مصدر الصورة

يستعين خبراء بالذكاء الاصطناعي لإنشاء متحف رقمي هائل يضم ملايين العينات من مجموعات محفوظة في شتى أنحاء المملكة المتحدة، ويقولون إن هذا المشروع يمكن أن "يُحدث نقلة هائلة" في فهمنا للعالم الطبيعي.

وسيتمكن الناس في نهاية المطاف من الاطلاع، عبر هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، على نحو 70 مليون عينة من الحيوانات والنباتات والحفريات والصخور.

وتُستخدم الروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي لمسح العينات وتحليلها، وبعضها يعود إلى قرون مضت، الأمر الذي يسرّع عملية رقمنة هذه المجموعات، ويختصر مدة كانت ستستغرق مئات السنين إلى عقد واحد.

وسيتيح المتحف الرقمي الجديد للباحثين فهم الكيفية التي تغيّرت بها المملكة المتحدة على امتداد التاريخ الكامل لكوكبنا، والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية التي قد تطرأ على المناخ وإمدادات الغذاء وأنواع الكائنات.

وتقول جوانا دنستر، نائبة مدير مجلس أبحاث الفنون والعلوم الإنسانية، وهو جزء من وكالة البحث والابتكار في المملكة المتحدة التي تموّل المشروع، إن هذا المشروع سيكون متاحاً للجمهور أيضاً، بحيث يمكنه الاطلاع عليه والاستمتاع به.

وأوضحت لبي بي سي: "أتطلع إلى استكشاف هذا المشروع مع ابني البالغ من العمر أربع سنوات، الذي لا يعرف الكثير عن العلوم، لكنه يتمتع بحماس كبير".

وأصبح من الممكن بالفعل البحث عن بعض العينات في قاعدة البيانات، لكنها لا تمثل سوى جزء ضئيل من مجموعات البلاد، ومعظمها محفوظ لدى عدد محدود من المؤسسات الكبرى، مثل متحف التاريخ الطبيعي والحدائق النباتية الملكية في كيو.

مصدر الصورة

وسيشجع التمويل الجديد المؤسسات المنتشرة في أنحاء المملكة المتحدة على إتاحة ملايين أخرى من العينات النباتية والحيوانية والحفريات وإدراجها في المشروع.

وقالت دنستر: "نحن بحاجة إلى إتاحة هذه المجموعات بصورة مفتوحة، بدلاً من بقائها في أماكن يتعذر الوصول إليها في كثير من الأحيان".

وسيتمكن الجمهور والباحثون من الاطلاع على التنوع الكامل للعالم الطبيعي، بدءاً من النماذج غير المألوفة، مثل سمكة ثلاثية الأرجل عمياء تسند نفْسها إلى قاع البحر، وصولاً إلى العينات التاريخية، مثل سن حصان استخرجه تشارلز داروين نحو عام 1833 من شمال شرق الأرجنتين.

ويُعرف هذا المشروع باسم "النظام الموزّع للمجموعات العلمية (DiSSCo UK)"، ويشرف عليه متحف التاريخ الطبيعي.

ولا تُعد عملية مسح العينات ضوئياً مهمة بسيطة، فليس من الضروري تصوير كل عينة فحسب، بل يتعين أيضاً تسجيل الملصقات الصغيرة التي تتضمن معلومات علمية مهمة عنها، والتي تكون غالباً مكتوبة بخط اليد، وقد يعود تاريخ بعضها إلى قرون.

وحسب الفريق المسؤول عن المشروع فإن تنفيذ هذه المهمة يدوياً كان سيستغرق مئات السنين، غير أن استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي يتيح الآن إنجاز هذه العملية خلال عقد واحد، بحسب سارة أديزيو، مديرة تنفيذ البرنامج.

وقالت: "ما يمكننا عمله الآن هو ربط هذه المعلومات وتحليلها على نطاق غير مسبوق، وهو أمر لم يكن ممكناً من قبل".

ويشارك في المشروع 100 متحف وحديقة نباتية وجامعة ومؤسسة أخرى.

ولن تكون العينات التي ستوضع تحت الكاميرات من الكائنات الضخمة، فلا توجد حيتان أو ديناصورات ضمن المرحلة الافتتاحية، التي تبدأ في ويلز وإسكتلندا.

