آخر الأخبار

أبو طبلة والتشريب والدولمة.. طقوس عراقية قديمة خلال رمضان

شارك

السومرية نيوز – محلي
يحمل شهر رمضان في العراق نكهة خاصة لا تشبه سواها، إذ تمتزج فيه الروحانية بالعادات الاجتماعية المتوارثة، وتتجدد طقوس قديمة ما زالت حاضرة في أزقة المدن وأريافها رغم تغيّر الأزمنة.

من المسحراتي الذي يجوب الشوارع قبل الفجر، إلى موائد الإفطار الجماعية وألعاب الأطفال الشعبية، تتشكل لوحة رمضانية عراقية ضاربة في الجذور.
المسحراتي… "أبو طبيلة" يوقظ الذاكرة
يُعد "المسحراتي" أو "أبو طبيلة" من أبرز الرموز الشعبية في رمضان العراقي، إذ كان يجوب المحلات القديمة في بغداد ومدن أخرى قارعاً طبلته الصغيرة قبيل الفجر، مردداً عبارات دينية وأناشيد شعبية لإيقاظ الناس للسحور.
وكان يعرف سكان الأزقة واحداً واحداً، وينادي بعضهم بأسمائهم، في مشهد يعكس ترابط المجتمع وبساطته.
وفي نهاية الشهر، كان الأطفال يرافقونه لجمع "العيدية" أو الهدايا الرمزية من الأهالي تقديراً لجهده طوال الشهر.
ورغم تراجع حضوره في بعض الأحياء الحديثة، ما زال المسحراتي يظهر في مناطق شعبية، محافظاً على طقس يربط الأجيال الجديدة بذكريات آبائهم وأجدادهم.
الماجينة… أناشيد الأطفال في ليالي الصيام
من الطقوس المحببة أيضاً عادة الماجينة، وهي أهازيج يرددها الأطفال في منتصف رمضان، خاصة في ليلة النصف منه.
ويجوب الصغار البيوت بعد الإفطار مرددين عبارات تراثية، فيما يقدم لهم أصحاب المنازل الحلوى أو المكسرات.
وتُعد هذه العادة مناسبة اجتماعية مبهجة، تعزز روح المشاركة والفرح بين الجيران، وتغرس في الأطفال قيماً من الترابط والتكافل. وما زالت الماجينة حاضرة بقوة في مدن الجنوب مثل البصرة والناصرية، حيث تحظى بطابع احتفالي واضح.
موائد الإفطار الجماعي… التكافل قبل كل شيء
وعرف العراقيون منذ عقود طويلة إقامة موائد إفطار جماعية في المساجد والحسينيات والساحات العامة، حيث يتشارك الناس الطعام دون تمييز.
وتبرز هذه الظاهرة في مناطق شعبية من النجف وكربلاء، إذ تتكفل عائلات أو متبرعون بإعداد وجبات يومية للصائمين.
ويؤكد باحثون في التراث الشعبي أن هذه العادة تجسّد واحداً من أعمق معاني الشهر الفضيل، وهو الإحساس بالآخر، وتقوية أواصر المجتمع، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرّ بها العراق عبر تاريخه الحديث.
أكلات رمضانية بطابع تراثي
ولا يكتمل الحديث عن رمضان العراقي من دون التوقف عند المائدة التقليدية، التي تتصدرها أطباق مثل التشريب والدولمة والهريسة، إلى جانب الشوربات بأنواعها.
أما الحلويات، فتبرز الزلابية والبقلاوة والداطلي التي تنتشر عرباتها في الأسواق القديمة.
وفي الموصل ، تشتهر بعض العائلات بإعداد أكلات خاصة توارثتها عبر الأجيال، فيما تحافظ مناطق الفرات الأوسط على وصفات تقليدية تُعد حصراً في رمضان، في مشهد يعكس تنوع الهوية العراقية ووحدتها في آنٍ معاً.
ليالي المقاهي… السمر بعد التراويح
بعد صلاة التراويح، كانت المقاهي الشعبية تمتلئ بالرواد، حيث تُقام جلسات السمر ولعب المحيبس الشهيرة بين فرق تمثل أحياء مختلفة. وتتحول اللعبة إلى منافسة ودّية تعزز روح الجماعة والانتماء.
وفي أحياء قديمة من بغداد، مثل الأعظمية والكرخ، ما زال المحيبس يحتفظ ببريقه، إذ تتجمع الحشود لمتابعة الجولات التي قد تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
ختم القرآن والمجالس الدينية
وتحظى المجالس الدينية وختمات القرآن بأهمية كبيرة خلال الشهر الفضيل، سواء في المساجد أو المنازل.
وتحرص عائلات كثيرة على إقامة مجالس ذكر وتلاوة جماعية، تتخللها أدعية خاصة بليالي القدر، وسط أجواء روحانية مميزة.
ويشير مختصون إلى أن هذه المجالس كانت تمثل أيضاً فضاءً اجتماعياً للتلاقي وتبادل الأخبار وتعزيز الروابط العائلية، إلى جانب بعدها الديني.
بين الماضي والحاضر… طقوس تتجدد
ورغم التحولات العمرانية والتكنولوجية، ما زالت الطقوس الرمضانية العراقية قادرة على البقاء والتجدد.
فقد انتقلت بعض الممارسات إلى الفضاء الرقمي عبر الدعوات الإلكترونية وتنظيم الحملات الخيرية عبر وسائل التواصل، لكن الجوهر بقي واحداً: شهر يجمع العراقيين على مائدة واحدة وقيم مشتركة.
ويبقى رمضان في العراق أكثر من مجرد صيام؛ إنه ذاكرة جماعية تستعاد كل عام، حيث تختلط أصوات المسحراتي بضحكات الأطفال وأناشيد الماجينة، لتؤكد أن للمدن العراقية روحاً لا تغيب مهما تبدلت الأزمنة.
السومرية المصدر: السومرية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا