ولم تكتفِ الوزارة بإعلان الإحصائية، بل وجهت نداءً صريحاً دعت فيه إلى وقفة جادة من وسائل الإعلام والمجتمع ومؤسسات الدولة، معتبرة أن مواجهة الانتحار مسؤولية جماعية تتجاوز الجانب الأمني، وتمتد إلى الجوانب الصحية والاجتماعية والتربوية.
ورغم أن كل حالة انتحار تحمل ظروفاً خاصة بها، إلا أن المختصين يجمعون على وجود عوامل مشتركة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية، والبطالة، والتفكك الأسري، والعنف، والاضطرابات النفسية غير المعالجة، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تمنع كثيرين من طلب المساعدة النفسية في الوقت المناسب.
تعدد الأسباب والبعد القانوني والنفسي
إن حالات ومحاولات الانتحار ليست ظاهرة وليدة اللحظة أو مرتبطة بظروف محددة، بل تعد قضية عالمية تعاني منها حتى الدول المتقدمة، وفقاً لمدير قسم العلاقات والإعلام في
المفوضية العليا لحقوق الإنسان، سرمد سعيد البدري، الذي أضاف أن هذه الحالات غالباً ما تصيب الفئات الأكثر عرضة للضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأوضح البدري أن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي قد يسهم في الحد من الظاهرة، إلا أنه لا يضمن اختفاءها بشكل كامل، لافتاً إلى أهمية البرامج الحكومية الهادفة إلى تعزيز المهارات والقدرات وتوفير متطلبات المجتمع وتحسين جودة الحياة، مع التأكيد على أن الانتحار يبقى ظاهرة مقلقة حتى في المجتمعات المستقرة بسبب تعدد أسبابه.
وبين أن الأسباب الرئيسة للانتحار تتمثل في الاضطرابات النفسية، وضعف الوازع الديني، فضلاً عن وجود حالات قد تُسجل على أنها انتحار بينما تكون في حقيقتها جرائم جرى إخفاء معالمها وإظهارها بصيغة الانتحار، موضحاً أن حسم مثل هذه القضايا يقع على عاتق أطباء الطب العدلي والتشريح العدلي والمحققين القضائيين، وأن ليس كل ما يُعلن عنه بوصفه حالة انتحار يكون كذلك فعلاً.
وأشار إلى أن المفوضية تنظر إلى حالات الانتحار باعتبارها انتهاكاً للحق في الحياة، مؤكداً أن التطور التكنولوجي وانتشار
وسائل التواصل الاجتماعي والرقمنة أسهم في ظهور تحديات جديدة؛ إذ قد يؤدي الإدمان على العالم الرقمي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وقلة فرص العمل وشعور الشباب بالإحباط والغموض تجاه المستقبل، إلى دفع بعضهم للتفكير بإنهاء حياتهم عبر تناول مواد سامة أو استخدام وسائل مؤذية أخرى، مبيناً أن بعض الحالات قد ترتبط أيضاً بقضايا جنائية أو ما يُعرف بـ"جرائم الشرف".
الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار (2023-2030)
ولفت البدري إلى أن
الحكومة العراقية أعدت الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار (2023-2030) بإشراف
وزارة الصحة وعضوية عدد من الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والهيئات المستقلة، ومنها المفوضية العليا لحقوق الإنسان ومجلس
القضاء الأعلى ، موضحاً أن الاستراتيجية تتضمن برنامجاً زمنياً يستهدف خفض حالات الانتحار بنسبة 10% من المعدلات المسجلة أو المتوقعة سنوياً.
وأضاف أن الاستراتيجية ترتكز على مجموعة من المحاور، أبرزها:
-تقديم الدعم النفسي والتدخل المبكر للحالات المعرضة للخطر.
-تعزيز خدمات الإرشاد النفسي، وتوفير الأطباء النفسيين والعيادات والمراكز التأهيلية، وتدريب الكوادر المختصة.
-تعزيز التوعية الدينية داخل المدارس ومن خلال رجال الدين.
ولفت إلى أن الاستراتيجية تتضمن أيضاً معالجة عوامل الخطورة عبر إجراءات قانونية، ومحاسبة المتسببين بدفع الآخرين إلى الانتحار، مبيناً أن من بين الظواهر التي تستدعي المعالجة ما يُعرف بـ "القربان" في بعض محافظات جنوب
العراق ، والتي سبق أن وثقتها مكاتب المفوضية؛ إذ تنتشر بين بعض الشباب نتيجة ضعف الوعي الديني، وقد ألقت الجهات الأمنية القبض على عدد من المحرضين عليها.