مصدر الصورة

وستبدأ العملية بتسجيل ورقمنة أنواع الخنافس والفراشات والعثّ والذباب والزهور والسراخس المجففة والمضغوطة، وهي مواد صغيرة وأقل بريقاً، لكنها في الواقع تقدم أفضل سجل للتغيرات التي طرأت على البيئة المحيطة بها في البلاد.

وفي كارديف، سيسجل الفريق نحو نصف مليون عينة من الحشرات والنباتات، بدءاً من الفراشات الكبيرة واللافتة للنظر، وصولاً إلى ذباب صغير يمكن أن يضيع على طرف الإصبع، ليتبين أنه من بين أكثر المؤشرات حساسية على سلامة النظام البيئي.

وفي إسكتلندا، تحتفظ الحدائق النباتية الملكية في إدنبرة والمتاحف الوطنية مجتمعة، بـ 13 مليون عينة، الأمر الذي يجعلها ثاني أكبر مجموعة للعلوم الطبيعية في المملكة المتحدة.

وبالاشتراك مع 50 مجموعة إسكتلندية أصغر، تمتد هذه المجموعات من مستوى سطح البحر إلى قمم الجبال، وتغطي قرنين من التغيرات التي طرأت على النباتات والحشرات بمختلف أنواعها في جميع أشكال البيئات الطبيعية في إسكتلندا.

وقالت جيني جيروني، رئيسة قسم العلوم الطبيعية والبحوث في متحف ويلز "أمغودفا سيمرو"، إن المشروع سيمثل فرصة لعرض مواد من مختلف أنحاء البلاد.

وأضافت: "كل مجموعة فريدة من نوعها. لدينا الكثير من المواد في ويلز، والتي لا توجد في أي مكان آخر".

وقالت لبي بي سي: "كما أن جمع المواد من مختلف أنحاء المملكة المتحدة يتيح لنا تكوين صورة جيدة عما يحدث في البلاد بأكملها، فإن إسهام كل جهة بمجموعاتها من مختلف أنحاء العالم سيتيح لنا تكوين صورة أقوى بكثير عما يحدث في أماكن أخرى".

مصدر الصورة

وتمثّل كل عينة محفوظة في متحف صورة للحظة من الماضي.

كما يتمثل جانب كبير من تاريخ الطبيعة في عملية أشبه بالتحقيق، تعتمد على تجميع هذه الأدلة من عشرات الملايين من قطع الأحجية، لإعادة رسم صورة حية ودقيقة ومفصلة لكيفية تغيّر عالمنا.

وستجعل المبادرة الجديدة هذه المهمة أسهل بكثير، من خلال جمع ملايين العينات معاً، إلى جانب أدوات قوية للذكاء الاصطناعي تتيح البحث في المعلومات.

ويقول فينسنت سميث، مدير قسم الأبحاث في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، إن المشروع سيعطي "دفعة هائلة" للأبحاث المتعلقة بالعالم الطبيعي.

وأضاف: "توثّق مجموعات التاريخ الطبيعي فترات زمنية طويلة من التغير، غالباً عبر مراحل بالغة الأهمية، مثل الثورة الصناعية، كما تُرصد تلك التغيرات في مجموعاتنا، ولذلك يمكنكم معرفة ما حدث في الماضي".

وأضاف أن الأهم من ذلك هو أنها ستتيح لنا "البدء في التنبؤ بما سيحدث لاحقاً".

ومن خلال جمع هذه المجموعة الكبيرة من العينات، سيتمكن الباحثون من تطوير نماذجهم الحاسوبية المتعلقة بكيفية تغيُّر العالم الطبيعي مستقبلاً، عبر دراسة تأثير تغيُّر المناخ وخيارات التنمية الأخرى في إنقراض الأنواع الحية.

كما سيساعد مشروع "النظام الموزّع للمجموعات العلمية"، العلماء على الاستعداد للتحديات المستقبلية، إذ تسهم إضافة المزيد من الحفريات والمواد الصخرية إلى قاعدة البيانات في دعم الأبحاث المتعلقة بالمعادن اللازمة للتكنولوجيا الخضراء.