كاتس والضفة.. ردع أم خطة إنهاء؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يدفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الضفة الغربية إلى قلب الخطاب الأمني الإسرائيلي مجددا، بعدما أعلن أن الجيش يملك خطة مصادقا عليها لحرب شاملة على السلطة الفلسطينية، إذا "قلبت أجهزتها الأمنية البنادق" نحو إسرائيل، تشمل الاغتيال والهدم وإخلاء السكان والبقاء في المناطق التي تخليها القوات.
لكن تهديد كاتس يأتي وسط سياسة أوسع تنفذها حكومة بنيامين نتنياهو على الأرض، وهي إضعاف السلطة اقتصاديا، وتوسيع المستوطنات، ونقل صلاحيات مدنية إلى الإدارة الإسرائيلية، وتزايد عنف المستوطنين، في حين يدعو بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير علنا إلى إنهاء أوسلو وتفكيك السلطة وفرض السيادة الإسرائيلية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 هل تمهد حكومة الهند لإقصاء ملايين المسلمين من الانتخابات؟
* list 2 of 2 تحذير قبل 3 عقود.. كيف رصد ملياردير بريطاني انحراف إبستين end of list
وعرض كاتس في جلسة الحكومة يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ما سماه "السيناريو المرجعي" للضفة المتمثل في هجوم تنفذه جهات "جهادية" على المستوطنين والجيش، بالتوازي مع احتمال "انقلاب البنادق" -من أجهزة السلطة وفتح و"التنظيم"- على الإسرائيليين.
مصدر الصورة
ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن كاتس قوله إن وقوع ذلك سيقود إلى إعلان الحرب على السلطة وبدء هجوم شامل وفق خطة منظمة، إلا أن الصيغة التي وضعها كاتس توسع كثيرا عتبة الانتقال إلى الحرب، لأنها لا تشترط بدء الهجوم فعليا، بل تشمل أيضا حالة تقول فيها إسرائيل إنها "تعرف بشكل مؤكد" أن الأجهزة الفلسطينية تستعد له.
وفي تصريحات سابقة لكاتس، نقل عنه موقع "والا" في سبتمبر/أيلول الماضي قوله إن الحرب قد تشمل قتل المسلحين واغتيال القيادات، وإخلاء سكان المدن والقرى التي تنطلق منها العمليات، وتدمير البنى التحتية، وبقاء الجيش في المناطق التي أخليت، والأهم العمل "بالضبط كما فعلنا في مناطق الأمن في غزة ولبنان"، وفي مخيمات جنين وشمال الضفة.
وهكذا لا يقدم كاتس مجرد خطة لملاحقة خلايا مسلحة، بل نموذجا يسمح بتحويل المواجهة مع أفراد أو أجهزة إلى حملة عسكرية تعيد رسم السيطرة على مناطق فلسطينية بكاملها.
مفارقة أمنية
غير أن التوقيت يكشف مفارقة يصعب تجاهلها، فالمعطيات الإسرائيلية نفسها تظهر انخفاضا حادا في العمليات الفلسطينية، بالتزامن مع ارتفاع كبير في عنف المستوطنين.
فقد كتب ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان، في "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 31 يوليو/تموز 2026 أن الضفة كانت تمر بإحدى أكثر فتراتها استقرارا أمنيا، حيث انخفض عدد القتلى الإسرائيليين في العمليات بالضفة من 41 عام 2023 إلى 35 عام 2024 ثم 20 عام 2025، وإلى 4 فقط حتى نهاية يوليو/تموز 2026.
كما تراجعت العمليات التي يصنفها الشاباك "كبيرة" من 6 في مارس/آذار إلى 4 في أبريل/نيسان ثم عمليتين فقط في كل من مايو/أيار ويونيو/حزيران.
وفي الاتجاه المعاكس، سجل النصف الأول من 2026، وفق الأرقام التي أوردها ميلشتاين، 660 حادثة "جريمة قومية" يهودية (إرهاب استيطاني) في الضفة مقابل 405 حوادث خلال النصف الثاني من 2025، وبحلول 26 أغسطس/آب تحدثت "يديعوت أحرونوت" عن أكثر من 800 حادثة منذ بداية العام، وسط تحذيرات عسكرية من محاولات متعمدة لخلق احتكاك في منطقتي "أ" و"ب".
كما نقلت "هآرتس" عن مسؤولين عسكريين تحذيرهم من تزايد احتمال تنظيم فلسطينيين مسلحين أنفسهم للرد على المستوطنين، في حين تحدث المحلل العسكري عاموس هرئيل عن توتر بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير على خلفية عنف المستوطنين، وشكوك داخل الجيش من انجراف الضفة إلى تصعيد جديد.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحا هنا، فبينما يركز كاتس على خطر افتراضي عنوانه "انقلاب البنادق"، تحذر المؤسسة العسكرية في الوقت نفسه من عامل احتكاك قائم ومتنامٍ يتمثل في عنف المستوطنين.
تفكيك السلطة
ولا ينفصل خطاب كاتس عن المشروع السياسي الذي يدفع به وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش.
فقد خلص أودي ديكل وتامي كنر من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 19 أبريل/نيسان 2026 إلى أن سياسة الحكومة تتضمن إجراءات تستهدف إضعاف السلطة و"تقويض مكانتها" وصولا إلى خطر انهيارها، رغم أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعتبرها الجهة الفلسطينية القادرة على ضبط النظام ومواجهة حركة المقومة الإسلامية ( حماس) والتنسيق مع الجيش.
مصدر الصورة
وفي يونيو/حزيران، أعلن سموتريتش "إلغاء اتفاق الخليل" في ما يتعلق بصلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة الخاضعة للترتيبات الخاصة بالاتفاق، قائلا إن الخطوة تأتي ضمن تعميق السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، واضطرت وزارة الخارجية الإسرائيلية لاحقا إلى التوضيح بالإنجليزية أن الاتفاق نفسه "لم يُلغ"، وأن القرار يتعلق بصلاحيات محددة، بما يكشف وجود فارق بين اندفاع سموتريتش وبين الحذر الدبلوماسي الرسمي.
كما دفعت عضوة الكنيست ليمور سون هار ميلخ من حزب " عوتسما يهوديت" بمشروع قانون لإلغاء اتفاقات أوسلو والخليل وواي ريفر بالكامل وإلغاء التشريعات التي نفذتها. وأعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تأييده للمشروع، قائلا إن "أوسلو مات". لكن نتنياهو طلب في 10 مايو/أيار تأجيل التصويت الحكومي عليه لإجراء "عمل طاقم شامل".
وهذا يعني أن إلغاء أوسلو رسميا لم يُحسم، لكن العمل على تفكيك أجزاء من النظام الذي أنشأته الاتفاقات يتقدم بالفعل.
خنق اقتصادي
ويظهر ذلك بوضوح في الاقتصاد، فقد وثق معهد الأمن القومي في يوليو/تموز أن السلطة كانت تحصل قبل الحرب على 11 إلى 12 مليار شيكل سنويا من أموال المقاصة، لكن ما وصل إليها انخفض إلى 4.4 مليارات عام 2024، ثم إلى نحو ملياري شيكل عام 2025، بينما تجاوزت الأموال التي احتجزتها إسرائيل في 2025 أربعة مليارات شيكل، ومنذ يونيو/حزيران 2025 توقفت السلطة، وفق الدراسة، عن تلقي أموال المقاصة بصورة فعلية.
مصدر الصورة
وأصبح المال أيضا أداة عقاب سياسي، فقد هدد سموتريتش سابقا بوقف كامل أموال المقاصة وسحب الحماية القانونية من البنوك الإسرائيلية التي تتعامل مع البنوك الفلسطينية ردا على التحركات الفلسطينية في المحاكم الدولية والاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية. وبعد خطوات الاعتراف الأوروبية، طالب بإجراءات تجعل السلطة تدفع ثمنا مباشرا للتحرك الدبلوماسي.
وتفاقمت الأزمة في صيف 2026 حين كشفت "غلوبس" أن بنكي هبوعليم وديسكونت يستعدان لوقف التحويلات مع البنوك الفلسطينية، ثم ذكرت في 12 أغسطس/آب أن تسعة بنوك فلسطينية وأردنية ومصرية ستُقطع عن التعاملات بالشيكل مع النظام الإسرائيلي. ولا تعود كل هذه الإجراءات إلى قرار حكومي مباشر، إذ يستند بعضها إلى مخاوف البنوك من المسؤولية القانونية، لكن تأخير الحلول الحكومية وقضية ضمان التعويض للبنوك ساهما في تضييق القناة المالية.
ضم متدرج
في المقابل، تتحرك الحكومة بسرعة في الاتجاه الآخر، فقد كشفت "يديعوت أحرونوت" في 14 يوليو/تموز عن قرارين سريين للمجلس السياسي والأمني" الكابينت": الأول يقضي بإنشاء 34 مستوطنة جديدة ضمن 104 مستوطنات أقرتها الحكومة، والثاني بتخصيص نحو 1.3 مليار شيكل لإقامة أحياء أولية فيها، بالتزامن مع مليارات إضافية للطرق والبنية التحتية.
