غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق عام 2003، على الرغم من الانتقادات الدولية، وأطاحت بالحاكم آنذاك صدام حسين. صورة من: StockTrek Images/IMAGO

بعد أكثر من 23 عاماً على سقوط نظام صدام حسين ، وبعد سنوات من القتال المرير ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، تنسحب آخر القوات الأمريكية من العراق.

ومن المقرر إتمام الانسحاب بشكل رسمي يوم الأربعاء (30 أيلول/سبتمبر 2026). وقال مسؤول عراقي لوكالة الأنباء الألمانية الأحد (27 أيلول/سبتمبر 2026) إن جميع القوات القتالية وقوات الدعم اللوجستي الأمريكية قد غادرت البلاد. ولم يصدر تأكيد رسمي من الولايات المتحدة حتى الآن.

لماذا تنسحب القوات الأمريكية الآن؟

اتفق العراق والولايات المتحدة على الانسحاب في عام 2024. ووفقاً للبنتاغون، كان نحو 2500 جندي أمريكي يتمركزون في العراق خلال السنوات الأخيرة. وقبل الانسحاب، كانت القوات الأمريكية تتمركز في أربيل في إقليم كردستان-العراق، وفي قاعدة بالقرب من مطار بغداد، وفي المجمع الحكومي بالعاصمة المعروف باسم المنطقة الخضراء.

وانتهت المهمة القتالية الأمريكية في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الإرهابي عام 2021، وكان الجنود الأمريكيون المتبقون في البلاد، يخدمون فقط كمستشارين ومدربين.

ويُعدّ الانسحاب أحد المطالب الرئيسية لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في البلاد. كان من المفترض أن تُسلّم هذه الميليشيات أسلحتها بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي. إلا أن هذه الخطوة أُجّلت حتى يونيو/حزيران 2027، ولا تزال فرص نجاحها غير مؤكدة.

كيف بدأ التدخل العسكري الأمريكي في العراق؟

يرتبط الوجود العسكري الأمريكي في العراق بالهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2001 . فقد أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، "الحرب على الإرهاب" وصاغ مصطلح "محور الشر": إيران والعراق وكوريا الشمالية، واتهم هذه الدول بدعم شبكات إرهابية.

اتهمت الولايات المتحدة الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، بالارتباط بتنظيم القاعدة والسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل. وقد ثبت في وقت لاحق زيف كلا الاتهامين. ومع ذلك، في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق مع حلفائها وأطاحت بنظام صدام حسين، الذي أودى حكمه الوحشي بحياة مئات الآلاف.

ماذا كانت النتائج التدخل الأمريكي حتى عام 2011؟

يرى العديد من المؤرخين أن غزو العراق أسوأ قرار في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، فقد أعقبه سنوات من الانتفاضات، والفوضى، والعنف بين الجماعات الشيعية والسنية ، مما أسفر عن مقتل ما يقارب 4500 جندي أمريكي وعشرات الآلاف من العراقيين.

وانتشرت في جميع أنحاء العالم صور لمعتقلي سجن أبو غريب، وهم يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة على أيدي أفراد من الجيش الأمريكي.

خلال الحرب وبعدها، زادت إيران وميليشياتها المتحالفة معها نفوذها بشكل ملحوظ. كما ساهم الفراغ السياسي في تعزيز تنظيم القاعدة، وأدى لاحقاً إلى ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

وقُدّرت التكلفة الإجمالية للحرب بما يصل إلى ثلاثة تريليونات دولار أمريكي. وفي بعض الأحيان، كان يتمركز من 160 ألف جندي أمريكي في البلاد.

لماذا نشرت واشنطن قواتها مرة أخرى في عام 2014؟

عادت القوات الأمريكية بناء على طلب بغداد لمواجهة ما يُسمى بـ"خلافة" تنظيم "الدولة الإسلامية"، التي قُتل باسمها شيعة وإيزيديون. وأثارت مقاطع فيديو لعمليات الإعدام رعب العالم. ونقلت الهجمات الإرهابية تهديد التنظيم إلى أوروبا والولايات المتحدة.

