بينما كان اجتماع الاطار التنسيقي المؤجل منذ الأربعاء الماضي والذي وصف بانه "اجتماع حاسم" لايزال منعقدًا، تسرب الى الأجواء السياسية عبر مصادر اولًا، انسحاب
السوداني لصالح
المالكي كمرشح وحيد للاطار التنسيقي لرئاسة الوزراء، ليؤكد عدد من أعضاء ائتلاف دولة القانون هذه المعلومة لاحقا باطلاق التبريكات لزعيمهم، وجاء هذا التطور بعد اجتماعات خاصة بين المالكي والسوداني بمقترح من الاطار التنسيقي ذاته، فقادة الاطار وجدوا انفسهم عالقين بالحرج بين قطبين رئيسيين على طاولة الاطار، فلا هم يستطيعون اختيار شخص واحد منهما علنًا واستبعاد الاخر خشية من الحرج، ولا ابدا كل من السوداني او المالكي تراجعه عن موقفه، لذلك اختار الاطار رمي الكرة في ملعب القطبين المتنافسين وهو بمثابة الغاء ذاتي للجنة الاطار التنسيقي التي تشكلت سابقا وكانت مسؤوليتها مقابلة المرشحين والتي استقرت على 9 مرشحين لاحقا.
وفجأة وقبل انتهاء اجتماع الاطار تسرب الى الاعلام الإعلان عن تنازل السوداني للمالكي، وهو تنازل مفاجئ لايشبه ما كان ائتلاف الاعمار والتنمية يعلنه ويؤكد عليه دائما بالتمسك النهائي بالسوداني كمرشح لولاية ثانية، لذلك، كل شيء مفاجئ لا بد له من تفسير، خصوصا وان هذا التنازل وترشيح المالكي يأتي في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة اللهجة الامريكية عن ما هو مطلوب من الحكومة القادمة في
العراق .
"ثقة الفصائل".. الاطمئنان مقابل السلاح
ينظر الى المالكي عموما بانه مقرب من الفصائل والراعي الرسمي لجمع القوى الشيعية والاطار التنسيقي تحديدا، لذلك فان النظرة الأولى ترى ان ترشيح المالكي يتعارض تماما مع متطلبات "حصر السلاح بيد الدولة او تفكيك الفصائل"، لكن في الحقيقة، وفي هذه المرحلة الحرجة ليس امام الفصائل والمعادلة السياسية الشيعية عموما سوى خيارين، الأول هو التصادم المباشر مع
الولايات المتحدة وعدم الاخذ باراء او متطلبات
واشنطن ، وهذه مغامرة كبيرة سيكون الاقتصاد اول ضحاياها قبل الحديث عن التبعات الأمنية الأخرى، اما الخيار الاخر فهو الخضوع للمتطلبات الامريكية المتعلق بحصر السلاح وتفكيك الفصائل، وهذا الخيار ربما تقبل به الفصائل على مضض لإنقاذ المعادلة السياسية، لكنها تحتاج حينها الى رئيس حكومة "تثق به"، فتخلي قوى الفصائل عن السلاح والانكفاء خطوة الى الوراء وعدم المشاركة حتى في الحكومة والوزارات، قد يعطي فرصة قوية لرئيس الحكومة القادم لاستضعافها، لذلك ستحتاج الى رئيس حكومة تثق به، وهذا اول الخيارات لدى الاطار التنسيقي الذي قد يدفعه لاختيار المالكي رئيسا للوزراء، فهو الوحيد ربما القادر على حصر السلاح "بالتفاهم" وليس بالتصادم، بسبب ثقة الفصائل به.
الازمة الاقتصادية
معروف ان واحدة من اكثر القضايا الملحة والمقلقة التي ستواجه الحكومة المقبلة، هي الازمة المالية وتراجع أسعار النفط، لذلك ينظر للحكومة القادمة على انها "حكومة أزمات" لا حكومة رفاهية، أي ان الانفاق يجب ان يتقلص وتفرض الرسوم والضرائب وتتوقف الكثير من عمليات الانفاق او ربما تقليص الدعم على الكثير من القضايا التي على مساس مباشر مع حياة المواطنين.
لذلك، ولأن السوداني عرف بالفترة الأخيرة بانه يتوجه نحو فرض رسوم وضرائب، فهذا يعني ان الرفض تجاه ما سيقوم به سيكون مضاعفا، في حال ذهب نحو المزيد من القرارات القاسية اقتصاديا، ومن هنا يعرف الاطار التنسيقي ان انقاذ الحكومة المقبلة، يعني عدم الإبقاء على السوداني الذي سيضطر لفرض المزيد من القرارات الاقتصادية القاسية، لكن نفس القرارات ممكن ان تأتي من المالكي الذي عُرف عنه "السخاء" في الانفاق خلال حكومته نتيجة لارتفاع أسعار النفط، لذلك فان أي ضرائب او رسوم يتخذها، لن يستقبلها الشارع كقرارات "مقصودة" ملتصقة بشخصية رئيس الحكومة مثل السوداني، بل قرارات طارئة وضرورية ويجب اتخاذها.
مناورة سياسية
ينظر لتنازل السوداني لصالح المالكي من جانب اخر، على انه مناورة سياسية، فالسوداني على مايبدو أراد ان يخلي مسؤوليته من أي انسداد سياسي محتمل، لكنه يصر على ان
رئاسة الوزراء لا يجب ان تذهب لمرشح تسوية، وهي القناعة التي باتت تدور في فلك الاطار التنسيقي أيضا الذي يرى ان المرحلة تتطلب رئيس وزراء "مجرّب" وليس شخصية جديدة تحاول تجربة حظها، لذلك وبينما يصر السوداني على منح رئاسة الوزراء لمرشح يمتلك كتلة سياسية وليس الذهاب لمرشح تسوية، وللتخلص من الانسداد، قرر التنازل للمالكي، لكنه بالمقابل وضع الاطار التنسيقي امام موقف المرجعية القديم ضد المالكي، وكذلك التيار الصدري، بالإضافة الى الرأي الدولي وبعض الشركاء ولاسيما بعض القوى السنية التي لديها موقف سلبي تجاه المالكي، بالإضافة الى بعض الفئات في
الشارع العراقي .
وعلى ما يبدو ان هذه المناورة تهدف أولا لتثبيت مبدأ ان "رئاسة الوزراء لمن لديه كتلة سياسية" وغلق الباب امام مرشحي التسوية، وبعد ذلك، اذا لم ينجح المالكي بعبور هذه العقبات، سيضطر الاطار حينها العودة للسوداني على اعتبار انه أدى ما عليه وتنازل، لكن الظروف لم تسمح للمالكي بالوصول.