في تقرير نشرته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية (The Guardian)، انكشفت الأبعاد المالية الهائلة لكأس العالم 2026، الحدث الذي وصفه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو بأنه "أعظم ما ستشهده البشرية".
ولا يبدو أن هذا الوصف ينطوي على مبالغة كبيرة، إذ يُرتقب أن تكون النسخة المقبلة من المونديال، التي ستُقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، الأضخم في تاريخ اللعبة، ليس فقط من حيث عدد المنتخبات (48 فريقًا)، بل من حيث العوائد المالية غير المسبوقة.
وبحسب أحدث تقديرات الاتحاد الدولي، فإن إجمالي إيرادات الدورة المالية الممتدة لأربع سنوات، والتي تبلغ ذروتها في مونديال 2026، سيصل إلى نحو 13 مليار دولار. والأكثر لفتًا أن ما يقارب 9 مليارات دولار من هذا الرقم سيتم تحقيقها خلال عام البطولة وحده، ما يعكس الحجم التجاري الهائل للحدث.
وللمقارنة، فإن أولمبياد باريس 2024، أحد أكبر الأحداث الرياضية في العالم، حقق إيرادات تُقدّر بحوالي 5.24 مليارات دولار فقط، وهو ما يبرز الفارق الشاسع في القوة التسويقية والاقتصادية التي باتت تتمتع بها بطولة كأس العالم.
هذا التصاعد الكبير في العوائد يؤكد أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل تحولت إلى صناعة عالمية عملاقة، حيث تتقاطع حقوق البث والرعاية والإعلانات مع توسع قاعدة الجماهير، ما يجعل من مونديال 2026 مرشحًا ليكون الحدث الرياضي الأكثر ربحًا في التاريخ.
في السياق ذاته، يشير تقرير صحيفة "ذا غارديان" إلى أن الهيمنة المالية لكأس العالم لم تكن دائما بهذه الصورة. فحتى نسخة كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، كانت الألعاب الأولمبية تتفوق من حيث العوائد، قبل أن يبدأ ميزان القوى في التحول تدريجيا لصالح كرة القدم.
لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع قرار (فيفا) تنظيم نسخة 2026 في الولايات المتحدة، أكبر سوق إعلاني وإعلامي في العالم. هذا الاختيار لم يكن رياضيا فقط، بل اقتصاديا بامتياز، إذ فتح الباب أمام قفزة غير مسبوقة في الإيرادات.
فبعد أن بلغت عائدات دورة 2018-2022 نحو 7.5 مليار دولار، يتوقع أن ترتفع بنسبة تصل إلى 73% إضافية بحلول صيف 2026، وهو نمو ضخم يعكس التوسع المدروس في نموذج البطولة.
وتظل حقوق البث التلفزيوني العمود الفقري لإيرادات (فيفا)، مع زيادات كبيرة مقارنة بالنسخ السابقة، مدفوعة بتضخم قيمة السوق الإعلامي العالمي وتنافس الشبكات والمنصات الرقمية على المحتوى الحصري. كما لعب قرار توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخبا دورا محوريا في هذا النمو، إذ ارتفع عدد المباريات من 64 إلى 104، ما يعني ساعات بث أطول، ومحتوى أكثر تنوعا، وأسواقا جديدة تدخل دائرة الاستهلاك، خاصة في أمريكا الشمالية وأوروبا.
ولم تكتفِ (فيفا) بذلك، بل تبنّت مقاربة أكثر مرونة وابتكارا في تسويق المحتوى، من خلال بيع حقوق بث مستقلة لبطولة كأس العالم للسيدات، إلى جانب استغلال المنصات الرقمية الحديثة. فقد بدأت في بيع مقاطع البث القصيرة عبر تطبيقات مثل يوتيوب (YouTube) وتيك توك (TikTok)، في محاولة لاستقطاب جمهور أصغر سنا يتجه بشكل متزايد نحو الاستهلاك السريع والمحتوى المختصر.
وأبرز التقرير أن مبيعات التذاكر وباقات الضيافة أصبحت ثاني أكبر مصدر دخل لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم ، بإجمالي يُقدّر بنحو 3 مليارات دولارات، مقارنة بحوالي 950 مليون دولار فقط في مونديال 2022، ما يعكس قفزة هائلة في هذا القطاع تحديدا.
هذا الارتفاع الكبير لا يعود فقط إلى زيادة عدد المباريات، بل أيضا إلى التحول في فلسفة التسعير، حيث باتت فيفا تعتمد نموذجا أقرب إلى "التجربة الشاملة" التي تجمع بين التذكرة والخدمات المرافقة، مثل الضيافة الفاخرة والمقاعد المميزة، وهو ما يرفع متوسط العائد لكل مشجع.
غير أن هذه الأسعار أثارت جدلا واسعا، إذ قد تصل تكلفة متابعة جميع مباريات منتخب واحد حتى المباراة النهائية إلى نحو 6900 دولار، وهو رقم يضع التجربة الكاملة خارج متناول شريحة واسعة من الجماهير.
كما بلغ سعر أغلى تذكرة لنهائي البطولة، المقرر إقامته في ملعب ميت لايف ، حوالي 10990 دولارا، في مؤشر واضح على التحول نحو تسعير يستهدف الفئات الأعلى دخلا والشركات الراعية.
