في العراق لا يوجد ما هو أغلى من الدولار
لنبدأ من الأساس: الدينار العراقي لا يزال مربوطًا ارتباطًا وثيقًا بتحركات الدولار الأميركي في السوق السوداء. في بداية 2025، كان الدولار يراوح بين 1,450 – 1,470 دينار في السوق الموازية، واليوم في 2026 وصل إلى حدود 1,600 دينار/دولار في فترات الذروة. بالنسبة لسعر سيارة جديدة تستورد من
الخليج أو أوروبا بسعر قدره 20,000 دولار، هذا يعني:
فرق العملة = 20,000 × (1,600 − 1,450) ≈ 3,000,000 دينار إضافي على سعر السيارة فقط بسبب قفزة الدولار.
ولا يتوقف الرقم هنا: لو أضفنا تكلفة الشحن، فسنصل إلى قفزة قريبة من 4,000,000 دينار إضافي على التكلفة النهائية للمستهلك، قبل أن ندخل في تفاصيل
الجمارك والرسوم.
سعر الشحن العالمي: الكارثة الصامتة
شركات الشحن لم تعد تبيع رحلة من ميناء جدة أو كراتشي إلى
البصرة بنحو 1,000 دولار كما في الماضي. رقماً لا يُصدق؟ اليوم تكلفة شحنة سيارة واحدة تفوق2,200 – 2,800 دولار، وترتفع أكثر إذا كانت المواسم مزدحمة اي أعلى بنسبة 18–25٪ في الصيف. هذا يعني أن نفس السيارة المستوردة تضيف لها الشحن وحده 3,500,000 – 4,500,000 دينار.
وهنا نبدأ بفهم الكارثة:
السيارة التي كانت تُباع عام 2023 بنحو 28,000,000 دينار، باتت اليوم تسجل (عام 2026) أرقامًا بين36,000,000 – 42,000,000 دينار فقط بسبب تكلفة الشحن المتفجرة والدولار.
الجمارك: القانون أو البوابة؟
قانونيًا، تفرض الجمارك العراقية نسبة 20–40٪ على قيمة السيارة (حسب نوع الاستيراد)، لكن مع ارتفاع الدولار والرسوم المضافة على قطع الغيار، أصبح التخليص الجمركي يضغط بشدة على السعر النهائي. على سبيل المثال:
• سيارة بقيمة 30,000 دولار:
- جمرك ≈ 30,000 × 30٪ = 9,000 دولار
-
ضرائب ورسوم أخرى ≈ 2,000 دولار
- إجمالي قبل الشحن والعمل = 41,000 دولار
بعد تحويله للدينار بالسعر الجديد (≈1,600) يصبح أكثر من65,000,000 دينار فقط قبل الشحن والاستلام.
وهنا تكمن المفارقة: مستويات الأسعار ليست فقط ناجمة عن الدولار والصرف، بل عن تراكم الرسوم القانونية وتطبيقها بطريقة غير مرنة.
سلاسل التوريد العالمية: العراق ليس معزولًا
الغريب أن العراق لم يكن معزولًا عن أزمة سلاسل التوريد. حتى لو كانت السيارة من
تركيا أو
الصين ، فانقطاع قطع الغيار في موانئ
آسيا ، وتأخر الحاويات، وزيادة تكاليف التخزين في أوروبا كلها ضاعفت تكلفة السيارة في العراق.
ببساطة: ما كان يُستورد بنحو 25,000 دولار عام 2021 أصبح يحتاج 30,000 – 34,000 دولار في 2026 بسبب اختناقات السوق العالمية.
سؤال آخر مهم: هل سيقفز السعر أكثر؟
إذا استمرت أسعار الدولار في الارتفاع، ومع تراجع إمدادات الوقود المدعوم وزيادة تكلفة النقل الداخلي، فإن سوق السيارات العراقية سيتجه نحو:
- سوق سيارات مستعملة أغلى من الجديدة في بعض الفئات.
- تراجع الطلب على السوناتا والكامري مقابل ارتفاع الطلب على الطرازات الصينية الأقل سعرًا.
- انكفاء المستهلك عن الاستيراد الشخصي لصالح الاستيراد الجماعي أو شركات التمويل.
ارتفاع أسعار السيارات في عام 2026 ليس ظاهرة عابرة، إنه انفجار اقتصادي مركّب، يتغذى من الدولار، شحن مرهق، رسوم جمركية مفروضة دون مراعاة للسوق، واختناقات سلاسل التوريد العالمية.
في العراق اليوم، لا تُقاس السيارة بسعرها عند العرض، بل بالكلف المتراكمة قبل أن تلمس الطريق. الأسعار ليست فقط أعلى، بل أيضاً غير منطقية اقتصاديًا وتركز العبء الأكبر على المستهلك الضعيف.