لا يلبث الحجاب أن يختفي من دائرة النقاش العام في فرنسا، حتى يعود إليها مهرولا. وبينما تقف البلاد على أبواب سنة انتخابية حاسمة، تبدو عودته ضرورية، فهو -إلى جانب الإسلام والهجرة- من المقولات التي يستدعيها اليمين المتطرف في كل مرة يواجه فيها استحقاقات السؤال عن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي.

ففي 30 أغسطس/آب الماضي، أعلن النائب عن حزب التجمع الوطني، جان فيليب تانغي، أن حزبه يعتزم فرض غرامات على النساء اللواتي يرتدين الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة إذا فازت مارين لوبان بالرئاسة عام 2027، مبررا ذلك بأنه "تضامن مع النساء في أماكن أخرى يُجبرن على ارتدائه ويضحين بحياتهن من أجل حقهن في عدم ارتدائه"، وفق زعمه. وفي الليلة التالية، أكدت لوبان عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنها ستطرح مشروع قانون لتجريم ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة.

"كان حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة جزءا من برنامج مارين لوبان منذ عام 2012"

لا يبدو ذلك المقترح صادما لمراقبي الحياة السياسية الفرنسية. فقد كان حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة جزءا من برنامج مارين لوبان منذ عام 2012، وبندا أساسيا في جميع حملاتها الرئاسية الثلاث السابقة. ورغم أن نقاشا مشابها مع الفارق يدور في إيطاليا، حيث تتجه الحكومة بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى فرض إجراءات جديدة في المدارس، تشمل حظر ارتداء البرقع والنقاب، إلا أن علاقة فرنسا بالحجاب تكتسي ثقلا رمزيا مختلفا عن كل الدول الغربية، تعود جذوره إلى الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وعلاقتها بمستعمراتها، والتي جعلت من الحجاب أكثر من مجرد ممارسة دينية أو تقليد اجتماعي، بل هوسا يؤرق "لائكيتها" اليعقوبية.

مصدر الصورة تعتزم مارين لوبان طرح مشروع قانون لتجريم ارتداء الحجاب في الأماكن العامة (رويترز)

الحجاب في المخيلة الاستعمارية

لم يبدأ اهتمام فرنسا بالحجاب الإسلامي مع صعود ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، ولا مع المخاوف من تزايد أعداد المسلمين في الضواحي، وإن كانت هذه العوامل قد أعطت الذرائع لذلك. ولكن الاهتمام يعود إلى الحقبة الاستعمارية التي شهدت متابعة طويلة الأمد من المسؤولين الاستعماريين في الجزائر للنساء الجزائريات وحجابهن.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 انزعي الحجاب أو ارحلي.. شهادات صادمة لمسلمات فصلن من شركة فرنسية
* list 2 of 3 بعد ظهورها بالحجاب.. محامية فرنسية تقاضي ناشطتين اتهمتاها بـ”أسلمة فرنسا”
* list 3 of 3 الحجاب والطعام والهجرة.. معركة الهوية تتصاعد في فرنسا end of list
إعلان

وقد رافق غزو الجزائر عام 1830، منذ بداياته، افتتان فرنسي بصري وأدبي بالنساء المحجبات والحريم والخصوصية الخفية للحياة المنزلية الإسلامية. وعندما عرض أوجين ديلاكروا لوحته "نساء الجزائر في شقتهن" عام 1834، نالت اللوحة استحسان النقاد، على الرغم من أن الشرق الذي صورته اللوحة، كان في الحقيقة من صنع ثقافة ديلاكروا نفسه.

يكمن جزء من نجاح تلك الصورة الاستشراقية في الجمع بين الرغبة في الوصول إلى خفايا النساء، والنفور مما كان يُفترض أنها أنظمة اجتماعية وسياسية "أدنى" في الشرق. وقد سعى ديلاكروا إلى دخول عالم الحريم بمساعدة السلطة الاستعمارية، وكان السعي إلى "اختراق" تلك المساحة الخاصة، ثم "كشفها" للجمهور الفرنسي، بمثابة نذير لنمط سيتكرر طوال الحقبة الاستعمارية.

