في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أحد مناحل البقاع الشمالي، لا تبدو الخلايا كما اعتادها محمد الحلاني في مواسم سابقة، يفتح النحّال غطاء الخلية ويتفقد البراويز واحدة تلو الأخرى، باحثا عن علامات الحياة والإنتاج، لكن ما يراه لا يبعث على الاطمئنان: أعداد قليلة من النحل، خلايا ضعيفة، عسل أقل من المعتاد.

بالنسبة إلى الحلاني، الذي يعتمد على تربية النحل مصدرا أساسيا لعيشه، لم يكن هذا الموسم عابرا، من نحو 120 خلية كان يملكها، خسر جزءا منها، فيما بقيت خلايا أخرى تكافح للاستمرار.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "مليون كتاب للبنان".. مبادرة تعيد الحياة إلى المكتبات التي دمرتها الحرب
* list 2 of 2 إصابة جنديين إسرائيليين بجروح وتواصل الغارات على جنوب لبنان end of list

يقول في حديثه للجزيرة نت إن 25 خلية كانت موجودة في أحد المواقع، نفقت منها 15، ولم يبق سوى 10 خلايا، بعضها لا يضم أكثر من 3 براويز. ومع اقتراب القطاف الخريفي، لا يعرف إن كانت هذه الخلايا ستتمكن من الصمود أو إنتاج ما يكفي من العسل.

وفي البقاع الشمالي، لا يبدأ موسم العسل عند فتح الخلية، بل قبل ذلك بكثير من البحث عن المرعى، ونقل القفران (الخلايا) بين المناطق، ومراقبة صحة النحل، ومواجهة الطقس والأمراض والمبيدات. وكل خلل في واحدة من هذه الحلقات ينعكس في النهاية على كمية العسل التي تصل إلى المستهلك.

مصدر الصورة تراجع القدرة الشرائية وضعف ثقة المستهلك يؤثران في تصريف إنتاج العسل (الجزيرة)

موسم بلا وفرة

يصف الحلاني إنتاج هذا العام بأنه ضعيف جدا، ويقدّر أنه لم يتجاوز ربع إنتاج الموسم الماضي، والمفارقة بالنسبة إليه أن الطبيعة بدت في ظاهرها أفضل: أمطار غزيرة خلال الشتاء والربيع، ومراعٍ يفترض أن تمنح النحل مصادر كافية من الرحيق، لكن ما يحدث داخل الخلية لا يطابق ما يبدو في الخارج.

ويفتح النحّال الخلية أسبوعا بعد آخر، ولا يجد التقدم الذي ينتظره: لا يتراكم العسل كما ينبغي، ولا تزداد قوة الطوائف بالوتيرة المعتادة، بينما تتراكم الخسائر على صاحب المنحل.

ويوضح الحلاني أن سعر كيلوغرام العسل كان يدور حول 30 دولارا، في حين بلغ السعر النقابي نحو 40 دولارا، لكن المشكلة الأساسية أن الإنتاج نفسه لم يعد كافيا.

إعلان

ولا تتوقف الخسارة عند انخفاض الإنتاج، فتكلفة نقل النحل بالشاحنات، بحسب تجربته، تضاعفت، فما كان يكلف نحو 100 دولار أصبح ثمنه 200، وما كان يبلغ 150 دولارا ارتفع إلى 300.

وهكذا يجد النحّال نفسه أمام معادلة صعبة: خلايا أقل قوة، إنتاج متراجع، وكلفة أعلى للوصول إلى موسم القطاف.

مصدر الصورة المبيدات الزراعية تهدد النحل السارح وتؤدي إلى نفوق أعداد منه (الجزيرة)

النحل في مرمى المبيدات

في موقع آخر، يضع محمد الأيوبي، الذي يعمل في تربية النحل منذ 15 عاما، يده على واحدة من أكثر المشكلات التي يواجهها القطاع: نحل سارح يغادر الخلية بحثا عن الرحيق وحبوب اللقاح، وقد لا يعود.

فالاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية، كما يقول للجزيرة نت، يهدد النحل الذي يفترض أن يعود إلى الخلية محملا بالغذاء اللازم لاستمرار الطائفة وإنتاج العسل.

ويشير إلى أن الخطر لا يأتي من المبيدات وحدها، فالمراعي نفسها تتغير، ولم تعد النباتات تزهر بالوتيرة أو في التوقيت نفسيهما كل عام، في ظل تقلبات مناخية تجعل النحّال غير قادر على الاعتماد على دورة ثابتة للمراعي.

وتحذر وزارة الزراعة اللبنانية من تأثير الجفاف وتغير الظروف المناخية في مصادر غذاء النحل، وتوصي بمراقبة صحة الخلايا واختيار المراعي المناسبة وزراعة النباتات العاسلة، كما تشدد على أهمية حماية المناحل من التلوث.

لكن المشكلة، بالنسبة إلى الأيوبي، أوسع من تغير المناخ والمراعي. فالأوضاع الأمنية دفعت النحّالين إلى تركيز مناحلهم في مناطق محددة وأكثر أمانا، حتى عندما تكون هناك مراع واسعة في مناطق أخرى.

وهذا التركيز يخلف ضغطا إضافيا حيث تتجمع أعداد كبيرة من النحل في بقع جغرافية محدودة، بينما تبقى مناطق أخرى خارج قدرة النحّالين على الوصول إليها.

مصدر الصورة النحّالون يخشون من وصول طفيلي تروبيلايلابس إلى لبنان وما قد يسببه من خسائر (الجزيرة)

أمراض تتقدم وأخرى تطرق الباب

داخل الخلية، يخوض النحّال معركة أخرى لا تُرى بالعين المجردة، فطفيلي الفاروا، أحد أبرز أعداء طوائف النحل، بات حاضرا في الحسابات اليومية للمهنة، مما يفرض على النحّال مراقبة خلاياه ومعالجة الإصابة قبل أن تتسع رقعتها وتنعكس على صحة الطائفة وإنتاجها.

لكن قائمة المخاطر قد لا تتوقف عند الفاروا، فبحسب الأيوبي، فتتجه أنظار النحّالين أيضا إلى طفيلي آخر يُعرف باسم "تروبيلايلابس" يعيش على حضنة النحل، ويمكنه التكاثر سريعا داخل الخلية، بما يجعله تهديدا محتملا للطوائف إذا تمكن من الانتشار.

وتزداد المخاوف من وصول هذه الآفة إلى لبنان مع الاشتباه بوجودها شمال شرقي تركيا، وهو ما يجعل الوقاية والمراقبة المبكرة أكثر أهمية بالنسبة إلى قطاع يعتمد على حركة النحل والمناحل وتبادل مستلزمات التربية بين المناطق والدول.

وفي مواجهة هذه المخاطر، يتجه الاهتمام في لبنان نحو تنظيم القطاع وتعزيز إجراءات الوقاية قبل أن تتحول الآفات الجديدة إلى مشكلة يصعب احتواؤها.

وفي مايو/أيار 2026، أقرت وزارة الزراعة إطارا جديدا لتنظيم قطاع تربية النحل، يتضمن تسجيل المربين، وتنظيم توزيع المناحل، ومراقبة استخدام المبيدات، إلى جانب تطبيق برامج جماعية لمكافحة الآفات.

إلى الشتاء

ومع انتهاء موسم القطاف، لا تنتهي رحلة النحّال، بل تبدأ مرحلة جديدة. وكان الأيوبي ينقل خلاياه في الشتاء من جرود البقاع إلى مناطق أكثر دفئا، خصوصا باتجاه الساحل، بحثا عن ظروف أفضل للنحل ومصادر غذاء متاحة خلال الأشهر الباردة. لكن الظروف الأمنية هذا العام تجعل هذا الخيار أكثر صعوبة ومخاطرة.

إعلان

لذلك، سيضطر النحّالون إلى إعادة حساب مواقع القفران، كما يعيدون حساب كلفة الدواء والنقل والغذاء والإنتاج.

أما الحلاني، الذي خسر جزءا كبيرا من منحله، فلا يجد كثيرا مما يمكن التعويل عليه لتعويض خسارته فـ"التعويض من الله" يقولها وهو يعرف أن الخلية التي فقدها ليست مجرد صندوق خشبي، إنها رأس مال ومصدر رزق وموسم كامل من العمل.

وفي بلد يعتمد فيه جزء من الزراعة على النحل ودوره في التلقيح، تصبح خسارة الخلايا أبعد من خسارة كيلوغرامات من العسل. إنها خسارة في منظومة بيئية وإنتاجية كاملة، يدافع النحّال عنها خلية خلية، وموسما بعد آخر.