آخر الأخبار

حدود القوة العسكرية في عصر المعرفة: قراءة في تصريح قائد الجيش الإيراني حول استحالة القضاء على التكنولوجيا النووية

شارك

ابو بكر ابن الاعظمية

تصريح يتجاوز التهديد إلى إعادة تعريف الصراع
حين صرّح قائد الجيش الإيراني بأن «القضاء على التكنولوجيا النووية أمر غير ممكن»، لم يكن يوجّه رسالة دعائية أو خطاب تعبئة داخلية، بل قدّم مقاربة استراتيجية تتجاوز منطق الردع التقليدي.
التصريح، في جوهره، لا يناقش امتلاك سلاح نووي بقدر ما يعيد تعريف طبيعة الصراع بين القوة العسكرية والمعرفة العلمية في القرن الحادي والعشرين.
في عالم باتت فيه التكنولوجيا معرفة متراكمة لا يمكن حصرها في منشأة أو احتواؤها في موقع جغرافي، تبرز إشكالية جديدة أمام الاستراتيجيات العسكرية الكلاسيكية: كيف يمكن تدمير ما لم يعد مادّيًا بالكامل؟
منشآت قابلة للتدمير… لكن المعرفة عصيّة على الإلغاء
التجارب التاريخية تشير بوضوح إلى أن العمليات العسكرية، مهما بلغت دقّتها، قادرة على تعطيل البرامج النووية مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنجح في إنهائها بالكامل.
فالمنشآت قد تُدمّر، والمعدات قد تُستهدف، غير أن المعرفة العلمية تبقى محفوظة في عقول العلماء، وفي البنى الأكاديمية، وفي شبكات البحث والتطوير.
البرنامج النووي الإيراني، كما هو حال برامج مشابهة في دول أخرى، لم يعد يعتمد على مركز واحد أو منشأة مركزية، بل تطوّر ليصبح منظومة متعددة المستويات، تعتمد على توزيع المعرفة والقدرات البشرية، ما يجعل استئصاله عسكريًا مهمة بالغة التعقيد.
التحول من منطق الردع إلى منطق الاستمرارية
يعبّر تصريح قائد الجيش الإيراني عن انتقال واضح من خطاب الردع المباشر إلى خطاب الاستمرارية.
فبدل التأكيد على القدرة على الرد العسكري، جرى التركيز على فكرة أن أي ضربة، مهما كانت مؤلمة، لن تؤدي إلى إنهاء المشروع، بل قد تدفعه إلى التكيّف وإعادة التشكل.
هذا المنطق لا يعني بالضرورة تصعيدًا، بقدر ما يعكس قراءة واقعية لموازين القوى:
الضربات العسكرية قد تؤخّر البرامج.
العقوبات قد تُبطئها.
لكن القضاء التام على التكنولوجيا بات أمرًا غير قابل للتحقق عمليًا.
التكنولوجيا النووية كحالة سيادية طويلة الأمد
في السياق الإيراني، لم تعد التكنولوجيا النووية مجرد ملف تفاوضي أو أداة ضغط سياسية، بل تحولت إلى عنصر من عناصر السيادة الوطنية كما تراها طهران.
هذا التحول يغيّر طبيعة الحسابات الدولية، إذ يصبح التعامل مع الملف النووي مرتبطًا بإدارة الأزمة لا بحسمها، وباحتواء المخاطر لا بإزالتها نهائيًا.
من هنا، فإن أي خيار عسكري واسع النطاق يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإقليمية المحتملة، بل أيضًا بسبب محدودية نتائجه النهائية مقارنة بتكلفته السياسية والعسكرية.
القيود الواقعية على الخيار العسكري
تدرك مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب أن العمل العسكري ضد البرنامج النووي الإيراني يواجه عدة قيود:
اتساع رقعة المنشآت وتوزّعها.
تراكم الخبرات البشرية غير القابلة للاستهداف المباشر.
إمكانية إعادة البناء في فترات زمنية أقصر مما كان عليه سابقًا.
الانعكاسات الإقليمية والدولية لأي تصعيد واسع.
هذه العوامل مجتمعة تفسر سبب بقاء الخيار العسكري مطروحًا نظريًا، لكنه مؤجّل عمليًا.
ما الذي يقوله التصريح فعليًا؟
التصريح الإيراني لا يدّعي الحصانة المطلقة، ولا ينفي إمكانية تعرّض البرنامج لأضرار جسيمة، لكنه يطرح فكرة محورية مفادها أن الصراع لم يعد بين قنابل ومنشآت، بل بين إرادات سياسية ومعرفة علمية متراكمة.
إنه تذكير بأن أدوات القرن الماضي لم تعد كافية لحسم نزاعات القرن الحالي، وأن القوة العسكرية، رغم أهميتها، باتت عاجزة وحدها عن إنهاء مشاريع قائمة على العلم والمعرفة المؤسسية.
إدارة الصراع بدل وهم الحسم
في ضوء ما سبق، يمكن قراءة تصريح قائد الجيش الإيراني باعتباره دعوة غير مباشرة لإعادة التفكير في مقاربات التعامل مع الملف النووي، بعيدًا عن منطق الحسم العسكري، وقريبًا من منطق إدارة الصراع وتقليل مخاطره.
ففي عالم تتسارع فيه وتيرة انتقال المعرفة، يصبح السؤال المركزي ليس:
هل يمكن تدمير البرنامج؟
بل:
كيف يمكن منع تحوّل هذا الصراع إلى مواجهة مفتوحة بلا أفق حاسم؟

الحدث المصدر: الحدث
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا