وسط مبان مهدمة وشوارع تحمل آثار الحرب، يحتضن ملعب "نادي فلسطين الرياضي" بمدينة غزة، فعاليات الأسبوع الثاني من منافسات البطولة التنشيطية لخماسيات كرة القدم، التي استؤنفت مؤخرا.
وكانت جميع الأنشطة الرياضية توقفت خلال عامين بسبب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بدعم أمريكي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي بدأتها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانتهت بوقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لكن تل أبيب تخرقه يوميا.
وبدت المباريات كبقعة ضوء وسط الظلام، تعيد نبضا افتقدته المدينة طويلا، وعلى أطراف الملعب تجمع عشرات المشجعين من مختلف الأعمار يهتفون ويصفقون بحماس أعاد للمكان شيئاً من روحه.
وتمثل عودة عجلة الرياضة في غزة بارقة أمل جديدة في ظل المعاناة المتواصلة، فضلا عن كونها إحياء جزئيا لمصدر رزق المئات من اللاعبين والمدربين والعاملين في القطاع الرياضي وعائلاتهم.
ويُشرف الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم على تنظيم البطولة التنشيطية، التي تقام على 3 ملاعب صغيرة فقط سلمت من التدمير، بمشاركة 24 ناديا من الدرجتين الممتازة والأولى بمختلف مناطق القطاع.
وأعرب لاعبون وإداريون ومشجعون، عن تفاؤلهم بعودة الروح إلى الملاعب في غزة، برغم ما حل بالقطاع من دمار ومآس، آملين بتطوير اللعبة التي يعشقها الكثيرون وتمثل متنفسا لهم.
وقتلت إسرائيل خلال الحرب، أكثر من 1007 فلسطينيين من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية بينهم 45 سيدة وفقدان 5 آخرين، فيما دمرت 265 منشأة رياضية، وفق نائب رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية أسعد المجدلاوي.
ويتوزع هؤلاء الضحايا على 34 اتحادا ومؤسسة رياضية، بينهم لاعبون ومدربون وحكام وإداريون وكوادر مختلفة.
فيما خلفت الإبادة الجماعية إجمالا أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطيني، ودمارا واسعا طال 90 في المئة من البنى التحتية المدنية.
مصطفى صيام، المسؤول الإعلامي بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، يقول إن تنظيم هذه البطولة يأتي في إطار خطة تعاف لإعادة النشاط الرياضي تدريجيا في غزة بعد عامين من التوقف بسبب حرب الإبادة.
ويضيف صيام أن الخطوة تمثل قراراً بإعادة الحياة إلى الملاعب رغم التحديات والصعوبات التي تواجهها، في ظل التدمير الكبير الذي طال البنية التحتية الرياضية بما يشمله من خسائر بشرية ومادية.
ويشير إلى تدمير إسرائيل أكثر من 270 منشأة رياضية تشمل ملاعب وصالات ومقار أندية، فيما تحولت بعض الملاعب إلى مراكز إيواء للنازحين، إضافة إلى مقتل قرابة ألف لاعب ورياضي ومدرب.
ويبيّن أن البطولة تلقى اهتماما لافتا من الجماهير العاشقة للرياضة وكرة القدم، بعد عامين من النزوح والألم والفقد والعيش في الخيام.
ويؤكد الإعلامي الفلسطيني أن العودة لممارسة كرة القدم تبعث برسالة مفادها أن الشباب قادرون على النهوض من تحت الركام، ولو بإمكانات بسيطة.
وفي قطاع غزة، لا تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل تشكل مساحة للتنفيس النفسي والاجتماعي لسكان القطاع في ظل بيئة مثقلة بالحصار والحروب المتكررة.
وعلى مدار سنوات، تحولت الملاعب إلى متنفس للشباب، ومكان يلتقي فيه الناس بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية وهمومها.
من جهته، يرى يوسف داود، لاعب فريق "غزة الرياضي"، أن عودة المنافسات تعيد الشغف المفقود وتبعث الحياة من جديد في الوسط الرياضي بغزة.
ويؤكد أن عودتهم للملاعب تمثل رسالة تحد لكل الظروف التي مروا بها، مشيرا إلى أنه فقد زوجته وأبناءه وعدد من أفراد عائلته بقصف إسرائيلي، إلا أنه مصر على إكمال الطريق.
ويلفت إلى أن استمرار اللعبة هو أيضا رسالة وفاء لزملائه الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب، مشددا على أن استئناف الأنشطة يعيد مصدر رزق محدود للاعبين والإداريين.
ويقول إنه يأمل أن يستمر تنظيم البطولات وتعود عجلة الرياضة بشكل أفضل مما كانت عليه قبل الحرب.
ويشاركه الأمل حسن هتهت مدرب "النادي الأهلي الفلسطيني"، ويقول إنه متفائل بعودة النشاط الرياضي بعد فترة ركود طويلة تسببت بشلل تام وفقدان الرياضيين مصدر رزقهم.
هتهت يوضح أن استئناف النشاط الرياضي في غزة يعكس مستوى الإرادة لدى الشعب الفلسطيني "الذي يسعى لاستعادة الحياة من لا شيء".
ويدعو المدرب الفلسطيني مختلف الجهات الرياضية العربية والدولية، إلى توفير الدعم والإسناد الحقيقيين من أجل النهوض بالنشاط الرياضي بقطاع غزة.
وبشكل عام تعاني الرياضة في فلسطين، وخصوصاً في قطاع غزة، من ضعف الإمكانات والمقدرات، لعدة أسباب أبرزها الانتهاكات الإسرائيلية وسياسة التقييد والمنع ضمن الحصار المفروض على القطاع منذ منتصف العام 2006.
وبين صفوف المشجعين، احتفى الشاب محمد عويضة بمشاهدة مباريات البطولة التنشيطية، معبرا عن سعادته الغامرة بعودة دوران الساحرة المستديرة.
وفقد عويضة زوجته وأطفاله وعدداً من ذويه خلال الحرب، لكنه يؤكد على ضرورة التشبث بما يبعث على التفاؤل.
ويقول إنه قطع عدة كيلومترات سيراً على الأقدام من أجل مشاهدة اللعبة التي يحبها، مضيفاً أن "أجواء الموت التي يسعى الاحتلال لفرضها في غزة لن تدوم، وستغلبها أجواء الأمل والإرادة".
وتحظى كرة القدم بشكل عام بشعبية واسعة في غزة، إذ يتابع آلاف المشجعين عبر شاشات تلفزيون قليلة تنتشر وسط الخيام المباريات العربية والدولية، رغم انتهاء بعضها في أوقات متأخرة وما يشكّله ذلك من مخاطر في ظل عمليات القصف الإسرائيلي بين الحين والآخر.
وبرغم القيود المفروضة على السفر والحركة منذ سنوات، برز عدد من اللاعبين الذين شاركوا في منتخبات وطنية أو احترفوا خارج القطاع، ما عزز مكانة اللعبة في المجتمع.
وقبل الحرب، كان في قطاع غزة عشرات الملاعب والصالات الرياضية التابعة للأندية والجامعات والبلديات، لكن الدمار الواسع الذي طال القطاع أدى إلى خروج معظم المنشآت عن الخدمة، فيما تحولت بعض الملاعب إلى مراكز إيواء للنازحين خلال الحرب.
ويواجه القطاع الرياضي اليوم تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الإعمار، وتوفير المعدات، وضمان استمرارية البطولات المحلية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة