في العراقِ، لا تنفصلُ الاحداثُ الاجتماعيةُ عن السياسةِ، فحتى وان كان الحدثُ والنقاشُ حوله اجتماعيا صرفا، الا انه غالبا ما يكونُ الانقسامُ حوله تقفُ خلفه تأثيراتٌ سياسية ٌ، ولأن عامَ الفين وخمسةٍ وعشرين كان مليئا بالانقسامِ السياسي بامتياز، لذلك ليس من الغريبِ ان تتصاعدَ الاحداثُ المسببةُ للانقسامِ المجتمعي والتي لم تكن احداثا محلية ً فحسب بل إقليميةٌ أيضا، خصوصا مع اختلافِ خريطةِ النفوذِ في الشرقِ الأوسطِ وانعكاسِه على الإصطفافاتِ الداخليةِ في
العراق ، وتتمظهرُ قصصُ الانقسامِ المجتمعي على قضايا مجتمعيةٍ لاسبابٍ سياسيةٍ، باشكالٍ مختلفةٍ، تارةً من خلالِ التفاعلِ مع او ضد قضيةٍ مجتمعيةٍ، طبقا لنوعِ اصطفافِ الدولةِ مع هذه القضيةِ او ضدها، واحيانا يأتي الانقسامُ وفقا لمدى ارتباطِ القضيةِ المجتمعيةِ هذه بتحديدِ المذنبِ والضحيةِ وفقا للخلفياتِ العقائديةِ او الهويات.
الدكتورة بان.. ظاهرة انعدام الثقة بين المجتمع والدولة
واحدةٌ من ابرزِ القضايا التي شكلت انقساما مجتمعيا كبيرا في العراق انخرطت فيها مختلفُ الأوساطِ من القضاءِ والأجهزةِ الأمنيةِ والاوساطِ السياسيةِ نزولا لأقلِّ عنصرٍ في الهرمِ المجتمعي، والتي تمثلت بقضيةِ الدكتورةِ بان، التي كانت ايقونة َ الانقسامِ المجتمعي عامَ الفين وخمسةٍ وعشرين في العراقِ منذ ان عُثرَ على جثتِها في المنزلِ وصولا الى اخرِ تقريرٍ قضائيٍ بشأنِها، فقضيةُ الدكتورة بدأت بالعثورِ عليها متوفية ً داخل غرفتِها مع جروحٍ وكدماتٍ على جسدِها، لتصدرَ السلطاتُ المحلية ُ في
البصرة روايتَها الأولى بوصفِ الحالةِ بانها انتحارٌ، لكن التفاصيلَ الثانويةَ التي رافقت العمليةَ والتي اضافت مسحة ً درامية ً اكبرَ على الحادثةِ مثلَ كتابةِ عبارةِ "اريد الله" على بابِ
الحمام في غرفتِها باستخدامِ دمائِها، وكذلك مهنتِها بوصفِها طبيبة ً نفسية ً وما تحدث عنه زملاؤُها بانها تساعدُ الاخرين وتعيشُ حياة ً سعيدةً نسبيًا وناجحةٌ في عملِها، جميعُها جعلت من روايةِ الانتحارِ محط شكوكٍ، وكشفت عن انعدامِ ثقةٍ كاملٍ بين المواطنين والروايةِ الرسميةِ للدولةِ، قبل ان تؤكدَ التقاريرُ والتحقيقاتُ العلنية ُ ان الدكتورة بان ماتت منتحرة ً، الا انه حتى الان هناك مئاتُ الالافِ ربما لايصدقون بهذه الروايةِ، والذين دخلوا بمواجهةٍ مباشرةٍ مع سياسيين وكذلك مع مئاتِ الالافِ من المواطنين الذين عارضوا فكرةَ كونِها مقتولة ً وصدقوا بالروايةِ الرسمية.
المهندس بشير.. التفاصيل الدرامية تثير الشغف والشكوك
بالطريقةِ ذاتِها، كانت قضية ُ المهندس بشير عاملا للانقسامِ المجتمعي بين مصدقٍ بالروايةِ الحكوميةِ واخرين يشككون بها، وكان من أسبابِ هذا الانقسامِ أيضا وجودُ حلقاتٍ مفقودةٍ ومسحةٍ دراميةٍ أيضا في هذه الحادثةِ، عندما تم اعتقالُ المهندس بشير قالت السلطاتُ الأمنيةُ انه قفز من فوقِ سياجِ مجمعٍ سكنيٍ خلال ساعاتِ الفجر في احدِ أيامِ رمضان، واتجه الى منزلِ ضابطٍ، ثم حدثت مشاداتٌ كلاميةٌ بينهم وتم اعتقالُ المهندس بشير، ليتمَ الإعلانُ عن وفاتِه لاحقا في احدِ المستشفيات، وحينها أثيرت الاتهاماتُ تجاه وزارةِ الداخلية وعناصرِها باتهامِهم بقتلِ المهندس بشير تحت التعذيب، الا ان وزارةَ الداخليةِ دخلت في مواجهةٍ طويلةٍ مع المواطنين واضطرت لنشرِ مقاطعِ فيديو من الكاميراتِ الداخليةِ للسجون والتي اثبتت تعرضَ المهندس بشير لاعتداءٍ بالضربِ من قبلِ السجناءِ، لكن الغضبَ الشعبي كان ضد الداخليةِ لان لغةَ البياناتِ التي استخدمتها وموقفَها كان يبدو وكانه متحاملٌ تجاه الضحيةِ وتحميلِه مسؤوليةَ حتى الاعتداءاتِ التي تعرض اليها، غير ان الحقائقَ اشارت بوضوحٍ الى وجودِ حالاتِ ضربٍ واعتداءٍ عليه من قبلِ عائلةِ الضابط في المجمعِ السكني وكذلك في مركزِ التوقيفِ ثم في السجن، لتكونَ الاعتداءاتُ على الضحيةِ بمثابةِ سلسلةٍ مرتبطة.
الطائفية المستدامة.. بين علي نعيم وعودة رافع الرفاعي وصعود الشرع
كانت للانقساماتِ الطائفيةِ حصةُ الأسد في المشهدِ المجتمعي العراقي خلال الفين وخمسةٍ وعشرين ، متأثرا بمتغيراتِ المنطقةِ مثل اندلاعِ الحربِ الإيرانيةِ مع الكيانِ الصهيوني في اولِ مواجهةٍ علنيةٍ تاريخيةٍ بين الطرفين، وكذلك اثار سقوطُ بشارِ الأسد وصعودُ تيارٍ جهاديٍ سابقٍ او فرضُ "حكمِ الأغلبيةِ السنية" في
سوريا مقابلَ حكمِ الأغلبيةِ الشيعيةِ في العراقِ، فجميعُ هذه القضايا تسببت بتصاعدِ الانقسامِ الطائفي حول هذه القضايا، وتمظهرت هذه الاثارُ بوضوحٍ في قضيةِ الشاعر علي نعيم الذي تسبب بغضبٍ شعبي ومؤسساتٍ حكوميةٍ ودينيةٍ بعد القائِه ابياتا مسيئة ً لصحابةِ
الرسول ، وكذلك تمظهر الانقسامُ الطائفي بشكلٍ كبيرٍ على لسانِ المحللين السياسيين المرتبطين بدوائرَ سياسيةٍ معينةٍ، كما ان حادثةَ عودةِ رافع الرفاعي الى العراق زادت من النقاشِ الطائفي.
ِ
النار والماء.. أثر سياسي لحريق الكوت والتعداد السكاني وأزمة المياه
وضمن سياقِ "عدمِ الثقةِ بالدولة"، كان حريقُ هايبر ماركت الكوت، مناسبةً جديدةً لمواجهةٍ مباشرةٍ بين المواطنين والسلطاتِ الحكوميةِ المحليةِ والمركزيةِ أولا، ثم تحولت القضيةُ الى مواجهةٍ سياسيةٍ صريحةٍ بين تياراتٍ سياسيةٍ مختلفةٍ، بينما كانت بعضُ العوائلِ لاتزالُ تبحثُ عن الرمادِ المتبقي من ذويها فالنيرانُ الهائلةُ التي اشتعلت في مركزِ التسوق هذا في مدينةِ الكوت بمحافظةِ
واسط انهت حياةَ اكثرَ من ستين شخصا، فضلا عن فقدانِ عدةِ اشخاصٍ، وكذلك كانت ازمة ُ المياهِ مسيطرةً على النقاشِ العامِ في العراقِ وانتقادِ سياسةِ الدولةِ تجاه دولِ الجوارِ ولاسيما سوريا، كما كان اجراءُ التعدادِ السكاني لأولِ مرةٍ منذ سبعةٍ وثلاثين عاما، واحدا من ابرزِ الاحداثِ التي سيطرت على اهتمامِ المجتمعِ العراقي خلال الفين وخمسةٍ وعشرين ، والذي لم يخلُ من الانقسامِ والنقاشِ الطائفي والمناطقي، خصوصا مع ما كشفه التعدادُ من ارقامٍ مختلفةٍ عن الاعتقادِ العامِ بشأنِ عددِ سكانِ بعضِ المحافظاتِ والمناطقِ، مثل مدينةِ
الصدر التي تبين ان عددَ سكانِها اقلُّ من مليونِ نسمةٍ وليس خمسةَ ملايينِ نسمةٍ كما كان شائعا.