رؤساء أجهزة المخابرات الألمانية الثلاثة يأتون ويذهبون دون ترك أي أثر في الرأي العام أو صورا ملوّنة في الصحافة الصفراء. فهم يمارسون أنشطتهم بعيدا عن الأضواء ويتجنبون الظهور أمام الكاميرات وعندما ينجحون في تنفيذ عملية ما، يتركون الإعلان عن إنجازاتهم لمسؤولين "يعيشون من السياسة وليس من أجلها" على حد تعبير عالم الاجتماع الألماني المعروف، ماكس فيبر.

بطل هذه القصة، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الألمانية الخارجية "بي إن دي" (BND)، أوغست هاننغ يختلف عن غيره من المخبرين السريين. فالرجل الذي وصل إلى خريف عمره واعتقلته السلطات الألمانية قبل أيام بتهمة التجسس والخيانة العظمى بقي بعد مغادرته منصبه في عام 2005 "مفيدا ومرحبا بتقديم معلومات قيّمة ولكن بشرط تقديم هذه المعلومات خلف الكواليس ولأشخاص يحظون بثقته" كما يقول أحد المقربين منه للجزيرة نت.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 “ألا تقولين الله أكبر الآن؟”.. شهادات تثير أسئلة عن عنف شرطة فرنسا
* list 2 of 2 إندبندنت: ترمب يخصص الملايين تحسبا لتحقيقات مع عائلته end of list

ووفق المراقب الذي فضل عدم الكشف عن هويته، فإن اللقاءات التي كانت تنظم مع هاننغ في حلقات ضيقة وتقتصر على مشاركة أهل الاختصاص، كانت "تساعدنا على فهم الصورة كاملة وتفتح أعيننا على حقائق لا يعرفها كثيرون" وذلك كله "دون مقابل".

وحول عملية الاعتقال التي ما زالت تتصدر افتتاحيات كبرى الصحف الألمانية، قال المراقب إن "ما يثير استغرابي هي الاتهامات المتعجلة والأحكام المسبقة التي وجهها بعض السياسيين ووسائل الإعلام لهاننغ، وتساءل "من أين تأتي المعرفة المسبقة لبعض وسائل الإعلام بعملية الاعتقال؟ وكيف عرف تلفزيون "شبيغل تي في" (Spiegel TV) بالعملية وكيف ولماذا تمكن من نقل أحداثها على الهواء مباشرة؟" وماذا نستنتج من ذلك؟".

المصادفة

بداية الخيط في قضية اعتقال هاننغ التي تتصدر منذ أيام عناوين الصحف الألمانية كانت في سبتمبر/أيلول من عام 2025، عندما فاجأت النيابة العامة الألمانية بمدينة هامبورغ الرأي العام بالإعلان عن تفتيش الشرطة 8 شقق سكنية ومكاتب للرئيس السابق للاستخبارات.

إعلان

في هذا الوقت، كانت ألمانيا منشغلة بمتابعة أخبار عملية اختطاف طفلين تنطبق عليها جميع شروط القصة البوليسية. ويدور الحديث هنا عن اتهامات وجهتها السلطات الألمانية لكريستينا بلوك، وريثة سلسلة المطاعم الشهيرة "بلوك هاوس" ولشريك حياتها غيرهارد ديلنغ الذي يعد من أبرز وجوه القناة التلفزيونية الألمانية الأولى "إيه آر دي" (ARD)، بتوكيل مخبرين سابقين في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الخارجي " الموساد" بتنفيذ عملية اختطاف الطفلين من بيت والدهما وزوج كريستينا بلوك السابق في الدانمارك ونقلهما إلى أمهما (كريستينا بلوك) في هامبورغ بشمال ألمانيا.

epa13287111 Vehicles leave the Federal Court of Justice in Karlsruhe, Germany, 07 October 2026. The court is scheduled to hold a hearing on the pretrial detention of former Federal Intelligence Service (BND) president August Hanning, who headed the agency from 1998 to 2005 and is suspected of treasonous espionage, obtaining state secrets and attempted treason. EPA/ANNA SZILAGYI مصدر الصورة سيارات للشرطة الألمانية تغادر المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه بألمانيا، بالتزامن مع جلسة للنظر في الحبس الاحتياطي لهانِنغ، المشتبه في تورطه بالتجسس والخيانة (الإسبانية)

وفق النيابة العامة، نفذت الشرطة عملية تفتيش شقق هاننغ ومكاتبه آنذاك بحثا عن أدلة مرتبطة بقضية "بلوك" وتحديدا عن دلائل تشير إلى احتمال ضلوع هاننغ في عملية الاختطاف، لكن يبدو أن المحققين عثروا خلال التفتيش على أدلة تتعلق بقضية أكبر بكثير من قضية "بلوك".

يشار هنا إلى أن السلطات الألمانية تتحدث عن واقعتي اختطاف منفصلتين، الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 عندما قالت النيابة إنها كانت محاولة اختطاف فاشلة للطفلين والثانية حدثت ليلة رأس السنة، بين 31 ديسمبر/كانون الأول 2023 و1 يناير/كانون الثاني 2024، حين اختطف الطفلان فعلا من بيت والدهما في جنوب الدانمارك على يد أشخاص قيل إن الأم وشريك حياتها أوكلوا لهم مهمة الاختطاف.

وما علاقة هاننغ؟

وتحقق السلطات الألمانية في تهم موجهة لكريستينا بلوك بدفع أكثر من 100 ألف يورو لهاننغ وشريكه وهو موظف متقاعد من المكتب الجنائي لولاية هامبورغ مقابل إعادة طفليها من الدانمارك إلى هامبورغ، كما يتهم هاننغ بأنه خطط لتشويه سمعة والد الطفلين ومحاميه عبر توجيه اتهامات كاذبة إليهما تتعلق بالاعتداء الجنسي على الأطفال.

ووفق الثلاثي الصحفي الاستقصائي "إن دي آر، دبليو دي آر، زوددويتشه تسايتونغ" (NDR WDR Süddeutsche) تتهم النيابة العامة هاننغ بوضع قرص مدمج يحتوي على أكثر من 500 صورة إباحية لأطفال و64 فيديو في أرض تعود لوالد الطفلين في الدانمارك، وذلك في سبتمبر/أيلول 2023 وفي إطار تشويه سمعة الأب.

BERLIN, GERMANY - DECEMBER 9: Christina Block and Gerhard Delling attend the Ein Herz Fuer Kinder Gala 2023 at Studio Berlin Adlershof on December 9, 2023 in Berlin, Germany. (Photo by Gerald Matzka/Getty Images) مصدر الصورة بلوك وشريك حياتها نجم التلفزيون الألماني غيرهارد ديلنغ المتهمان بإعطاء الأوامر لتدبير عملية اختطاف الطفلين (غيتي)

وفي ضوء الاتهامات، يبدو أن تصرفات هاننغ خلال محاكمة "بلوك" لفتت الانتباه، فقد استدعي في البداية للإدلاء بأقواله في المحكمة، لكنه تراجع عن ذلك قبل وقت قصير من الموعد المحدد لشهادته في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، ولاحقا، استند إلى حقه في الامتناع عن تقديم معلومات قد تدينه، وهو حق منصوص عليه في المادة 55 من القانون الجنائي الألماني.

ونظرا للتطورات اللاحقة، يبدو أن هاننغ حاول بكل الوسائل منع أي تطورات في محاكمة "بلوك" يمكن أن تستخدم ضده.

مخبر سري

وفي إحدى جلسات المحكمة في ربيع عام 2025 كشفت النيابة العامة عن زرع مخبر سري داخل شركة أمنية يملكها هاننغ أو يعمل فيها، علما أن القوانين الألمانية تحظر استخدام السلطات الألمانية مخبرين سريين إلا عند الاشتباه في ارتكاب جرائم خطيرة.

إعلان

ويبدو أن النيابة العامة استندت في التهم الموجهة لرئيس الاستخبارات السابق إلى المعلومات التي حصل عليها المخبر السري الذي زرعته في مكتب هاننغ.

2000 وثيقة

إضافة إلى التهم الموجه لهاننغ بخصوص الضلوع في اختطاف الطفلين، تتهم النيابة العامة المسؤول الاستخباراتي السابق بالاتفاق في عام 2010 مع مانفريد (د) الذي اعتقل أيضا قبل أيام على أن يواصل الأخير الحصول على معلومات قيمة من جهاز الاستخبارات الخارجية وتسليمها إلى هاننغ مقابل أموال.

وتشير التحقيقات إلى أن مانفريد (د) قدم لهاننغ على مدى سنوات ما يقارب 2000 وثيقة ومعلومة، احتوت بعضها على معلومات سرية مخصصة حصرا للاستخدام الداخلي في جهاز الاستخبارات، ولا سيما للإحاطات الاستخباراتية التنفيذية.

وتشتبه النيابة العامة الاتحادية في أن هاننغ استغل هذه المعلومات لتحقيق أرباح ومكاسب تجارية في إطار نشاطه كمستشار أمني.

هاننغ وحرب العراق

رجوعا إلى النصيحة التي قدمها لنا المراقب المقرب من هاننغ في بداية التقرير بالبحث عن الجهات المستفيدة من اعتقاله وأسباب اعتقاله الآن، لا بد من الإشارة إلى دور المسؤول في حرب العراق الثالثة.

فلو أراد أحد في السابق تقديم هاننغ للمحاكمة، لكان هناك سبب أقوى من قضية الوثائق البالغ عددها 2000 وثيقة والمقصود هنا التقرير الذي قدمه هاننغ في عام 2003 لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية واستندت إليه الحكومة الأمريكية في تبرير حرب العراق التي أدت إلى مقتل مليون شخص بحسب بعض التقديرات.

U.S. President George W. Bush, left, has a word with Secretary of State Colin Powell during opening remarks at the NATO summit in Istanbul, Turkey, Monday, June 28, 2004. (AP Photo/Charles Dharapak) مصدر الصورة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن يتحدث مع وزير خارجيته كولن باول. المصدر: (أسوشيتد برس)

ففي عام 1999 لجأ إلى ألمانيا مواطن عراقي يدعى رفعت الجنابي، وهو الذي عرف في الأوساط الاستخباراتية الألمانية باسم "كيرفبول" (Curveball)، وأدلى بمعلومات تفيد بامتلاك العراق مختبرات متنقلة لإنتاج الأسلحة البيولوجية.

في هذه الفترة كان هاننغ قد أمضى عاما كاملا على رأس الاستخبارات الألمانية، ويقال إنه استجوب الجنابي شخصيا، علما أن هذه المعلومة غير مؤكدة لأن هاننغ ذكر في جلسة أمام لجنة تحقيق برلمانية أن التفاصيل الدقيقة للاستجوابات لم تكن ضمن معرفته الشخصية المباشرة.

بقية قصة الجنابي معروفة، ففي مقابلة مع الصحيفة البريطانية غارديان اعترف الجنابي عام 2011 بالكذب، وقال صراحة إنه أراد من خلال أقواله للاستخبارات الألمانية المساهمة في إسقاط نظام صدام حسين.

اللافت هنا هو الاختلاف الجوهري بين النسختين الألمانية والإنجليزية في ويكيبيديا حول المعلومات التي قدمها هاننغ للأمريكيين.


* النسخة الأمريكية: في ديسمبر/كانون الأول عام 2002 كتب أوغست هاننغ رسالة إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جورج تينيت، ذكر فيها أن الادعاءات التي قدمها المصدر الاستخباراتي المعروف باسم "كيرفبول" بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل قد "قُيّمت بأنها معقولة ومقنعة".
* النسخة الألمانية: في ديسمبر/كانون الأول عام 2002، كتب أغوست هاننغ رسالة إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جورج تينيت، ذكر فيها أن المعلومات التي قدمها المخبر المعروف باسم "كيرفبول" بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل "لم يكن بالإمكان تأكيد صحتها".

وبينما تحاول النسخة الألمانية الإيحاء بأن هاننغ قلّل من مصداقية أقوال "كيرفبول"، تشير النسخة الأمريكية إلى أنه اعتبر هذه المعلومات معقولة ومقنعة، علما بأن النسختين تستندان إلى مقال واحد نشر في مجلة "دير شبيغل" الألمانية عام 2008 وبأن مقال "دير شبيغل" باللغة الألمانية لم يعد موجودا في حين يمكن العثور على المقال ذاته باللغة الإنجليزية.

هاننغ و"الأصدقاء" الإسرائيليين

إن الحديث عن "الصداقات"ـ بحسب هاننغ ـ التي كانت تربطه مع إسرائيليين مرتبط بشكل مباشر مع قضبة اختطاف طفلي كريستينا بلوك من الدنمارك. فهو متهم بتدبير الاتصال الأول بين بلوك ومخبرين سابقين في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "موساد" وتحديدا بينها وبين شركة الأمن السيبراني "سايبر كوبولا".

إعلان

ولكن علاقته مع أوساط أمنية إسرائيلية أقدم من اختطاف الطفلين. ففي يوليو/تموز عام 2021، انضم هاننغ إلى المجلس الاستشاري لمجموعة "وورلد هيلث إنيرجي هولدينغز" (World Health Energy Holdings) "فين" الإسرائيلية وهي شركة خاصة تعمل في مجال الأمن السيبراني، ويرأسها داني ياتوم، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي "الموساد".

ولا يخفي المسؤول السابق علاقات الصداقة التي تربطه بأوساط استخباراتية إسرائيلية، فقد قال هو نفسه في عام 2021 لصحيفة "جيروزالم بوست" إنه أقام على مدى سنوات "علاقات عمل وثيقة للغاية، بل صداقات أيضا" مع أفراد من الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية.

فهل لهذه الصداقات علاقة باتهامات توجهها السلطات الألمانية لمخبرين سابقين في جهاز الموساد باختطاف طفلي وريثة سلسلة المطاعم، كريستينا بلوك؟

ويعد ديفيد باركاي، العميل السابق للموساد من أبرز الأشخاص الذين تتردد أسماؤهم في التحقيقات. وتشتبه السلطات الألمانية في أنه كان الشخصية المحورية التي أدارت فريق الأمن الإسرائيلي المتورط في عملية اختطاف الطفلين ونقلهما إلى ألمانيا. وقد أدلى بشهادته في المحاكمة وقال إنه اعتقد أن العملية قانونية، ونفى أن تكون عملية اختطاف بالمعنى الذي تتحدث عنه النيابة العامة الألمانية.

وبحسب المحكمة، اعترف باركاي في يونيو/حزيران عام 2026 بأنه عمل سابقا في الموساد وقال حرفيا إنه يؤكد أنه كان في الماضي ضمن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.

وبحسب أقوال شاهد آخر، كان باركاي قد خدم سابقا جنديا محترفا في القوات الخاصة الإسرائيلية، ثم شغل لاحقا منصب رئيس قسم في "الموساد".

أما كيرين تيننباوم المعروفة أيضا باسم "أولغا"، فقد عملت في شركة الأمن الإسرائيلية المشار إليها ويشتبه في مشاركتها في العملية، بما في ذلك المساعدة في تنظيم جوازات السفر المزورة وتذاكر السفر. وتصفها تقارير بأنها كانت من المقربين إلى باركاي.

وتذكر التحقيقات كذلك اسم يعقوب بيري الذي كان رئيسا سابقا لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "شاباك" وورد اسمه في تقارير عن صلات مزعومة بين مسؤولين إسرائيليين سابقين وشركة الأمن المرتبطة بالقضية. لكن شركة "سي جي آي" التي يرأسها نفت أي علاقة لها بالاختطاف.

Judge Isabel Hildebrandt (2nd,R), faces defendant, German entrepreneur and gastronome Christina Block and her lawyer Ingo Bott prior to the continuation of the trial over alleged child abduction at the Criminal Court building in Hamburg, northern Germany, on October 5, 2026. مصدر الصورة كريستينا بلوك ومحاميها إنغو بوت قبيل استئناف محاكمتها في هامبورغ في أكتوبر الماضي. (الفرنسية)

وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي جمعت أوغست هاننغ بشخصيات من الأوساط الاستخباراتية الإسرائيلية وحول الدور الذي ربما أدته هذه العلاقات في ربط كريستينا بلوك بشركة الأمن الإسرائيلية المتهمة بتنفيذ عملية الاختطاف.

من خلال هذه المعطيات، من حرب العراق إلى الوثائق السرية المسربة، وصولا إلى قضية اختطاف طفلي كريستينا بلوك، يجد أوغست هاننغ نفسه في قلب قضايا شديدة الحساسية تتجاوز حدود ألمانيا. صحيح أن هذه الملفات مختلفة في طبيعتها وأهدافها، إلا أنها تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي حافظ عليها رئيس الاستخبارات الألمانية السابق بعد مغادرته منصبه.