مع انطلاق "عملية العزم الصلب" بقيادة الولايات المتحدة، والتي انضمت إليها أكثر من 80 دولة، بدأت معركة تحرير العراق وسوريا من بطش التنظيم. واستمرت المعارك الضارية في بعض الأحيان لأسابيع وشهور. وأحصت منظمة "إير وورز" البريطانية 1400 ضحية من قوات التحالف الأمريكي، ونحو 13000 قتيل من المدنيين. وشاركت القوات المسلحة الألمانية في المهمة منذ عام 2015.

وأعلن عن هزيمة التنظيم المتطرف عسكرياً في العراق عام 2017 وفي سوريا عام 2019. ولا تزال خلايا التنظيم نشطة وتواصل شن هجمات بين الحين والآخر، لكن التنظيم المتطرف فقد المساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في السابق في كلا البلدين.

لم يكن النصر، الذي تحقق بعد عشرات الآلاف من الغارات الجوية، ممكناً إلا بمساعدة المقاتلين المحليين، بمن فيهم البيشمركة الكردية.

واليوم، يركز تنظيم الدولة الإسلامية في العراق على "بقائه"، وفق أحدث تقرير صادر عن عملية العزم الصلب. في العراق، كما هو الحال في سوريا، التي انسحبت منها القوات الأمريكية في أبريل/نيسان من العام الحالي، انخفضت الهجمات إلى مستوى مماثل لما كانت عليه في عام 2013. ويقبع آلاف من سجناء داعش حالياً في السجون العراقية.

ما تأثير الانسحاب على حرب إيران؟

وكان من المقرر في الأصل أن تقوم الميليشيات الموالية لإيران في العراق بنزع سلاحها والاندماج في جهاز الأمن الحكومي بالتوازي مع انسحاب القوات الأمريكية.

ومن هنا يصب الانسحاب في مصلحة إيران، إذ تُمكّنها من الحفاظ على نفوذها في العراق أو حتى توسيعه. ويمكن للميليشيات العراقية المرتبطة بإيران مواصلة مهاجمة المنشآت الأمريكية أو البنية التحتية للطاقة في دول الخليج. ويخشى البعض من تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: انسحاب عسكري دون تخفيف التهديدات بشكل كافٍ. ومع ذلك، تفقد الميليشيات الشيعية برحيل الجنود الأمريكيين أحد أهم حججها لتبرير "المقاومة" المسلحة.

ستواصل واشنطن الضغط من أجل نزع سلاح الميلشيات العراقية الموالية لإيران. وتقول لهيب هيجل، من مركز "مجموعة الأزمات الدولية" (ICG) البحثي، إن "الهدف لا ينبغي أن يكون تأليب العراق ضد إيران؛ فإيران تتمتع بنفوذ سياسي كبير في العراق، كما أنها شريك اقتصادي بالغ الأهمية للعراق". وتضيف لهيب هيجل، في إشارة إلى التوازن الدقيق بين طهران وواشنطن: "يحتاج العراق إلى مساحة لإيجاد توازنه الخاص".

ماذا يعني الانسحاب للأكراد؟

يواجه الأكراد، الذين تعرضوا لمئات الهجمات خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها من جهة ثانية ، ويفقدون الآن أهم درع حامي لهم، خطراً أكبر. وبعد انتهاء "الإدارة الذاتية" في سوريا التي كان الأكراد عمودها الفقري بعد انتهاء الدعم الأمريكي، يخشون على مشروعهم للحكم الذاتي، الذي أُقيم أساساً بحماية غربية، بحسب ما ذكره مركز أبحاث المجلس الأطلسي. ووصف رئيس الوزراء الكردي مسرور بارزاني الوضع بأنه "عار".

كيف تنظر الولايات المتحدة إلى حرب العراق اليوم؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين لا يعتقدون أن الحرب جعلت الولايات المتحدة أكثر أماناً. ويتماشى الانسحاب مع هدف الرئيس دونالد ترامب المعلن بتقليص العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وإنهاء "الحروب التي لا تنتهي". إلا أن الحرب مع إيران ، التي أشعلها ترامب بالتعاون مع إسرائيل، قد تتحول أيضاً إلى "حرب لا تنتهي".