آخر الأخبار

غرينلاند على حافة الجليد السياسي: حين تُلوّح واشنطن بالقوة ويعود شبح الإمبراطورية من بوابة القطب الشمالي

شارك

ابو بكر ابن الاعظمية.

لم يكن التلميح الأميركي بإمكانية التدخل العسكري في غرينلاند مجرد زلة لسان أو تصريح عابر في لحظة توتر دولي، بل جاء كإشارة ثقيلة الدلالات تعكس تحوّلًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فحين تتحدث واشنطن عن “كل الخيارات على الطاولة”، فإنها لا تخاطب الدنمارك وحدها، بل تخاطب العالم بأسره، وتعلن أن الجغرافيا الباردة للقطب الشمالي لم تعد خارج حسابات الصراع الدولي الساخن.
غرينلاند، الجزيرة التي ظلت لعقود بعيدة عن الأضواء، تحولت فجأة إلى مفصل جيوسياسي، تُقاس به موازين القوة، وتُختبر عنده حدود السيادة والقانون الدولي، وتنكشف من خلاله ملامح النظام العالمي القادم.
لماذا غرينلاند؟ سؤال الجغرافيا الذي يقود إلى السياسة
من ينظر إلى غرينلاند بعين السياحة سيرى جليدًا وصمتًا ومساحات شاسعة شبه خالية.
لكن من ينظر إليها بعين الاستراتيجية يرى:
موقعًا يتحكم بالممرات الجوية والبحرية بين أميركا الشمالية وأوروبا.
نقطة ارتكاز عسكرية متقدمة في مواجهة روسيا.
خزانًا هائلًا من المعادن النادرة التي تشكّل عصب الصناعات التكنولوجية والعسكرية المستقبلية.
بوابة طبيعية للقطب الشمالي، حيث تتسابق القوى الكبرى على النفوذ مع ذوبان الجليد وتفتح الطرق الجديدة.
لهذا لم يكن اهتمام واشنطن بغرينلاند وليد اليوم، لكنه اليوم خرج من الظل العسكري الهادئ إلى الخطاب السياسي العلني، وهو أخطر ما في المشهد.
ترامب والعودة إلى منطق القوة الصريحة
ما يلفت الانتباه أن هذا الملف عاد إلى الواجهة مع عودة Donald Trump إلى صدارة المشهد السياسي.
ترامب لا يؤمن كثيرًا بالرماد الدبلوماسي، بل يفضّل اللهب المباشر. في عقليته، العالم ليس شبكة قوانين دولية، بل سوق نفوذ، ومن لا يحمي مصالحه بالقوة سيخسرها.
من هذا المنطلق، يصبح التلويح بالخيار العسكري في غرينلاند جزءًا من فلسفة أوسع:
فرض الوقائع بدل انتظار التوافقات.
إعادة تعريف “الأمن القومي” ليشمل الموارد والمواقع قبل التهديدات المباشرة.
اختبار ردود فعل الحلفاء قبل الخصوم.
وهنا تكمن المفارقة: التهديد موجّه رسميًا لحليف في الناتو، لا لخصم.
الدنمارك وغرينلاند: السيادة في مواجهة البراغماتية الأميركية
غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي، لكنها تظل قانونيًا جزءًا من Denmark.
الرد الدنماركي كان حازمًا:
غرينلاند ليست سلعة، ولا تُشترى ولا تُفرض عليها الوصاية بالقوة.
أما في الداخل الغرينلاندي، فقد برز صوت مختلف، لا يقل أهمية:
نعم للعلاقات الاستراتيجية.
نعم للتعاون الاقتصادي والعسكري.
لا لأي انتقاص من حق تقرير المصير.
وهنا تصطدم البراغماتية الأميركية بجدار الهوية والسيادة، وهو جدار غالبًا ما تستخف به الإمبراطوريات… ثم تكتشف صلابته متأخرة.
القطب الشمالي: مسرح الصراع الجديد
ما يجري حول غرينلاند لا يمكن فصله عن الصورة الأكبر.
القطب الشمالي يتحول بسرعة إلى:
ساحة تنافس عسكري صامت.
مخزن موارد مفتوح مع ذوبان الجليد.
خط تماس غير معلن بين واشنطن وموسكو وبكين.
التلميح الأميركي باستخدام القوة في غرينلاند هو رسالة ردع مزدوجة:
لروسيا: نحن هنا، أقرب مما تتصورون.
للصين: طرق الحرير القطبية لن تمر بلا ثمن.
لكن الرسالة تحمل خطرًا أكبر: شرعنة منطق القوة في مناطق يفترض أنها محكومة بالتوافق الدولي.
بين القانون الدولي ومنطق الإمبراطورية
وفق القانون الدولي، لا مجال لضم الأراضي بالقوة، ولا شرعية لأي تدخل عسكري خارج الدفاع عن النفس.
لكن التاريخ الحديث يقول شيئًا آخر:
حين تتقدم المصالح الاستراتيجية، يتراجع القانون خطوة إلى الخلف.
وحين تُصنَّف منطقة ما كـ“حيوية للأمن القومي”، تصبح القواعد أكثر مرونة.
غرينلاند اليوم تقف عند هذا الخط الفاصل: إما أن تبقى نموذجًا لاحترام السيادة في عالم مضطرب،
أو تتحول إلى سابقة خطيرة تعيد فتح أبواب الصراعات الجغرافية المغلقة منذ نهاية الحرب الباردة.
خاتمة: غرينلاند ليست جزيرة… بل اختبار عالمي
ما يحدث ليس صراعًا على جزيرة جليدية، بل اختبار لطبيعة النظام الدولي القادم:
هل يحكمه القانون أم القوة؟
الشراكات أم الإملاءات؟
احترام الهويات الصغيرة أم سحقها باسم الأمن القومي؟
غرينلاند اليوم تقف في عين العاصفة،
وما يُقال عنها في واشنطن، وما يُلمَّح إليه خلف الأبواب المغلقة،
قد يحدد شكل العالم في العقد القادم أكثر مما تفعل الحروب المشتعلة في مناطق أخرى.
فحين يتحرك الجليد سياسيًا… لا يبقى شيء ثابتًا.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا