بقلم: بهاء الدين أحمد
لم يعد التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تراشقٍ سياسي أو استعراضٍ إعلامي. ما نشهده اليوم هو اكتمال تدريجي لنصاب الاستعداد العسكري، حيث تتقدّم القطع الثقيلة إلى مواقعها، وتتحرّك السماء قبل الأرض، ويُعاد ترتيب خرائط الاشتباك في الشرق الأوسط على وقع العدّ التنازلي.
المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى شرق المتوسط تعيش حالة اصطفاف عسكري غير مسبوق منذ سنوات. الحشود لا تتحرك عبثًا، ولا تتكدّس دون حساب. فكل مقاتلة تُنقل، وكل حاملة طائرات تقترب، وكل منظومة دفاع تُفعَّل، تعني أن احتمالات الصدام لم تعد نظرية.
ثانيًا: إسرائيل… الجبهة التي لا تنام
أعلنت إسرائيل جهوزيتها للحرب، مؤكدة قدرتها على صد ما يصل إلى 700 صاروخ باليستي إيراني. هذا الرقم ليس للاستهلاك الإعلامي، بل رسالة مزدوجة:
إلى طهران بأن الدفاعات الجوية متعددة الطبقات (من القبة الحديدية إلى السهم) في أعلى جاهزية.
وإلى واشنطن بأن تل أبيب مستعدة لتحمّل عبء المواجهة الأولى إن لزم الأمر.
هل تستطيع أي منظومة دفاع، مهما بلغت، أن تضمن الحماية الكاملة في حال انهمرت الصواريخ دفعة واحدة؟
ثالثًا: الولايات المتحدة… عندما تتحرك القوة الصامتة
الولايات المتحدة لا تُكثر الكلام حين تقترب من قرار كبير. المؤشرات الأخيرة تقول إن:
12 مقاتلة F-15 نُقلت بالفعل إلى المنطقة، في رسالة واضحة بأن الخيار الجوي حاضر وجاهز.
خلال أسبوع، ستصل حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” إلى قبالة السواحل الإيرانية، ما يعني:
قدرة على شن ضربات جوية واسعة.
سيطرة بحرية على مسارات حيوية.
رفع سقف الردع إلى مستوى غير مسبوق.
وجود “لنكولن” ليس تفصيلًا عسكريًا؛ إنه تغيير في قواعد اللعبة، لأن حاملات الطائرات لا تُستدعى إلا عندما تصبح الخيارات الدبلوماسية محدودة أو مؤجلة.
في تطور لافت، وصلت عشرات المقاتلات الألمانية والبريطانية والفرنسية إلى جزيرة قبرص.
أوروبا لم تعد تراقب من بعيد؛ بل تستعد لتكون جزءًا من المشهد العسكري.
قبرص تتحول إلى منصة انطلاق جوية متقدمة لأي عمليات محتملة في شرق المتوسط أو باتجاه العمق الإقليمي.
وحدة الموقف الغربي تتجسد عسكريًا، لا سياسيًا فقط.
خامسًا: طهران… الرد ليس سؤالًا بل توقيت
إيران، في المقابل، تدرك أن الضربة – إن وقعت – لن تكون رمزية. لذلك تعتمد عقيدتها على:
الرد المتعدد الجبهات بدل المواجهة المباشرة فقط.
استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى أوراق النفوذ الإقليمي.
السؤال هنا ليس: هل سترد إيران؟
بل: كيف ومتى وبأي مستوى؟
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
أمام هذا المشهد المتشابك، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية:
1️ضربة محدودة محسوبة
هجوم جوي أو سيبراني مركز، يهدف لإرسال رسالة قوية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
2️مواجهة إقليمية متدرجة
تبدأ بضربة، ثم تتوسع عبر ردود غير مباشرة، لتشمل ساحات متعددة، مع بقاء الخطوط الحمراء الدولية.
3️حافة الحرب ثم التراجع
وهو السيناريو الأخطر نفسيًا والأكثر شيوعًا تاريخيًا:
الاقتراب من الهاوية، ثم التراجع في اللحظة الأخيرة عبر وساطات وضغوط دولية.
خاتمة: الشرق الأوسط بين الردع والانفجار
ما يحدث اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات المنطقة لعقدٍ كامل.
الاستعدادات اكتملت تقريبًا، الرسائل أُرسلت، والكل ينتظر من سيضغط الزر أولًا… أو من سيسحب يده في اللحظة الأخيرة.
في الشرق الأوسط، الحروب لا تُعلن دائمًا… لكنها حين تقع، تغيّر كل شيء.
المصدر:
الحدث