.

وشبّه التحول داخل الشركة بما حدث عندما انتقلت "أبل" من iPod إلى آيفون، مشيرًا إلى أن المنتج القديم لا يزال له قيمة، لكن المنتج الجديد يمثل الاتجاه الذي تعتقد الشركة أن السوق يتجه إليه.

وقال إن Chakra ستكون العنوان الرئيسي، وإنها ستكون الطريقة التي ستتقدم بها "HackerRank" إلى الأمام.

هل يقرر الذكاء الاصطناعي من يحصل على الوظيفة؟

لكن منح الذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في تقييم المتقدمين يفتح الباب أمام مجموعة مختلفة من الأسئلة، وعلى رأسها: إلى أي مدى ينبغي للشركات أن تفوض قرارات التوظيف إلى الخوارزميات؟

ويقول رافيسانكار إن Chakra صُممت لتقييم المرشحين ومنحهم درجات، وليس لاتخاذ قرار التوظيف النهائي، الذي يظل في يد البشر.

ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تولي الأجزاء الأكثر تنظيمًا من المقابلة، من خلال تطبيق المعايير التي تحددها الشركة بصورة متسقة على جميع المتقدمين.

وفي المقابل، يستطيع المحاورون البشريون التركيز بدرجة أكبر على معرفة ما إذا كانوا يرغبون بالفعل في العمل مع المرشح، إلى جانب الإجابة عن أسئلته المتعلقة بالشركة والفريق والوظيفة.

هل الذكاء الاصطناعي أكثر عدلًا من البشر؟

قال رافيسانكار إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أقل تحيزًا بكثير من البشر، إذا تمت معايرته بشكل صحيح.

ويستند في ذلك إلى إمكانية توجيه النظام لتطبيق معايير التقييم نفسها على جميع المرشحين، بدلًا من التأثر بعوامل مثل الخلفية الشخصية أو المستوى التعليمي للمتقدم.

لكن تطبيق المعايير نفسها بصورة متسقة لا يعني بالضرورة أن نظام الذكاء الاصطناعي أصبح خاليًا من التحيز.

فأدوات التوظيف الآلية قد ترث تحيزات موجودة أصلًا في البيانات أو النماذج أو معايير التقييم التي بُنيت عليها، بل يمكنها في بعض الحالات تضخيم هذه التحيزات.

ولهذا السبب، بدأت الجهات التنظيمية في عدد من الأسواق بتدقيق استخدام الذكاء الاصطناعي في قرارات التوظيف.

نيويورك تفرض تدقيقًا للتحيز

يشهد استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف بالفعل رقابة تنظيمية متزايدة.

فعلى سبيل المثال، تفرض مدينة نيويورك على أصحاب العمل الذين يستخدمون أنواعًا معينة من أدوات اتخاذ قرارات التوظيف الآلية إخضاعها إلى تدقيق مستقل للتحيز، إلى جانب إخطار المتقدمين قبل استخدام هذه الأدوات في تقييمهم.

وأقر رافيسانكار بأن التوظيف مجال يخضع لتنظيمات وقواعد قانونية، موضحًا أن الالتزام بهذه المتطلبات التنظيمية يمثل أحد الجوانب التي كان على "HackerRank" مراعاتها أثناء تطوير Chakra.

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى دور المحاور والمقيّم، قد تصبح مقابلات العمل نفسها واحدة من أكثر المجالات التي تكشف كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تعريف طريقة قياس المهارات البشرية، وليس مجرد أتمتة الإجراءات التقليدية.