كما وثق تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" في 11 أغسطس/آب، استنادا إلى معطيات حركة " السلام الآن"، إقامة 23 بؤرة استيطانية على الأقل داخل المنطقة "ب" خلال عامين ونصف، واستخدام أوامر استيلاء عسكرية داخل المنطقة "أ"، إلى جانب نقل صلاحيات من السلطة إلى الإدارة المدنية. ورد سموتريتش على التقرير باعتباره "شهادة إنجاز" للحكومة، وقال إن ما يسميه التقرير "ضمّا فعليا" تسميه حكومته إقامة "حزام الأمن الإسرائيلي".
مصدر الصورة
وتبرز منطقة "إي1" نموذجا لهذا المسار. فقد دفعت الحكومة بخطة تضم 3401 وحدة استيطانية بين القدس ومعاليه أدوميم، وهي منطقة يقر حتى الإعلام الإسرائيلي بأن البناء فيها يقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بين رام الله وبيت لحم. ووصف سموتريتش المشروع بأنه خطوة "تدفن فكرة الدولة الفلسطينية".
بذلك لا تنتظر عملية "قلب بنادق" لتغيير الواقع الجغرافي. فالاستيطان والطرق ونقل الصلاحيات والاختراق التدريجي للمناطق "أ" و"ب" تجري قبل تحقق السيناريو الأمني الذي يتحدث عنه كاتس.
نموذج غزة
وتلتقي تصريحات كاتس هنا مع خطاب شريكيه في اليمين، ففي 28 سبتمبر/أيلول 2026 قال سموتريتش في بودكاست "120 وواحدة" في موقع يديعوت أحرونوت إنه يجب "الخروج إلى حرب في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وتكرار ما فعلناه في غزة".
أما حزب بن غفير "عوتسما يهوديت"، فأبلغ "يديعوت أحرونوت" في عرضه لبرنامجه الانتخابي المنشور في 28 سبتمبر/أيلول أنه سيعمل على فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة، وتفكيك السلطة من ممتلكاتها وسلاحها، واستخدام أجهزة الدولة والأمن لتشجيع "الهجرة الطوعية" من الضفة وغزة. وفي المقابل أعلن حزب سموتريتش أن الحكومة أقرت 104 مستوطنات وأن هدفه هو السيادة الكاملة وجلب مئات آلاف المستوطنين الإضافيين.
وهنا يمكن الإجابة بدقة عن سؤال: ما المقصود في الضفة هل القتل أم التهجير على نموذج غزة؟
خطة كاتس المعلنة تتضمن كليهما ضمن سيناريو الحرب: استخدام القوة والاغتيالات وقتل المسلحين من جهة، وإخلاء سكان من مدن وقرى وهدم بنى وبقاء الجيش في الأرض المخلاة من جهة أخرى. أما الانتقال من "الإخلاء العسكري" إلى التهجير الدائم، فيظهر بصورة أوضح في البرنامج السياسي المعلن لحزب بن غفير وفي خطاب سموتريتش الداعي إلى تكرار نموذج غزة.
وهكذا تبدو عبارة "انقلاب البنادق" أقل أهمية بوصفها تقديرا استخباريا فوريا، وأكثر أهمية بوصفها الشرط السياسي الذي يمكن أن ينقل سياسة الضم التدريجي وإضعاف السلطة إلى مرحلة الحرب المفتوحة عليها. فالحكومة لا تحتاج إلى تلك الذريعة للاستيطان أو مصادرة الأرض أو حجز المال؛ وهي تفعل ذلك بالفعل. لكنها ستحتاج إلى حدث أمني كبير -أو إلى إنذار تقول إنه مؤكد- لتبرير تفكيك أجهزة السلطة واقتحام مدنها على نطاق واسع وإخلاء سكانها.
وبين تراجع العمليات الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين، وتفكيك أوسلو على الأرض، تصبح الخطورة أن تنتج السياسة الإسرائيلية نفسها البيئة التي تخشى منها الأجهزة الأمنية: انهيار السلطة واتساع الاحتكاك ثم إطلاق نار فلسطيني، ليصبح ما بدأ كـ"سيناريو مرجعي" المبررَ لتنفيذ الخطة التي يقول كاتس إنها جاهزة سلفا.