هيمنت على أوساط علم الأعصاب وعلم النفس لعقود فكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، وهي أن الذكاء البشري لا بد وأنه يسكن موقعا محددا داخل الدماغ. ربما يختبئ في ثنايا الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط واتخاذ القرار، أو ربما يعتمد على كفاءة شبكة صغيرة من المناطق المتخصصة في حل المشكلات المعقدة.
كانت هذه النظرة مثل محاولة العثور على غرفة القيادة المركزية في مبنى ضخم، أو البحث عن زر سحري بمجرد ضغطه يتوهج العقل بالذكاء. ولكن، يبدو أن العلم يمضي قدما لتجاوز هذه الفكرة. فقد نشرت دراسة حديثة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) العلمية، قادها باحثون من جامعة نوتردام، مقدمة أدلة على أن الذكاء ليس سمة تحتكرها منطقة بعينها، بل هو نتاج معمارية شاملة وديناميكية تشمل الدماغ بأسره.
يقول الباحث في مختبر علم أعصاب القرار بجامعة نوتردام في الولايات المتحدة والباحث الرئيسي في الدراسة رامزي ويلكوكس، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "يشجعنا هذا المنظور على اعتبار الدماغ نظاما واحدا مترابطا وديناميكيا للغاية، بدلا من كونه مجموعة من الأجزاء المنعزلة التي يؤدي كل منها وظائف منفصلة. فبدلا من تجزئة الدماغ إلى أجزاء أصغر فأصغر، يحول هذا المنظور تركيزنا نحو فهم كيفية تنظيم النظام وعمله ككل".
تخيل رساما قادرا على ابتكار عدد لا حصر له من اللوحات باستخدام ريشته ومجموعة محدودة من الألوان. كي نفهم السبب وراء هذه القدرة على الإبداع لدى هذا الرسام، لا يكفي تحليل اللوحات إلى ألوانها الأساسية، بل يجب فهم التقنيات التي استخدمها الرسام لدمج هذه الألوان وتنظيمها على اللوحة.
يقول ويلكوكس: "يعمل الدماغ بطريقة مماثلة، إذ ينتج نطاقا واسعا من السلوكيات من مجموعة محدودة من الوظائف الإدراكية الأساسية"
لذا اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 831 مشاركا ضمن مشروع خريطة الوصلات العصبية البشرية، وهو مشروع علمي ضخم يهدف لرسم خارطة تفصيلية للوصلات الدماغية وكيفية ترابطها.
ولأول مرة، لم يكتف الباحثون بالنظر إلى هيكل الدماغ، بل استخدموا تقنيات حاسوبية متطورة دمجت بين البنية التشريحية للدماغ، أي الوصلات البيولوجية التي تربط الخلايا ببعضها البعض، وبين الوظيفة الحيوية لتلك الوصلات، أي كيفية سريان الإشارات الكهربائية ونشاطها أثناء العمل.
جاءت النتائج لترسخ وتدعم ما يعرف بنظرية علم أعصاب الشبكات، التي تقترح أن الذكاء العام ينبثق من التناغم والتنسيق بين مختلف أنحاء الدماغ، وليس مجرد كفاءة منطقة منعزلة.
يقول ويلكوكس: "تشير نتائجنا إلى أن الذكاء لا يُفهم بالطريقة الأفضل باعتباره شيئا محصورا في منطقة أو شبكة دماغية واحدة. بل ينشأ من بنية الشبكة الدماغية الشاملة وكفاءة تنظيمها".
غالبا ما نواجه في الحياة مشكلات لم نصادفها من قبل، ونحتاج إلى إيجاد حلول لها. بينما يمكننا الاستفادة من خبراتنا السابقة، لكن يتطلب حل المشكلات الجديدة تعميم تلك المعرفة بطرق جديدة أو دمج المعلومات الجديدة مع ما عرفناه مسبقا، حيث تتكون وصلات قوية وأخرى ضعيفة في المخ البشري.
ولعل الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة في هذه الدراسة هو إعادة الاعتبار لما يسميه العلماء الروابط الضعيفة. في ثقافتنا العامة والبداهة، وحتى في بعض الفرضيات العلمية القديمة، نميل دائما لتعظيم القوة والكثافة، مفترضين أن الدماغ الأذكى هو الذي يمتلك طرقا سريعة وعريضة ووصلات قوية لنقل المعلومات بين كل أجزائه. لكن كشفت الدراسة مفارقة عجيبة، وهي أن الذكاء يعتمد بشكل حاسم على الوصلات الضعيفة من حيث الكثافة الهيكلية وطول المدى.