مصدر الصورة لوحة أوجين ديلاكروا "نساء الجزائر في شقتهن"، وقد لاقت استحسان النقاد في الأوساط الفرنسية رغم أنها عكست المخيلة الغربية للمرأة الجزائرية لا الواقع (متحف اللوفر)

وقد بلغ هذا النمط ذروته في البطاقات البريدية المصورة التي حللها الكاتب الجزائري مالك علولة في كتابه "الحريم الاستعماري". فمن خلال تحليل مئات البطاقات البريدية لنساء جزائريات التقطها مصورون فرنسيون في أوائل القرن العشرين، انتهى علولة إلى أن مضمونها يعبر عن خيال الفرنسي عن المرأة "الشرقية" أكثر مما يعبر عن واقع فعلي. فقد صوّرت العديد من هذه البطاقات نساء في حالة كشف تدريجي، أو نصف محجبات، بحيث يتخذ مشاهد البطاقة موقف المستعمر الذي يكشف تدريجيا ما يخفيه الحجاب. ومثل لوحة ديلاكروا، لم يكن بالإمكان فصل تلك البطاقات البريدية عن سياقها الاستعماري، فكشف الحجاب عن المرأة، وبالتالي امتلاكها، كان مكملا للغزو السياسي والعسكري.

هذا ما عكسه فرانز فانون في مقالته الشهيرة عام 1959 بعنوان "الجزائر مكشوفة" أو "الجزائر تخلع الحجاب". يعتقد فانون، الطبيب النفسي المولود في مارتينيك، والذي عمل في مستشفى البليدة الجزائري من عام 1953 حتى وفاته عام 1961، أن المسؤولين الاستعماريين الفرنسيين شنوا حربا ضد الحجاب منذ ثلاثينيات القرن العشرين، مقتنعين بأن الاستعمار لا يمكن أن يكتمل أبدا دون إخضاع المرأة الجزائرية.

كانت رؤية فانون لماحة وذكية في اعتبار الحجاب هدفا للرغبة الاستعمارية، وأداة في وقت نفسه يمكن للمستعمَرين استخدامها ضد محتليهم. فالنساء الجزائريات اللواتي ارتدين الحجاب لحمل الأسلحة أو الرسائل لجبهة التحرير الوطني استغللن الافتراضات التي وضعها الفرنسيون حول سلبية المحجبات، مستخدمات نظرة المستعمر ضد نفسه لكي يصبن أهدافهن.

كان هذا الهوس البصري والنفسي متأصلا في بنية قانونية محددة جعلت من لباس المرأة الجزائرية حجة ضد المواطنة. فبعد أن انتقلت الجزائر إلى النظام المدني مع قيام الجمهورية الثالثة عام 1871، أصبح سكانها فرنسيين اسميا، ويحق للمسلمين منهم نظريا انتخاب ممثليهم. إلا أن الأقلية المستوطنة الأوروبية، كما يروي المؤرخ جان بيير سيريني، رفضت ذلك رفضا قاطعا، مصرة على أن المسلمين لن يُسمح لهم بالتصويت إلا بعد "كشف نسائهم". وهكذا اختُزل حق شعب بأكمله في المشاركة السياسية إلى شرط رمزي يخص أردية النساء.

"هكذا اختُزل حق شعب بأكمله في المشاركة السياسية إلى شرط رمزي يخص أردية النساء"

ورغم أن هدف الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان ضمّها إلى فرنسا وإدماجها في نظامها الإداري والقانوني، لا إخضاعها لنظام "الحماية" كما في تونس والمغرب، فقد حافظت النخبة الاستعمارية على تمييز قانوني صارم ضد الجزائريين. فقرار مجلس الشيوخ الصادر في 14 يوليو/تموز 1865 اعتبر المسلمين الجزائريين رعايا فرنسيين، لكنه منعهم من التمتع الكامل بحقوق المواطنة ما لم يتخلّ كل فرد منهم عن أحواله الشخصية الإسلامية ويخضع للقانون المدني الفرنسي. كما أن قانون جونار الصادر في 4 فبراير/شباط 1919 وسّع الحقوق السياسية لبعض المسلمين الجزائريين وسمح لفئات منهم بالمشاركة في انتخابات المجالس المحلية، لكنه لم يمنحهم مواطنة فرنسية كاملة ولا مساواة سياسية حقيقية.

مصدر الصورة الحايك، الزي التقليدي للمرأة الجزائرية (الجزيرة)

كان شرط منح الجزائريين حقوق المواطنة الكاملة هو التخلي عن ممارسات الزواج والميراث القائمة على الشريعة الإسلامية، وذلك بعد تحقيق إداري مطول حول مدى "اندماجهم في المجتمع". وقد فعل ذلك عدد قليل جدا. وبحسب المؤرخ شارل روبير أجيرون، في كتابه "الجزائريون المسلمون وفرنسا"، فإنه إلى حدود عام 1890، أي بعد عقدين من اندماج الجزائر اسميا في فرنسا، لم يحصل على الجنسية الفرنسية سوى 783 مسلما.

إعلان

لا يزال هذا التاريخ ينوء بكَلْكَلِه على النقاشات الفرنسية المعاصرة. ومن المفارقات الواضحة أن قانون عام 2004 الذي فرضت فيه الحكومة الفرنسية حظرا على ارتداء "الرموز البارزة" للانتماء الديني في المدارس الحكومية، والذي كان يستهدف في المقام الأول الحجاب، يبدو أحد أعراض فشل فرنسا في دمج رعاياها الاستعماريين السابقين كمواطنين كاملين، تماما كما فشلت سابقا في المستعمرات نفسها.

"نزع الحجاب ظل دائما جزءا من الرسالة الحضارية المزعومة للاستعمار"

لم تكن هذه مفارقة عرضية للحكم الفرنسي في الجزائر، بل جوهرية فيه، لأن نزع الحجاب ظل دائما جزءا من "الرسالة الحضارية" المزعومة للاستعمار. وقد صرّح رئيس الوزراء الفرنسي في القرن التاسع عشر جول فيري، مخاطبًا مجلس النواب في 28 يوليو/تموز 1885 دفاعا عن التوسع الاستعماري الفرنسي، بالمبدأ الأساسي بصراحة غير مألوفة: "أكرر أن للأعراق المتفوقة حقا، لأن عليها واجبا. عليها واجب تحضير الأعراق الأدنى".

كان معيار الحضارة الأكثر أهمية في الجزائر قائما على النوع الاجتماعي، وأصبح الحجاب مؤشره الرئيسي. إذ أصبح مستوى "حضارة" المجتمع الجزائري مرادفا للوضع الاجتماعي وطريقة لباس المرأة الجزائرية، واستُخدمت هذه المعادلة لتبرير استمرار الحكم الاستعماري ومنع اندماج الجزائريين في المجتمع بشكل كامل في آن واحد.

مصدر الصورة مناضلات جزائريات (ممرضات) تتوسطان القائدين الثوريين عبان رمضان (يسار) ورشيد عمارة (يمين)، حيث شاركت النساء الجزائريات في الثورة على المستعمر الفرنسي (الجزيرة)

وهكذا، فإن الجهاز نفسه الذي ادعى تحرير المرأة الجزائرية كان بمثابة ذريعة دائمة لحرمان الرجال والنساء الجزائريين على حد سواء من الحقوق التي يُفترض أن يضمنها الاندماج. وهي تقريبا المفارقة التي يقوم عليها تبرير اليمين المتطرف الفرنسي اليوم لمنع الحجاب في الأماكن العامة، كونه نوعا من التضامن المزعوم مع النساء في أماكن أخرى "يُجبرن فيها على ارتدائه ويضحين بحياتهن من أجل حقهن في عدم ارتدائه".

مكافحة التمرد ومسرح الكشف

حوّلت الثورة الجزائرية، التي بدأت في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1954، هذا التركيز الخطابي والقانوني الراسخ إلى أداة صريحة في الإستراتيجية العسكرية الاستعمارية. فمنذ عام 1955، قام الحاكم العام جاك سوستيل بحل الجمعيات النسائية الشيوعية والوطنية القائمة، وأحاط نفسه بعلماء الأعراق الذين جعلوا من وضع المرأة إحدى الجبهات المركزية لما أسماه الجيش الفرنسي "أحداث الجزائر"، بدعم من ضباط شباب عائدين من هزيمتهم في الهند الصينية معتقدين أنهم اكتشفوا مفاتيح تكتيكات مكافحة حرب العصابات.

أصبح "تحرير" المرأة خط معركة للمكتب الخامس للجيش، المكلف بالحرب النفسية والدعاية، الذي كثّف مبادراته على أرض الواقع، من خلال فرق طبية متنقلة تعالج الرضع وتوزع الدعاية على أمهاتهم، وعروض أفلام، وأقسام إدارية متخصصة تشرف على السكان وتراقبهم.

يصف المؤرخ نيل ماكماستر في كتابه "حرق الحجاب: الحرب الجزائرية وتحرير المرأة المسلمة 1954-1962" البرنامج برمته بأنه "أجندة إصلاحية" واسعة النطاق موجهة نحو المرأة الجزائرية بهدف "تحريرها"، لتمكينها من اللحاق بنظيراتها الأوروبيات في فرنسا فيما يتعلق بحقوق التصويت والتعليم والتدريب المهني وفرص العمل والرعاية الصحية والاجتماعية، وذلك من خلال احتفالات جماعية ضخمة لخلع الحجاب، ودعاية إذاعية وسينمائية، وحلقات نسائية، وفرق صحية متنقلة، وتوسيع حق المرأة في التصويت، و"إصلاح تدريجي" لقانون الأسرة والزواج الإسلامي.

مصدر الصورة سيدتان فرنسيتان تقومان بإجبار فتاة على خلع الحجاب في ميدان عام بالجزائر عام 1958، تحت حماية الجيش الفرنسي (الجزيرة)

ويفسر ماكماستر بدقة معنى "التحرير"، فهو لا يشير إلى أي شكل معاصر من أشكال "الحركة النسوية"، بل إلى أنماط رجعية من الهيمنة الاستعمارية، حيث فرضت القوى المحتلة نماذج أوروبية مركزية للأسرة النووية الغربية وأدوار الجنسين على المجتمع المسلم. وقد بلغت الحملة ذروتها وأكثر لحظاتها إثارة خلال أزمة 13 مايو/أيار 1958، التي أسقطت الجمهورية الرابعة وأعادت شارل ديغول إلى السلطة. وكجزء مما وصفه ماكماستر بـ"ثورة" مدبرة لإسقاط الحكومة في باريس، خلعت نساء جزائريات مسلمات حجابهن بشكل درامي، ثم ألقين به في النار، في مشاهد وثّقها الصحفيون الفرنسيون والدوليون الذين تجمعوا في قلب الجزائر العاصمة.

إعلان

لم يكن كشف الحجاب عفويا بأي حال من الأحوال. تُظهر أبحاث ماكماستر أنه كان مدبرا سرا من قِبل متخصصين في الدعاية لمكافحة التمرد، حيث نقلوا آلاف النساء بالحافلات واختاروا أخريات لقيادة هذا العرض المصمم الذي سيتم تسجيله لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية.

"لم يكن نزع الحجاب عفويا لكنه مشهد صممته باريس بدقة"

ففي مساء 17 مايو/أيار، قامت اثنتا عشرة فتاة مسلمة، يُقال إن السيدة سالان، زوجة الحاكم العام، كانت ترافقهن شخصيا، بتمزيق حجابهن وحرقه خلف بوابات الحكومة العامة، تحت حماية عناصر من الحركيين الموالين لباريس. وكانت هذه المراسم قد رُتبت على عجل في الليلة السابقة من قبل عدد قليل من ضباط المكتب الخامس الذين استاءوا من أن ملصقات الدعاية السابقة التي تؤكد على الأخوة بين الطوائف بدت ذكورية للغاية.

وفي اليوم التالي، احتشد جمع من النساء المسلمات، معظمهن من الأحياء الفقيرة المحيطة بالجزائر، في وسط المدينة. وبحلول 20 مايو/أيار، أصدر المكتب الخامس أوامر رسمية للقادة العسكريين في وهران وقسنطينة وباقي الأماكن بـ "تشجيع مشاركة النساء غير المحجبات" في المزيد من المظاهرات "العفوية" على غرار ما حدث في الجزائر.

الجزائريات حملن السلاح خلال ثورة التحرير (الجزيرة)

لم يُنهِ استقلال الجزائر عام 1962 اهتمام فرنسا بالحجاب، بل نقل هذا الاهتمام إلى قلب البلاد، حيث أعادت الهجرة ما بعد الاستعمارية، في سياق جديد، طرح تساؤلات حول المواطنة والنساء والدين، وهي تساؤلات تركها الحكم الفرنسي في الجزائر دون حل. ظهر ذلك بوضوح في قانون 2004، الذي كان موجها نظريا ضد كل الرموز الدينية، ولكن النقاش الذي صاحبه ظل مرتبطا بالحجاب.