وأوضح أن الابتزاز الإلكتروني يمثل أحد أبرز الدوافع التي قد تدفع بعض الشباب والفتيات إلى الانتحار بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية بعد انتهاك خصوصيتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن هذه الظاهرة تتطلب معالجة قانونية واجتماعية ونفسية متكاملة.
وأكد البدري أن الاستراتيجية أولت اهتماماً بتدريب الأطباء والعاملين في القطاع الصحي على سرعة التعامل مع حالات الانتحار، وتطوير خدمات الإسعاف الفوري، وإنشاء وتطوير مراكز التأهيل بما يسهم في إنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر.
وشدد على أن المفوضية تنظر بإيجابية إلى جميع الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة، ووزارة الداخلية، ومجلس القضاء الأعلى، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمات
المجتمع المدني ، مؤكداً أهمية توفير فرص العمل والقروض الميسرة، وافتتاح مراكز لإعادة تأهيل المتعافين بما يعزز حماية الشباب ويحد من حالات الانتحار.
عوامل أسرية ومجتمعية
تؤكد الباحثة الاجتماعية، الدكتورة شذى قاسم، أن العامل الأسري يأتي في مقدمة الأسباب المؤثرة في الحالة النفسية للشباب، وقالت إن العلاقات داخل العائلة لها تأثير كبير على تفكير الشاب أو الشابة، فضلاً عن دور الأصدقاء والمقربين في تغيير الحالة النفسية وطريقة التفكير، سواء بشكل إيجابي أو سلبي.
وأضافت أن "مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الألعاب الإلكترونية الخطرة أصبحت من العوامل التي تؤثر في عقول الشباب؛ إذ تبث أحياناً أفكاراً سلبية وتعمل على تهوين فكرة الموت أو الانتحار لديهم من خلال محتويات غير آمنة".
وأشارت قاسم إلى أن انتشار
المخدرات ودخولها بشكل كبير إلى
المجتمع العراقي يمثل خطراً آخر يهدد الشباب والعائلات، حتى بعض الأسر التي تُعد مستقرة اجتماعياً؛ إذ قد ينجرّ الشاب إلى طرق سلبية بسبب هذه المؤثرات، في وقت لا تنتبه الأسرة إلى التغيرات التي تطرأ على سلوكه.
ونوهت بأن الكثير من الشباب الذين يفكرون بالانتحار يعانون من مشاعر الوحدة أو الإحساس بالفشل، وهنا يأتي دور الأسرة بالدرجة الأولى في متابعة أبنائها والانتباه إلى حالتهم النفسية، خاصة أن هناك علامات واضحة قد تظهر على الشخص الذي يمر بأزمة نفسية.
ولفتت إلى أن من أبرز المؤشرات التي يجب أن ينتبه لها الأهل هي:
تكرار الحديث عن الموت.
طرح أفكار سلبية بشكل مستمر.
ظهور حالة من العزلة واليأس.
وهذه كلها إشارات تستوجب التدخل المبكر والاهتمام بالشاب.
وأكدت قاسم ضرورة أن تعمل الأسرة على احتواء أبنائها من خلال إشراكهم في أنشطة إيجابية مثل الرياضة والنوادي والهوايات المختلفة، فضلاً عن توفير بيئة داعمة لهم ومرافقتهم والاهتمام بهم، مبينة أن "الشاب يحتاج إلى الشعور بالأمان والإحساس بأن لحياته قيمة وأهمية".
وأوضحت أن "الضغوط الاجتماعية والظروف العامة والتغيرات الكبيرة التي شهدها المجتمع خلال السنوات الماضية انعكست على الشباب، كما أن هناك فجوة بين أفكار بعض الأهالي وأفكار أبنائهم؛ إذ إن بعض الأسر تحاول تربية أبنائها وفق الأسلوب الذي نشأت عليه، من دون مراعاة التغيرات الجديدة في المجتمع".
واقترحت قاسم إدخال مادة أو درس خاص بـ الصحة النفسية في المدارس، بهدف تعزيز الطاقة الإيجابية لدى الطلبة والشباب، ومساعدتهم على مواجهة الضغوط وبناء نظرة أكثر أملاً للحياة.
تحذيرات وتصاعد في محافظة نينوى
يشهد ملف الانتحار في محافظة
نينوى خلال العام الحالي تصاعداً لافتاً وسط تحذيرات من اتساع دائرة الظاهرة بين فئات عمرية مختلفة، وتحديداً الشباب، في ظل ضغوط نفسية واقتصادية واجتماعية متراكمة. وباتت هذه الحوادث تثير قلقاً متزايداً لدى الأوساط الأمنية والصحية والاجتماعية مع مطالبات بإطلاق برامج وقائية وخطط توعية للحد من تناميها قبل أن تتحول إلى أزمة مجتمعية أوسع.
