تحليل سياسي
أبو بكر ابن الأعظمية
في عالم الاستخبارات لا تُقاس الحروب بعدد الجيوش، بل بنوعية الأهداف. وحين يصبح الهدف هو "قلب القنبلة النووية"، فإن كل الحسابات التقليدية تسقط، لتحل محلها معادلات المجازفة المطلقة. هنا تحديدًا يظهر اسم أصفهان… لا كمدينة إيرانية عادية، بل كخزنة مغلقة تحتوي على أخطر أسرار البرنامج النووي الإيراني.
أصفهان ليست هدفًا عشوائيًا. إنها المرحلة التي يتحول فيها اليورانيوم من مادة أولية إلى مشروع سلاح. أي أن من يسيطر على هذه الحلقة، يملك القدرة على كسر العمود الفقري للبرنامج النووي بأكمله. ولذلك، فإن الحديث عن "كنز أصفهان" ليس مبالغة إعلامية، بل توصيف دقيق لموقع يمكن أن يغير موازين القوة في الشرق الأوسط خلال ساعات.
من الناحية النظرية، تمتلك الولايات المتحدة وحدات قادرة على تنفيذ عمليات جراحية معقدة خلف خطوط العدو، تعتمد على السرعة والمفاجأة والتفوق التكنولوجي. غير أن الواقع الإيراني مختلف تمامًا. نحن لا نتحدث عن دولة مفككة أو ساحة مفتوحة، بل عن نظام أمني متشعب، وحرس ثوري يتعامل مع المنشآت النووية باعتبارها خطوطًا حمراء لا يمكن الاقتراب منها دون إشعال حرب شاملة.
المشكلة لا تكمن فقط في الوصول إلى أصفهان، بل في ما بعد الوصول. هل الهدف هو التدمير؟ أم الاستيلاء؟
إذا كان التدمير، فإن الضربات الجوية أكثر بساطة وأقل تكلفة.
إيران، من جانبها، لن تقف متفرجة. أي اختراق من هذا النوع قد يدفعها إلى رد غير تقليدي، سواء عبر استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، أو إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تسريع برنامجها النووي بشكل علني كرسالة تحدٍ. بمعنى آخر، فإن محاولة سرقة "القلب" قد تؤدي إلى تسريع نبض القنبلة بدل إيقافه.
لكن القراءة الأعمق لهذا الطرح تقودنا إلى ما هو أبعد من الجانب العسكري. فمجرد تسريب فكرة كهذه يحمل رسائل متعددة:
رسالة ردع لإيران بأن منشآتها ليست بعيدة عن متناول اليد،
ورسالة طمأنة لحلفاء واشنطن بأن الخيارات ما زالت مفتوحة،
ورسالة داخلية بأن الإدارة الأمريكية لا تزال تملك أوراقًا غير تقليدية.
في الحقيقة، قد لا تكون "عملية الألف جندي" خطة جاهزة للتنفيذ، بقدر ما هي أداة ضغط نفسي واستراتيجي. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالخوف من استخدامه.
يبقى السؤال الأهم:
هل تجرؤ واشنطن على خوض مغامرة بهذا الحجم؟
الإجابة ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية. لأن أي قرار من هذا النوع لن يحدد مصير منشأة في أصفهان فقط، بل قد يرسم شكل الشرق الأوسط لعقود قادمة.
المصدر:
الحدث