وقد وسع قانون صدر عام 2010 نطاق هذا المنطق، فحظر تغطية الوجه في أي مكان عام، وهو إجراء أيدته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحقا على أساس الحفاظ على شروط "العيش المشترك". وجرّبت السلطات المحلية حظر البوركيني على الشواطئ الفرنسية عام 2016، ومنعت المدارس ارتداء العباءة عام 2023. وبالتالي فإن اقتراح التجمع الوطني لعام 2026 يقع في الطرف البعيد من طيف القيود التي باركتها المؤسسة السياسية الفرنسية الرئيسية، وتتمثل مساهمته الخطيرة في توسيع نطاق العقوبة من مؤسسات الدولة إلى الفضاء العام.

إرث اليمين المتطرف

لم يخترع حزب التجمع الوطني اليميني هذا التاريخ، لكنه بنى هويته السياسية على صلة وثيقة به. تأسس الحزب عام 1972 باسم الجبهة الوطنية، ثم غيّر اسمه عام 2018. وقد نشأ من تحالف لتيارات متطرفة في فرنسا، في مقدمتها شبكات مناصري استمرار الحكم الفرنسي في الجزائر وقدامى المحاربين والمستوطنون العائدون بعد الاستقلال. وكان جان ماري لوبان، المؤسس المشارك للجبهة الوطنية ورئيسها حتى عام 2011، قد خدم في فوج المظليين التابع للفيلق الأجنبي، وشارك في معركة الجزائر عام 1957.

وتوثّق دراسة حديثة للمؤرخ فابريس ريسيبوتي، استنادا إلى شهادات الضحايا وتقارير الشرطة والتحقيقات الصحفية والمحفوظات العسكرية، أن لوبان قد اعترف عند عودته إلى فرنسا بممارسة التعذيب، قبل أن ينفي ذلك لاحقا بعد أن بدأت نجاحاته الانتخابية المبكرة، ويقاضي كل من كشف هذه الأدلة بتهمة التشهير.

يُصوّر ريسبوتي عقودا من الصمت المؤسسي المحيط بهذا السجل كمثال على ما تسميه المؤرخة آن لورا ستولر "الحبسة الاستعمارية"، أي عجز فرنسي مزمن عن قول ما هو معروف تماما، من أن جرائم ضد الإنسانية، يُعد التعذيب أبرزها، ارتُكبت في الجزائر ومستعمرات أخرى باسم الجمهورية الفرنسية ومن قِبَلها.

جان ماري لوبان تورط في تعذيب الجزائريين (غيتي)

وينتمي مؤسسو الحزب الآخرون إلى الإرث نفسه. فقد أسهم فيكتور بارتيليمي، الذي دعم فصيل المستوطنين "المتطرفين" خلال الحرب الجزائرية وجمع التبرعات لأعضاء منظمة الجيش السري الإرهابية المسجونين، في تأسيس الجبهة الوطنية عام 1972، وشغل منصب سكرتيرها الإداري حتى أواخر السبعينيات.

أما جان لوي تيكسييه فيجنانكور، المحامي اليميني المتطرف، فقد بنى قاعدته السياسية بالدفاع عن رموز حرب الجزائر ومعارضة إنهاء الاستعمار. وبالتالي فإن عقيدة الحزب قد تشكلت في بوتقة الهزيمة السياسية التي منيت بها فرنسا في الجزائر، وقد ترك ذلك بصمته على المخيلة السياسية للحزب بطرق تتجاوز حتى ورثة الحزب من قادته الحاليين.

"تشكلت عقيدة حزب لوبان في بوتقة الهزيمة السياسية التي منيت بها فرنسا في الجزائر"

لا يظهر هذا الإرث كما يظهر في قلب الخطاب الذي تعلم الحزب من خلاله تصوير أحفاد المستعمَرين على أنهم المحتلون الحقيقيون، وتصوير نفسه على أنه المدافع عن أرض فرنسية محتلة. ويُعد خطاب مارين لوبان في ليون في ديسمبر/كانون الأول 2010 مثالا نموذجيا على ذلك. ففي وصفها لصلاة المسلمين في الشوارع أمام المساجد المكتظة، قالت للحشد المجتمع إن هذا يشكل "احتلالا لأجزاء من الأراضي والأحياء… بالتأكيد، لا توجد دبابات ولا جنود، ولكنه مع ذلك احتلال".