وفي هذا الإطار، أفادت مصادر أمنية وصحية في نينوى بأن المحافظة سجلت منذ الأول من كانون الثاني 2026 ولغاية 20 تموز الحالي نحو 60 حالة انتحار انتهت بالوفاة، فيما تمكنت
الأجهزة الأمنية وفرق الإسعاف والمواطنون من إنقاذ أعداد أكبر بعد السيطرة على محاولات انتحار في مراحل مختلفة، وهو ما يعكس اتساع حجم الظاهرة مقارنة بالسنوات الماضية، كما أشارت المصادر إلى أن الطب العدلي في نينوى وثق حالات الوفاة التي ثبت أنها ناجمة عن الانتحار بعد استكمال الإجراءات القانونية والطبية.
وأكد مصدر في شرطة نينوى أن أغلب حالات الانتحار سجلت في مدينة
الموصل إلى جانب عدد من الأقضية والنواحي، مبيناً أن الأسباب الأولية التي تظهر خلال التحقيقات ترتبط في معظمها بأزمات نفسية وضغوط اقتصادية وخلافات أسرية، فيما تختلف الدوافع من حالة إلى أخرى.
وأضاف أن "الأجهزة الأمنية تتعامل مع هذه الحوادث وفق الإجراءات القانونية، إلى جانب التدخل السريع عند ورود بلاغات عن محاولات انتحار لإنقاذ أصحابها". وأشار المصدر إلى أنه "خلال الأيام العشرة الماضية فقط تم تسجيل نحو 10 محاولات انتحار تمكنت القوات الأمنية بالتعاون مع الفرق الصحية والدفاع المدني وذوي الحالات من السيطرة عليها، وإنقاذ أصحابها قبل وقوع الكارثة"، مؤكداً أن "سرعة الاستجابة أسهمت في تقليل عدد الضحايا خلال تلك الفترة".
من جانبه، أوضح التدريسي في قسم علم النفس بجامعة الموصل، الدكتور إكرام عبد الخالق، أن الانتحار لا يرتبط بسبب واحد بل يأتي نتيجة تراكم ضغوط نفسية واقتصادية واجتماعية قد تدفع بعض الأشخاص إلى الشعور بفقدان الأمل.
وبين أن "هذه الظاهرة تستدعي تدخلاً مبكراً من الأسرة والمؤسسات التعليمية والصحية"، مضيفاً أن "الشباب والشابات هم الفئة الأكثر حاجة إلى برامج الدعم النفسي والإرشاد"، داعياً إلى تعزيز ثقافة طلب المساعدة وعدم ترك من تظهر عليهم علامات الاكتئاب أو العزلة دون متابعة.
بدورها، قالت الدكتورة جمانة جمال من دائرة صحة نينوى إن "ارتفاع أعداد حالات الانتحار ومحاولاته لم يعد أمراً يمكن تجاهله"، مؤكدة ضرورة أن تتبنى الحكومة المحلية خطة متكاملة للوقاية تشمل تكثيف حملات التوعية وإقامة الندوات والمؤتمرات وتفعيل التعاون بين
المؤسسات الصحية والأجهزة الأمنية والمدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن توسيع خدمات الدعم النفسي للمواطنين خاصة فئة الشباب.
ويرى المواطن خالد البدراني أن "مواجهة هذه الظاهرة تتطلب عملاً مشتركاً من مديريات التربية والشرطة والصحة والحكومة المحلية"، قائلاً إن "أخبار محاولات الانتحار أو حالات الوفاة أصبحت تتكرر بشكل يدعو إلى القلق، وإن المجتمع يحتاج إلى تحرك حقيقي وليس الاكتفاء بردود الأفعال بعد وقوع الحوادث".
وأضاف أن "الاهتمام بالشباب والاستماع إلى مشكلاتهم وتوفير الدعم النفسي وفرص العمل قد يسهم في الحد من هذه الظاهرة".
ويؤكد مختصون أن الحد من الانتحار لا يعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى تكامل بين الأسرة والمؤسسات الحكومية والقطاع الصحي والتربوي والإعلام، من خلال نشر الوعي بالصحة النفسية، وتوفير قنوات آمنة للحصول على الاستشارة والدعم، وتشجيع الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية على طلب المساعدة دون خوف من الوصمة الاجتماعية، بما يسهم في حماية أرواح الشباب والحفاظ على استقرار المجتمع.