على سبيل المثال، تعكس الروابط القوية في الدماغ ما تعلمناه وخبراتنا السابقة. وتسمح قوة تلك الوصلات لنا باستخدام المعرفة المألوفة بسرعة وموثوقية. لكن المشكلة تكمن في أن قوة هذه الروابط تضفي جمودا يمنع سلوكنا من الانحراف بعيدا عما نجح فيه في الماضي، كأنه طريق يزداد عمقا ووضوحا من كثرة سالكيه. بينما تسمح لنا ضعف بعض الوصلات بتعديل السلوك الأكثر جمودا لنسلك طرقا جديدة مبتكرة.
يقول ويلكوكس: "رغم أن الإشارة قد تكون خافتة، فإن الروابط الضعيفة بعيدة المدى تدعم التواصل بين الشبكات. ويمكن أن يؤدي تفعيلها إلى تغيير النشاط المعتاد داخل الشبكات، مما يسمح لنا بأن نكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف في سلوكنا".
هناك مفهوم هندسي بديع يحكم أدمغة الأذكياء يصعب إغفاله في تلك الدراسة، يطلق عليه العلماء اسم طوبولوغيا العالم الصغير. قد يبدو المصطلح غريبا، لكن فكرته بسيطة.
تخيل دولة مكونة من قرى صغيرة ومدن ومحافظات، تمثل مناطق الدماغ المتخصصة كالفص الجبهي أو الصدغي. في داخل كل قرية، يعرف السكان بعضهم البعض جيدا ويعملون بكفاءة عالية جدا في مهام محددة مثل الزراعة أو التجارة، نفس الشيء على مستوى الدماغ، فتلك المنطقة متخصصة في معالجة الصور أو الأصوات، وهذا ما يسمى بالتخصص المحلي.
لكن لكي تكون هذه الدولة ناجحة ومتطورة، لا يكفي أن تكون القرى منعزلة ومنكفئة على ذاتها. يجب أن تكون هناك طرق ممهدة تربط هذه القرى المتباعدة ببعضها البعض لنقل الناس والبضائع بسرعة لتتحقق نهضة اقتصادية وتجارية حقيقية، وهذا ما يسمى بالتكامل العالمي.
كشفت الدراسة أن أدمغة الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عام عال يمتلكون هذا التوازن الدقيق والهندسي، حيث تجمعات محلية قوية التخصص تؤدي مهامها بدقة، وشبكة مواصلات عالمية تربط المناطق المختلفة بفعالية عبر أقصر الطرق الممكنة. هذا التصميم يسمح للدماغ بمعالجة المهام الروتينية بسرعة داخل المناطق المتخصصة، وفي نفس الوقت استدعاء الموارد من كافة أنحاء الدماغ عندما تتطلب المشكلة تفكيرا عميقا وربطا بين مجالات مختلفة.
يشرح ويلكوكس: "يسمح التواصل بين مناطق الدماغ عبر القشرة الدماغية بأكملها للعمليات المتخصصة المختلفة بالتأثير على بعضها البعض، ما يُمكّن الدماغ من العمل بطرق قد لا يتصرف بها عادةً. وتُعدّ بنية العالم الصغير بنيةً تُوازن بين الحاجة إلى التخصص والتواصل الشامل. وبذلك، نستطيع حل المشكلات المألوفة بكفاءة، والتكيف مع المشكلات الجديدة بطرق قد لا نتوقعها للوصول إلى حل".
من المهم التأكيد على أن هذا المنظور الشبكي الجديد لا يلغي الاكتشافات السابقة، بل يفتح أعيننا. فبدلا من التركيز على نجوم الصف الأول من الفريق فقط مثل مناطق الدماغ الرئيسية، وجب الانتباه لكيفية تعاون الفريق بأكمله.
يختتم ويلكوكس: "من خلال دراسة الخصائص التنظيمية لبنية العالم الصغير في الدماغ، نأمل في اكتساب رؤى تُسهم في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة مستوحاة من مبادئ علم الأعصاب الشبكي" إذ تعتمد الأنظمة الحالية للذكاء الاصطناعي غالبا على قوة المعالجة والبيانات الضخمة أي الوصلات القوية.
لكن محاكاة العقل البشري الحقيقي قد تتطلب بناء شبكات تتبنى مبادئ العالم الصغير والمرونة التي توفرها الروابط الضعيفة، لتتمكن من الابتكار في مواجهة المجهول بدلا من مجرد الحساب السريع لمعطيات معروفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة