بقلم: أبو بكر ابن الأعظمية
ليست صورة الغلاف التي نشرها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على حسابه الرسمي في منصة “X” تفصيلاً بصرياً عابراً، ولا زلة تصميم، ولا اجتهاداً فنياً بريئاً. في عالم السياسة، الخريطة بيان، وأحياناً تكون أخطر من البيان نفسه. وحين تُضمّ الأجزاء الشمالية من سوريا – حلب، إدلب، وشمال اللاذقية – بصرياً إلى الجغرافيا التركية، فنحن لا نكون أمام صورة، بل أمام رسالة استراتيجية محسوبة.
أنقرة لا ترسم خرائطها عبثاً، ولا تترك الرموز دون دلالة. ما ظهر في صورة فيدان هو إعلان غير مباشر عن واقع نفوذ قائم، واحتمال سياسي قادم، واختبار صامت لردود الفعل الإقليمية والدولية.
من النفوذ العسكري إلى التثبيت الرمزي
منذ سنوات، رسّخت تركيا وجودها العسكري والأمني والاقتصادي في الشمال السوري. قواعد، نقاط مراقبة، فصائل مدعومة، عملة متداولة، مناهج تعليمية، بنية تحتية، وإدارة أمر واقع. لكن ما ينقص هذا المشهد دائماً هو التثبيت الرمزي، أي الانتقال من واقع ميداني إلى صورة ذهنية.
الصورة التي نشرها فيدان تؤدي هذا الدور بذكاء:
لا إعلان ضم، ولا تصريح رسمي، بل خريطة تقول كل شيء لمن يعرف قراءة الخرائط.
حلب ليست إدلب… والرسالة هنا أخطر
حين تظهر إدلب أو مناطق ريفية شمالية ضمن نطاق النفوذ التركي، قد يتعامل البعض مع الأمر بوصفه امتداداً لحالة “المنطقة العازلة”. لكن إدخال حلب في هذا الإطار مختلف تماماً. حلب ليست مدينة حدودية، بل عاصمة اقتصادية وتاريخية لسوريا، وميزان جيوسياسي حساس في أي تسوية مستقبلية.
إظهار حلب ضمن المجال التركي هو تذكير بأن أنقرة لم تغادر حلم “العمق الاستراتيجي”، وأن ما فشل بالسلاح المباشر قد يُعاد إنتاجه بالسياسة والاقتصاد والوقت.
شمال اللاذقية: العقدة الصامتة
الأخطر في الخريطة ليس إدلب ولا حلب، بل شمال اللاذقية. هذه المنطقة تمس مباشرة الساحل السوري، والوجود الروسي، والبعد الطائفي، والتوازنات الدولية. إدراجها ضمن خريطة النفوذ التركي هو بمثابة رسالة مزدوجة:
وإلى دمشق بأن الجغرافيا لم تعد مقدسة كما كانت.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس بريئاً. المنطقة تعيش حالة سيولة غير مسبوقة:
حرب مفتوحة في غزة وتداعياتها الإقليمية
انشغال أمريكي انتخابي
تفاوض روسي غربي غير معلن على خرائط النفوذ
ارتباك عربي مزمن
في مثل هذا الفراغ، تتحرك الدول الطموحة لترسيم ما يمكن ترسيمه قبل أن تُغلق النوافذ.
من حلب إلى الموصل… التاريخ الذي لا ينام
حين يتداول الشارع مصطلحات مثل “حلب والموصل والحلبية”، فذلك ليس من باب الحنين العاطفي، بل لأن الذاكرة الجيوسياسية العثمانية لم تُدفن. أنقرة تعرف أن هذه المناطق تشترك في عقد تاريخية واقتصادية وحدودية، وتدرك أن إدارة النفوذ لا تبدأ بالضم، بل بتعويد العالم على الفكرة.
هل هو ضم؟ أم ضغط تفاوضي؟
الاحتمالان قائمان.
قد يكون ما جرى رسالة ضغط لتحسين شروط أنقرة في أي تسوية سورية قادمة.
وقد يكون خطوة أولى في مسار طويل لتكريس واقع لا يُسحب لاحقاً.
لكن المؤكد أن تركيا لم تعد تتصرف كجار قلق، بل كقوة ترى نفسها شريكاً في إعادة رسم الشرق الأوسط.
الصورة التي قالت ما لم يُقل
ما نشره هاكان فيدان ليس استفزازاً عابراً، بل لغة دولة تعرف ماذا تفعل.
وفي السياسة، أخطر القرارات هي تلك التي لا تُعلن… بل تُرسم.
الخريطة ظهرت.
والسؤال لم يعد: هل ستتغير الحدود؟
بل: من يملك الجرأة والقدرة على منع ذلك؟
المصدر:
الحدث