بحث سياسي تحليلي استراتيجي
ابو بكر ابن الاعظمية.
مقدمة: حين تتحوّل الضربة إلى رسالة
ما جرى صباح اليوم في محيط فنزويلا لا يمكن قراءته كحدث أمني عابر أو تصعيد عسكري محدود. نحن أمام فعل سياسي مركّب، صُمّم ليكون رسالة أكثر منه معركة، وتحذيرًا أكثر منه حربًا. الضربة – أياً كان شكلها – جاءت لتقول إن زمن “الساحات البعيدة الآمنة” قد انتهى، وإن الكاريبي لم يعد هامشًا في الجغرافيا السياسية، بل صار ساحة اختبار كبرى لإعادة توزيع النفوذ العالمي.
أولًا: فنزويلا مادورو… دولة تحت الاختبار لا تحت السقوط
يقف نظام نيكولاس مادورو اليوم أمام أخطر لحظة سياسية منذ سنوات. ليست لحظة انهيار، بل لحظة كشف.
الكشف هنا لا يطال قدرات الجيش أو تماسك السلطة فقط، بل يطال شبكة التحالفات التي بُنيت على المقايضة لا على الثقة، وعلى المصالح الظرفية لا على الالتزامات الطويلة.
مادورو لم يُستهدف لأنه ضعيف فقط، بل لأنه تحوّل إلى عقدة ربط بين خصوم واشنطن في أكثر من قارة.
ثانيًا: حلفاء مادورو… شبكة مصالح عابرة للقارات
1️روسيا: الطاقة مقابل الحضور
قدّمت روسيا دعمًا ماليًا وتعاونًا عسكريًا محدودًا (مستشارون، تدريب، تنسيق) مقابل:
الوصول إلى الطاقة الفنزويلية
موطئ قدم استراتيجي في الخاصرة الأمريكية
لكن ما جرى صباح اليوم وجّه رسالة واضحة لموسكو:
الكلفة السياسية للحضور البعيد ترتفع، والعائد لم يعد مضمونًا.
2️الصين: استثمار طويل النفس بلا اشتباك
ضخّت الصين مليارات الدولارات في:
حقول النفط
مشاريع البنية التحتية
قروض سيادية مؤجلة السداد
الصين لا تُقاتل من أجل مادورو، لكنها لا تريد خسارة استثماراتها.
ولهذا، خرجت حتى اللحظة أقل المتضررين، مع احتفاظها بخيار إعادة التموضع بهدوء.
3️إيران: المسارات الرمادية تحت النار
العلاقة مع إيران تجاوزت السياسة إلى الأمن.
وفق تقارير وتحليلات متداولة:
طائرات مسيّرة
تدريب تقني
تبادل خبرات أمنية
مقابل ذلك، استُخدمت فنزويلا كمنصة بعيدة لتخفيف الضغط الجغرافي عن طهران.
4️السويداء السورية: الجغرافيا الاجتماعية في قلب السياسة
تُطرح السويداء بوصفها نموذجًا معقّدًا:
أكثر من 200 ألف من أبنائها يحملون الجنسية الفنزويلية
شبكات اقتصادية عابرة للحدود
اتهامات متداولة بارتباطات غير رسمية مع اقتصاد الظل
المهم هنا ليس الاتهام، بل النتيجة:
تحييد فنزويلا يعني خسارة واحدة من أغنى ساحات النفوذ غير المباشر لبعض الفاعلين.
5️الهند: المستفيد الحذر
تشتري الهند النفط الفنزويلي المخفّض لتكريره محليًا.
الهند لا تخوض معارك سياسية، لكنها:
تراقب
تشتري
وتنسحب إذا زادت المخاطر
ولهذا، تأثير ما جرى عليها اقتصادي تكتيكي لا استراتيجي.
ثالثًا: ماذا جرى صباح اليوم؟ قراءة دقيقة
ما حدث هو:
ضربة محدودة
ضغط أمني مركّز
إشارة ردع محسوبة
الهدف:
ليس إسقاط النظام
بل تفكيك الشبكة
ورفع كلفة استمرار التحالف مع مادورو
واشنطن اختارت أن تُربك، لا أن تُفجّر.
رابعًا: التأثيرات الإقليمية والدولية
? على فنزويلا
اهتزاز الثقة الاستثمارية
انكشاف العزلة
تضييق هوامش المناورة
النظام باقٍ… لكن أضعف
? على البحر الكاريبي
تحوّل البحر الكاريبي إلى:
ساحة أمنية
ممر مراقَب
نقطة تماس دولي
نهاية الكاريبي كمنطقة محايدة
? على الشرق الأوسط
تقليص المساحات البعيدة للحلفاء
ضرب فكرة “الملاذات الخارجية”
إعادة ربط الساحات ببعضها
من طهران إلى كراكاس… الخط أصبح واحدًا
خامسًا: من هو الخاسر؟ ومن الرابح؟
الخاسر الأكبر: نظام مادورو
ليس لأنه ضُرب، بل لأنه:
كُشف
وأُنهكت شبكة حلفائه
وتحول من أصل استراتيجي إلى عبء
خاسر غير مباشر: إيران
تقييد المسارات اللوجستية
تضييق الساحات البديلة
خاسر تكتيكي: روسيا
تشتيت إضافي
ضغط بلا مكاسب واضحة
الرابح الأكبر: الولايات المتحدة
ردع بلا حرب
رسالة متعددة الاتجاهات
إعادة ضبط ميزان الكاريبي
الرابح الهادئ: الصين
لم تُستهدف مباشرة
احتفظت بخيارات الانسحاب أو التفاوض
الخاتمة: الضربة التي لم تُسقط نظامًا لكنها أسقطت أوهامًا
ما جرى صباح اليوم ليس نهاية مادورو، بل نهاية مرحلة.
مرحلة كان يُعتقد فيها أن الجغرافيا تحمي، وأن البعد يمنح الأمان، وأن التحالفات الرمادية بلا ثمن.
الخاسر الحقيقي ليس من تلقّى الضربة، بل من أدرك متأخرًا أن دوره انتهى.
المصدر:
الحدث