وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء
مظهر محمد صالح إن "المالية العامة لعام 2026 دخلت مرحلة التطبيق العملي لأحكام
قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم (6) لسنة 2019 المعدّل، والذي يوجب تأمين موارد شهرية ذات أولوية قصوى لتغطية النفقات الإلزامية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين، والمعاشات التقاعدية، وتخصيصات
الرعاية الاجتماعية ، والتي تُقدَّر بنحو (8) تريليونات دينار عراقي شهرياً".
وتمثل هذه الالتزامات جوهر الإنفاق الاجتماعي الجاري، ما يقتضي إدارة دقيقة للسيولة وتنظيماً صارماً لأولويات الصرف، لا سيما في ظل العمل بقاعدة (1/12) من المصروفات الجارية الفعلية للسنة السابقة (2025) عند غياب الموازنة السنوية النافذة.
وأكد
رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي خالد
الجابري أن "
قراءة الواقع المالي للبلاد تؤكد بوضوح أن الرواتب مؤمنة ولا توجد مخاطر آنية تهدد صرفها"، لافتاً إلى أن "الإيرادات الشهرية تقارب 8 مليارات دولار، وهو رقم يضع الالتزامات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب ضمن مستويات الأمان المالي".
واضاف ان "انتظام تدفق الإيرادات يمنح الحكومة مساحة من الاستقرار في إدارة الإنفاق العام، ويعزز قدرتها على التخطيط بعيداً عن الضغوط الطارئة"، مشيرا إلى أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في باب الرواتب، بل في ضعف النشاط الاستثماري، الذي يمثل الركيزة الأساسية لتنفيذ المشاريع التنموية في القطاعات الإنتاجية والخدمية".
ونبه إلى أن "الاقتصاد العراقي لا يمكن أن يبقى معتمداً على تغطية النفقات الجارية فحسب، بل يحتاج إلى رؤية واضحة لتحفيز الاستثمار وخلق فرص عمل تسهم في تنويع مصادر الدخل"، مشددا على "أهمية توفير بيئة أعمال أكثر مرونة، تبدأ بتسهيل الإجراءات الضريبية والجمركية وتبسيط آليات تسجيل الشركات، وصولاً إلى معالجة التعقيدات الإدارية التي تعيق توسع القطاع الخاص".
وأكد "ضرورة إصدار قرار يعفي الشركات من الأصول الضريبية والغرامات والفوائد المترتبة عليها، فضلاً عن إيجاد حلول عملية للالتزامات المتراكمة بموجب
قانون العمل وسجل الشركات، بما يتيح انطلاقة جديدة للنشاط الاقتصادي".
كما أكد عضو
منتدى بغداد الاقتصادي جاسم جابر أن "أسعار النفط الحالية والإيرادات المتحققة تكفي لتغطية الموازنة التشغيلية"، مشيراً إلى أن "المؤشرات المالية تعكس قدرة الدولة على الإيفاء برواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية دون مخاطر تذكر".
وأوضح أن "أي تأخير قد يحدث في بعض الأحيان يرتبط بإجراءات تنظيمية تتعلق بآليات تحويل الإيرادات الدولارية إلى الدينار العراقي والسياقات المحاسبية المعتمدة، وهي مسائل فنية لا تمسُّ جوهر الاستقرار المالي".
واكد أن "المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاطمئنان إلى تأمين الرواتب نحو بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً، فتنشيط الاستثمار واستقطاب التكنولوجيا العالمية وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص تمثل
المدخل الأهم لمعالجة مشكلات مزمنة كالبطالة وضعف الإنتاج المحلي".
وبينما تبدو الرواتب في دائرة الأمان، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة السياسات الاقتصادية على تحويل الثروات البشرية والطبيعية إلى مشاريع تنموية تترجم إلى نمو مستدام وفرص عمل حقيقية.