بينما عرضت 4 تذاكر للمباراة النهائية بمبلغ يقترب من 2.3 مليون دولار.
ورغم هذه الانتقادات، فإن الطلب الجماهيري لا يزال كاسحا. فقد تلقت فيفا أكثر من 500 مليون طلب للحصول على نحو 7 ملايين تذاكر فقط، ما يعكس الفجوة الهائلة بين العرض والطلب، ويؤكد أن كأس العالم لا يزال الحدث الرياضي الأكثر جذبا للجماهير على مستوى العالم، حتى في ظل ارتفاع التكاليف.
وفي جانب الرعاية والتسويق التجاري، حقق (فيفا) أرقامًا قياسية جديدة، حيث بلغت عائدات الرعاية نحو 2.7 مليار دولار، إضافة إلى 670 مليون دولار من حقوق التراخيص، في مؤشر واضح على تنامي جاذبية العلامة التجارية لكأس العالم لدى الشركات الكبرى. وقد وقعت اتفاقيات مع شركات عالمية مثل أديداس وأرامكو وكوكاكولا، مع مرونة أكبر في تقديم باقات تجارية مخصصة للشركات.
بصفتها منظمة غير ربحية، تؤكد (فيفا) أنها ستعيد استثمار ما يقارب 11.67 مليار دولار في تطوير كرة القدم عالميًا، عبر برامج البنية التحتية، ودعم الاتحادات، وتمويل المشاريع الكروية في الدول النامية.
لكن على أرض الواقع، يثير توزيع هذه الأموال الكثير من الجدل. فكل اتحاد وطني يحصل على 5 ملايين دولار خلال الدورة، مع إمكانية إضافة 3 ملايين أخرى لمشاريع محددة، وهي أرقام يراها البعض محدودة مقارنة بحجم الإيرادات الضخم، خاصة بالنسبة للدول التي تعاني من ضعف الموارد الكروية.
في المقابل، تذهب حصة كبيرة من الأموال إلى تكاليف تنظيم البطولات، التي بلغت خلال الدورة الحالية نحو 7.6 مليارات دولار، منها 3.8 مليارات مخصصة لكأس العالم 2026 وحده. وتشمل هذه التكاليف البنية التنظيمية، والخدمات اللوجستية، والأمن، والتشغيل، ما يعكس التعقيد الهائل لإدارة حدث بهذا الحجم عبر ثلاث دول.
رفعت فيفا إجمالي الجوائز المالية إلى 871 مليون دولار، مع ضمان حصول كل منتخب مشارك على 12.5 مليون دولار كحد أدنى. ورغم أن هذه الأرقام تبدو كبيرة، فإن عدة اتحادات أعربت عن قلقها من أن هذه العوائد قد لا تغطي التكاليف الفعلية للمشاركة، خاصة في ظل ارتفاع نفقات السفر والإقامة والاستعداد.
ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب النظام الضريبي في الولايات المتحدة، حيث قد تصل الضرائب إلى 21% على الاتحادات و37% على اللاعبين، ما يقلص بشكل ملموس صافي الأرباح، ويجعل بعض المنتخبات خصوصًا من الدول الأقل ثراءً تشعر بضغط مالي حقيقي.
رغم أن تقريرا سابقا لذات الصحيفة قال إن جميع المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 تقترب من الحصول على إعفاء ضريبي في الولايات المتحدة، بعد محادثات أجراها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مع وزارة الخزانة الأمريكية.
وبحسب تقرير لصحيفة "ذا غارديان" (The Guardian)، فإن الفيفا بات قريبا من التوصل إلى اتفاق نهائي يمنح 48 منتخبا إعفاء ضريبيا فيدراليا، رغم احتمال استمرار خضوعها لضرائب الولايات والمدن.
وأوضح التقرير أن الفيفا حصل على تعهد يتيح للاتحادات الوطنية التقدم بطلب إعفاء ضريبي تحت بند (501 سي 3) من قانون الإيرادات الداخلية الأمريكي، وهو نظام مخصص للمنظمات غير الربحية.
وبحسب المصدر نفسه، فإن الحصول على الإعفاء ليس مضمونا بشكل تلقائي، لكنه مرجّح في حال استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة، خاصة أن شروط هذا البند تستلزم عدم تحقيق أي مكاسب شخصية أو الانخراط في نشاط سياسي، وهي شروط تتوافق عادة مع طبيعة الاتحادات الرياضية الوطنية.
في نهاية المطاف، تبدو فيفا نفسها، إلى جانب السلطات الضريبية الأمريكية، من أبرز المستفيدين من هذا الحدث الضخم، في حين تواجه بعض الاتحادات والمدن المستضيفة تحديات مالية تتعلق بتكاليف التنظيم والعوائد غير المضمونة.
أما على مستوى القيادة، فإن رئيس فيفا جياني إنفانتينو، الذي يتجه نحو ولاية جديدة، فقد ارتفعت مكافآته بالفعل إلى نحو 6 ملايين دولار سنويًا، ومن المتوقع أن تزداد أكثر في أعقاب هذا النجاح التجاري غير المسبوق.
وهكذا، يكشف مونديال 2026 عن مفارقة لافتة عن بطولة تُحقق أرباحًا تاريخية، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة عميقة حول عدالة توزيع هذه الثروة داخل منظومة كرة القدم العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة