بقلم: بهاء الدين أحمد
حين يخرج وزير الدفاع الإيراني بتصريح يقول فيه إن “كل القواعد الأمريكية والدول التي تسمح بعمليات واشنطن في المنطقة ستكون هدفًا مشروعًا لنا في حال هجوم علينا”، فإن الأمر لا يُقرأ كجملة عابرة في مؤتمر صحفي، بل كرسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات.
الرسالة موجهة إلى واشنطن أولًا،
بل إلى كل شاطئ مطلّ على الخليج.
أولًا: منطق الردع أم لغة التصعيد؟
التصريحات الإيرانية تأتي ضمن عقيدة “الردع المتقدم”، وهي تقوم على فكرة أن أي ضربة تُوجَّه لإيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستتحول إلى اشتباك إقليمي واسع.
من وجهة النظر الإيرانية،
القواعد الأمريكية في المنطقة ليست منشآت محايدة،
بل جزء من منظومة عسكرية يمكن أن تُستخدم ضدها.
لكن من زاوية دول الخليج،
فإن استضافة قوات أجنبية يدخل ضمن ترتيبات سيادية واتفاقيات دفاعية معلنة، هدفها حماية الأمن الوطني في منطقة مضطربة.
هنا يتولد التوتر الحقيقي:
هل الوجود الأمريكي عنصر استقرار… أم عنصر استهداف؟
السعودية، الكويت، البحرين، والإمارات ليست أطرافًا في أي حرب مباشرة مع إيران، لكنها تقع جغرافيًا ضمن دائرة الاشتباك المحتمل.
أي تصعيد أمريكي–إيراني لن يكون نظريًا بالنسبة لهذه الدول،
بل قد يتحول إلى:
تهديد للمجال الجوي
استهداف للبنية التحتية النفطية
اضطراب في الملاحة البحرية
قفزات خطيرة في أسعار الطاقة
والخليج اليوم ليس فقط خزان نفط، بل مركز مالي واستثماري عالمي.
أي شرارة عسكرية قد تشعل اضطرابًا اقتصاديًا يتجاوز المنطقة إلى العالم.
ثالثًا: الحسابات الإيرانية
إيران تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في جيشها النظامي،
بل في شبكة نفوذ إقليمية تمتد عبر أكثر من ساحة.
تصريح وزير الدفاع ليس مجرد تهديد عسكري،
وأن “الرد” سيكون متعدد المسارات.
لكن في الوقت ذاته،
إيران تعلم أن أي حرب واسعة قد تكون مكلفة داخليًا واقتصاديًا،
خاصة في ظل العقوبات والضغوط الدولية.
إذًا نحن أمام خطاب ردعي عالي النبرة،
ذلك مرهون بقرار واشنطن أولًا، وبحسابات اللحظة.
رابعًا: الموقف الخليجي… بين الحذر والتوازن
دول الخليج خلال السنوات الأخيرة سعت إلى مسارات مزدوجة:
تعزيز شراكاتها الدفاعية
وفي الوقت نفسه فتح قنوات تهدئة مع طهران
الاتفاق السعودي–الإيراني برعاية صينية كان مثالًا على محاولة خفض التوتر.
لكن التصريحات الأخيرة تعيد التذكير بأن التهدئة هشّة، وأن أي اشتباك كبير قد يعيد المنطقة إلى مربع الصدام.
في القانون الدولي،
مصطلح “هدف مشروع” يرتبط بسياق النزاع المسلح.
لكن استخدامه سياسيًا قبل اندلاع أي مواجهة فعلية يهدف إلى:
خلق حالة ردع نفسي
إيصال رسالة استباقية
تحذير الدول من الانخراط في أي تحرك عسكري ضد إيران
إنها لغة ضغط أكثر منها إعلان حرب.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
سيناريو الردع المتبادل:
تبقى التصريحات في إطار التهديد دون تصعيد فعلي.
سيناريو الضربة المحدودة:
مواجهة قصيرة محسوبة لا تتوسع إقليميًا.
سيناريو الانفجار الإقليمي:
دخول أطراف متعددة، واستهداف منشآت استراتيجية في الخليج.
الأكثر ترجيحًا حتى الآن هو استمرار لعبة حافة الهاوية،
حيث يرفع الجميع السقف… دون القفز إلى الحرب.
الخليج لا يحتمل حربًا جديدة
منذ عقود والمنطقة تعيش على وقع الأزمات.
لكن واقع اليوم مختلف:
اقتصاد عالمي مترابط
أسواق طاقة حساسة
شعوب تبحث عن الاستقرار لا عن المواجهة
الرسائل الإيرانية واضحة في مضمونها،
لكن الردع لا يعني دائمًا الرغبة في الحرب.
الخليج اليوم يقف في لحظة دقيقة:
إما أن تُدار الأزمة بعقل بارد،
أو يتحول التصريح إلى شرارة.
وفي زمن الصواريخ والطائرات المسيّرة…
كلمة واحدة قد تسبق الرصاصة.
المصدر:
الحدث