يعاني ما يقارب نصف الأزواج من متلازمة تُعرف باسم "كوفاد”، وهي حالة غريبة تدفع بعض الشركاء إلى اختبار أعراض تشبه أعراض الحمل رغم أنهم ليسوا حوامل. وقد بدأت هذه الظاهرة تثير اهتمام العلماء، لأنها قد تكشف الكثير عن تأثير الحمل ليس فقط على الأم، بل على الأب أيضا.
قبل أربع سنوات، عندما كانت زوجته في شهرها السادس من الحمل بطفلهما الأول، بدأ أليكس جونز يشعر بالغثيان كل ليلة تقريبا. يقول صانع المحتوى البالغ من العمر 34 عامًا من منطقة إيست ميدلاندز في المملكة المتحدة: "في البداية لاحظت شعورًا بالغثيان. عادةً لدي قدرة كبيرة على تحمّل القيء ولا أشعر بالغثيان بسهولة، لذلك عندما بدأ الأمر لاحظته فورا".
لم يتوقف الأمر عند الغثيان. فقد عانى جونز أيضا من إرهاق شديد، وحساسية في الجلد على ذراعيه وصدره، إضافة إلى شعور عام بعدم الارتياح. ويضيف: "الأمر الأكثر غرابة أنني كنت أستيقظ كثيرًا وذراعاي مخدرتان. وعندما أخبرت زوجتي، قالت إنها تعاني من الشيء نفسه". بعد بحث طويل عبر الإنترنت في إحدى الليالي، اكتشف جونز أن الأعراض التي يعاني منها تتطابق مع حالة تُسمى متلازمة كوفاد.
تقول كاثرين كابونيرو، أخصائية أمراض النساء والتوليد في كليفلاند كلينك في ولاية أوهايو الأمريكية، إن أفضل وصف لهذه الحالة هو "الحمل التعاطفي"، وتوضح: "هي حالة يعاني فيها الشريك غير الحامل من أعراض تشبه أعراض الحمل، رغم أنه ليس حاملاً بيولوجيًا". وتشير أبحاث متزايدة إلى أن هذه الظاهرة قد تكون أكثر انتشارًا مما كان يُعتقد سابقًا، ما يدفع بعض العلماء إلى إعادة النظر في الطريقة التي يؤثر بها الحمل في كلا الوالدين.
لا تقتصر متلازمة كوفاد على الآباء الذين ينتظرون مولودا فقط، بل قد تظهر لدى شركاء من نفس الجنس، وحتى لدى بعض أفراد العائلة الذين يعيشون مع الحامل ويشاركون في رعايتها بشكل وثيق. وتتنوع أعراضها بشكل كبير، إذ قد تشمل الغثيان والتعب، وآلام الظهر والأسنان، وتقلبات المزاج، والرغبة الشديدة في تناول الطعام، بل وحتى زيادة الوزن.
وغالبًا ما تظهر هذه الأعراض وفق نمط يشبه الحمل الطبيعي، حيث تبلغ ذروتها في الثلثين الأول والثالث من الحمل، ثم تختفي بعد الولادة. وبسبب اختلاف تعريف المتلازمة وتعدد أعراضها، تختلف تقديرات انتشارها بشكل كبير. فقد وجدت دراسة أن نحو 52% من الآباء في الولايات المتحدة أفادوا بمعاناتهم من بعض أعراضها خلال حمل شريكاتهم، فيما سجلت نسب مماثلة في الأردن (59%) وتايلاند (61%). وفي دراسات أخرى، أبلغ سبعة من كل عشرة آباء منتظرين في بولندا والصين عن أعراض مرتبطة بالمتلازمة، بينما كانت النسب أقل في السويد (20%) وروسيا (35%).
ورغم هذه الأرقام، لا تزال متلازمة كوفاد غير مصنفة رسميًا كاضطراب طبي. إذ لا يذكرها كل من التصنيف الدولي للأمراض أو الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهما المرجعان الرئيسيان اللذان يعتمد عليهما الأطباء حول العالم. ويقول رونالد ليفانت، أستاذ علم النفس الفخري في جامعة أكرون الأمريكية، إن قلة من الكتب الطبية تتناول هذه الحالة أصلًا. حتى الأطباء أنفسهم لا يدرسونها بشكل معمق. وتقول كابونيرو: "أعتقد أنني تعلمت عنها جملة واحدة فقط خلال دراستي في كلية الطب. وحتى في المصادر الطبية المتخصصة، لا توجد معلومات كافية عنها".
تعود تسمية كوفاد إلى الفعل الفرنسي couver الذي يعني "الاحتضان" أو "التفقيس". وقد استخدم المصطلح لأول مرة عام 1865 على يد عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد بورنيت تايلور، عندما وصف مشهدًا غريبًا شاهده في ريف الباسك: رجال فلاحون مستلقون في أسرتهم مع أطفالهم حديثي الولادة.
يقول ريتشارد باويس، عالم الأنثروبولوجيا الطبية في جامعة جنوب فلوريدا، إن المصطلح كان يحمل في البداية طابعا ساخرا، إذ كان يعكس فكرة أن الرجال "يتصرفون كالنساء”. لكن جذور الظاهرة أقدم بكثير. فقد وُجدت طقوس مشابهة تعود إلى نحو 50 قبل الميلاد، عندما كان بعض الآباء في مناطق من أوروبا يستلقون في أسرّتهم ويقلدون آلام الولادة أو مظاهرها.