إعلان

تقلب هذه المناورة الخطابية بتبجح المسار التاريخي للعلاقة الاستعمارية، فنحن إزاء حزب يجد جذوره في سياسات الجيش الفرنسي الذي احتل الجزائر لأكثر من قرن، يُقدم فرنسا بوصفها بلدا محتلا، ويُصوّر الحجاب، إلى جانب حضور المسلمين في الفضاء العام، كأوضح دليل على ذلك الاحتلال المزعوم. إذ تعمل هذه الآلية للذاكرة السياسية في اتجاه محدد، ناقلة هوس الحقبة الاستعمارية بالحجاب كحدود فاصلة بين مجتمعين إلى الشارع الفرنسي المعاصر، بينما تمحو بشكل منهجي أي جانب من تلك الحدود التاريخية وقف عليه مؤسسو الحزب أنفسهم.

لكن الإرث الأكثر مباشرة يكمن في الذريعة التي تتخلل تبرير الحزب لمنع الحجاب في الأماكن العامة، ألا وهي التضامن مع النساء في أماكن أخرى أُجبرن على ارتداء الحجاب. وهكذا تتحول "القضايا النسوية" إلى سلاح في حملات معادية للإسلام وكارهة للأجانب، إذ يُصوَّر الرجال المسلمون على أنهم يشكلون خطرا على المجتمعات الغربية ويضطهدون النساء، بينما يُستخدم إنقاذ النساء المسلمات والمهاجرات لتبرير سياسات عنصرية تستهدف النساء أنفسهن في المقام الأول.

فموقف الحزب في ذلك الملف يتناقض بشكل واضح مع مواقفه المحافظة الأخرى بشأن قضايا النوع الاجتماعي، ذلك أن لوبان "تدافع عن حقوق المرأة التي يهددها الإسلام"، بينما تتبنى في الوقت نفسه قيما سياسية محافظة فيما يتعلق بالمرأة عموما. وهذا التوظيف الأداتي للحركة النسوية يعود إلى بنية خطابية استعمارية تقوم على فكرة إنقاذ الرجال البيض للنساء الملونات من الرجال الملونين.

يتجاهل هذا الخطاب حقيقة أن النساء اللواتي يرتدين الحجاب في فرنسا، شأنهن شأن المحجبات في العالم، يفعلن ذلك لأسباب تتراوح بين قناعة دينية راسخة وعادات ثقافية أو ربما توقعات عائلية أو حتى ذوق شخصي، أو مجرد استمرارية للتقاليد التي تربين عليها، وهي دوافع نادرا ما تتوافق مع افتراضات حزب التجمع الوطني المغرية بأن الحجاب دائما وفي كل مكان هو رمز "للأيديولوجية الإسلامية" المفروضة على ضحية سلبية، يجب منعه في الأماكن العامة بزعم "تحرير النساء".

وبالنسبة للمرأة التي ترتدي الحجاب باختيارها وقناعتها، وهن الأكثرية، فإن النتيجة العملية لهذا التضييق ليست "التحرر"، بل الانسحاب القسري من الحياة العامة. فهي تواجه ثلاثة خيارات، لا يخلو أي منها من التكاليف، إما دفع غرامات متكررة قد لا تستطيع تحملها، أو الانسحاب من الشأن العام لتجنب الظهور، أو تحدي القانون وقبول علاقة عدائية مع السلطة لم تكن موجودة من قبل.

لكن لعلّ التكلفة الأشدّ وطأة تكمن في مصداقية النزعة العلمانية الفرنسية نفسها. فالوعد التأسيسي للجمهورية وهو أن المواطنة لا تعتمد على الدين أو الأصل أو المظهر يبدو أنه يتهاوى. فأي سياسة تستهدف لباسا دينيا واحدا، تكشف عن الانتقائية الكامنة في صميم هذا المقترح.

ورغم أن القانون المقترح يكاد يكون مستحيل التطبيق عمليا، كونه يتداخل مع أشكال مختلفة لتغطية الرأس في المجتمع، فضلا عن كونه غير دستوري ومن المرجح أن يسقط في اختبار المجلس الدستوري، فإن مجرد طرحه يكشف عن الطبيعة الفاشية لليمين المتطرف الفرنسي، الذي يبدو أنه قاب قوسين من أن يمسك بالسلطة في البلاد لأول مرة في تاريخها.