كما وثّق علماء الأنثروبولوجيا لاحقًا طقوسًا مشابهة في مناطق مختلفة من العالم، من جزر الهند الغربية إلى أمريكا الجنوبية وشرق آسيا. في بعض الثقافات، كانت هذه الطقوس تُعد نوعًا من الاعتراف الرمزي بالأبوة. وفي ثقافات أخرى، كان يُعتقد أنها وسيلة لصرف الأرواح الشريرة عن الأم والطفل. لكن مع انتقال النقاش إلى المجتمعات الغربية الحديثة في القرن العشرين، بدأ النظر إلى كوفاد بوصفها أو جسدية نفسية مرتبطة بتجربة الحمل.
يتفق معظم الخبراء اليوم على أن للمتلازمة جانبًا نفسيًا مهمًا. ففترة انتظار طفل جديد قد تكون مرحلة مليئة بالضغوط والتغيرات العاطفية بالنسبة للشريك أيضًا. يقول كيفن غرونبيرغ، عالم النفس السريري ومؤسس منظمة "لاف داد” في كاليفورنيا: “إنجاب طفل يُعدّ أحد أكبر التحولات في حياة البالغين.
وقد يكون مرهقًا عاطفيًا ونفسيًا، لذلك قد تكون أعراض كوفاد طريقة للتعبير عن هذا التغيير الكبير”. ولا تتوقف الضغوط عند الولادة، إذ يواجه الوالدان تحديات جديدة مثل قلة النوم ومتطلبات رعاية المولود المستمرة. وتشير الدراسات إلى أن واحدًا من كل عشرة آباء يعاني من اكتئاب قبل الولادة أو بعدها، بينما يبلّغ نحو 18% من الرجال عن مستويات مرتفعة من القلق خلال هذه المرحلة.
كما تظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى نحو 7% من الآباء الجدد. كما تشير الأبحاث إلى أن احتمال إصابة الأب بالاكتئاب يزداد مرتين على الأقل إذا كانت الأم تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة.
صورة من: Monkey Business 2/Shotshop/picture alliance
بالنسبة لأليكس جونز، لم تكن هذه الأعراض سهلة التفسير. ويقول إنه شعر بمزيج من المشاعر المعقدة أثناء انتظار مولودته عام 2022. ويضيف: "زوجتي لم تتقبل أعراضي الشبيهة بالحمل، فقد اعتقدت أنني أحاول التطفل على تجربتها". لكن بعض الخبراء يرون أن هذه الأعراض قد تعكس تعاطفًا عاطفيًا عميقًا مع الشريكة الحامل.
يقول ليفانت: "قد تعكس هذه الحالة مستوى عاليًا من التماهي العاطفي مع الشريكة الحامل". وغالبًا ما يترافق ذلك مع سلوكيات دعم مقصودة. فقد يتخلى الشريك مثلًا عن بعض الأطعمة التي أصبحت رائحتها مزعجة للحامل، أو يخفف نشاطه البدني ليقضي معها وقتًا أطول في الراحة.
ويرى باويس أن هذه السلوكيات امتداد حديث لطقوس "كوفاد" القديمة. ويقول: "أنا أعرّف كوفاد بأنها أي فعل يقوم به شخص خلال الحمل أو بعد الولادة لدعم المرأة الحامل". ويضيف أن وصفها بـ”المتلازمة” قد يعطي انطباعًا مرضيًا، بينما هي في جوهرها تعبير عن التعاطف الإنساني.
إلى جانب التفسيرات النفسية، تشير بعض الدراسات إلى وجود أساس بيولوجي محتمل لهذه الظاهرة. ففي دراسة أجرتها عالمة النفس روبن إيدلشتاين من جامعة ميشيغان، تبيّن أن مستويات الهرمونات لدى الرجال الذين ينتظرون مولودًا قد تتغير خلال فترة الحمل. فبينما ترتفع لدى النساء الحوامل مستويات بعض الهرمونات مثل الكورتيزول والبروجسترون، ينخفض لدى الرجال هرمون التستوستيرون والإستراديول.
ويعتقد الباحثون أن انخفاض التستوستيرون قد يدفع الرجال إلى التركيز أكثر على رعاية الطفل والاستثمار في الأسرة، بدلًا من السلوكيات التنافسية. كما تشير دراسات عصبية حديثة إلى أن أدمغة الآباء قد تمر بتغيرات بعد الولادة أيضًا. فقد وجدت دراسة نُشرت عام 2024 أن حجم المادة الرمادية في أدمغة الآباء قد يتقلص بعد الولادة، وهو تغير يُعتقد أنه يساعد على تعزيز المناطق المسؤولة عن فهم إشارات الرضيع والترابط معه.
في النهاية، يرى بعض الباحثين أن النظر إلى متلازمة كوفاد على أنها مجرد انعكاس لأعراض الحامل يقلل من تعقيد تجربة الأبوة. يقول عالم النفس دانيال سينغلي: "الشريك يمر أيضًا بسلسلة من التغيرات النفسية والاجتماعية والهرمونية. إنه ليس مجرد مراقب لتجربة الحمل، بل يعيش تحولًا خاصًا به". لكن تقبل هذه الفكرة قد يكون صعبًا في ظل التوقعات الاجتماعية التقليدية حول دور الرجال.
ويضيف سينغلي: "كثير من الرجال قد يعتقدون أنه لا يحق لهم الشعور بالقلق أو الإرهاق، لأن عليهم أن يكونوا دائمًا أقوياء ومسؤولين". ومع ذلك، تشير هذه الظاهرة الغامضة إلى حقيقة بسيطة، وهو أن الحمل قد يكون تجربة يعيشها الوالدان معًا، بطرق مختلفة، ولكن قد يكون تقبّل الأمر أصعب بالنسبة للآباء.
المصدر:
DW