آخر الأخبار

من الإغاثة إلى البندقية.. نساء الفاشر على خط النار

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دارفور- في مركز إيواء للنازحين قرب مدينة أم درمان، تجلس محراب آدم يوسف في ركن هادئ، ترتدي الزي العسكري، وتحمل في هاتفها صورا قديمة لمدينة الفاشر. وتمسح على شاشة الهاتف بإصبعها، وكأنها تلمس وجوها تعرفها، بينما تتصاعد من حولها أصوات الأطفال وهم يلعبون بين الخيام.

وتقول للجزيرة نت "لم أكن أتخيل يوما أنني سألبس الكاكي، لكنني فعلت لأنني أريد الدفاع عن وطني، وأن أعود إلى مدينتي الفاشر".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 البرهان بعد أزمة التأشيرة: لن نساوم ولن ننحني لأحد
* list 2 of 2 اتساع المواجهات في شمال إثيوبيا وانتقال القتال إلى إقليم أمهرة end of list

والكاكي هو الزي العسكري الذي يرتديه الجنود والضباط في السودان، ويُعرف بلونه الرملي أو الزيتوني الفاتح، وتستخدمه القوات المسلحة السودانية والأجهزة النظامية. وهو يحمل دلالة رمزية حيث يعني "الانتماء إلى القوة التي تحمل السلاح لحماية العرض والأرض".

مصدر الصورة محراب آدم يوسف تقول إنها انضمت للمقاومة الشعبية لتحرر وطنها السودان (الجزيرة)

محراب السودان

قادت المواطنة البالغة 38 عاما مبادرة "محراب السودان" الإنسانية التي قدمت مساعدات للنازحين والمتضررين من حصار مدينة الفاشر، قبل أن تلتحق حديثا بصفوف المقاومة الشعبية شمال دارفور.

وتقول للجزيرة نت "كنت أرى الموت في الفاشر كل يوم، ولم أستطع أن أبقى مكتوفة الأيدي، فأنشأت مبادرة طوعية لمساعدة المتضررين، قبل أن أنضم رسميا إلى صفوف المقاتلين في المقاومة الشعبية".

وتضيف "عندما سقطت الفاشر، فكّرتُ في الفرار مثل الآخرين، لكنني أدركت أن واجبي هو الوقوف من أجل تحرير السودان" وتتابع "المقاومة استقبلتني بكل حفاوة، لكنني أصررت على أن أكون في الصفوف الأمامية، أريد أن أكون مع المقاتلين، أشاركهم المعركة، وأن أكون جزءا من النصر".

مصدر الصورة مبادرة "محراب السودان" الإنسانية قدمت مساعدات للنازحين والمتضررين قبل سقوط الفاشر (الجزيرة)

وقد انخرط عدد من نساء دارفور في المقاومة الشعبية منذ سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومن بينهن ريماس آدم محمد عيسى، التي انضمت إلى القوات المسلحة، وعملت على علاج الجرحى والمصابين في مستشفى السلاح الطبي بالفاشر.

إعلان

وتقول ريماس للجزيرة نت "لم أكن أتخيل أنني سأعمل في مستشفى عسكري تحت القصف، لكنني وجدت نفسي أمام مسؤولية إنقاذ الجرحى، فلم أتردد".

كما انخرطت سارة إسماعيل أبكر المعروفة بـ"الميرم سارة" وهي سبعينية حملت بندقية كلاشنكوف وقاتلت إلى جانب ابنها فارس في معارك الفاشر، بعد أن قُتل زوجها بشارة حسن في صفوف حركة تحرير السودان.

"فدائيات الفاشر"

وبرزت آسيا الخليفة، المراسل الحربي برتبة رقيب أول في الفرقة السادسة مشاة، التي وثقت معارك الفاشر وأشرفت على نقل الصور من خطوط المواجهة، ووصفت حضور "فدائيات الفاشر" بأنه "بطولي في الصفوف الأمامية".

وتشكل من هؤلاء النساء ما يُعرف بـ"فدائيات الفاشر" وهن مجموعة من المقاتلات حملن الذخيرة ورافقن القوات المسلحة إلى ميدان القتال، و"رفعن الروح المعنوية بالزغاريد، وعدن محمّلات ببشريات النصر".

وتوثق دراسة نشرها معهد كريستيان ميتشلسن النرويجي في أغسطس/آب 2026 -بعنوان "قواعد البقاء: نساء في خطوط المواجهة بالفاشر"- أن النساء في المدينة "لا ينتظرن المساعدة ولا يبقين سلبيات، بل ينظمن ويحذرن ويحمين، وأحيانا يقاتلن".

وهذا المعهد بحثي مستقل متخصص في قضايا السلام والتنمية وحقوق الإنسان. وقد نُشرت الدراسة ضمن سلسلة المدونات السودانية، وأعدّتها الباحثة عائشة خاطر هارون نهار.

وتنتقد الدراسة "الصورة النمطية التي تختزل المرأة في خيارين فقط: إما ضحية أو صوت سلام" معتبرة أن هذا الصمت يترك هؤلاء النساء مكشوفات مرتين "محذوفات من الحركات السياسية والنسوية التي يفترض أن تدافع عنهن، وقابلات للقتل في نظر مليشيا الدعم السريع".

قائدة ورائدة

من جانبه، يقول أبو بكر أحمد إمام، المتحدث الرسمي باسم المقاومة الشعبية شمال دارفور، للجزيرة نت، إن "المرأة في دارفور ليست مقاتلة فقط، بل قائدة ورائدة. هي التي تحمي وتخطط، وتصنع الفرق في الميدان".

ويؤكد إمام أن "المقاومة تضم مئات النساء اللواتي يقاتلن إلى جانب الرجال لأنهن الأقوى في الإرادة والصبر. محراب واحدة منهن، وهي ليست حالة استثنائية، بل مثال على ما تفعله النساء الدارفوريات كل يوم".

ودفعت النساء ثمنا باهظا لهذا الخيار، ففي أبريل/نيسان 2025، قُتلت هنادي النور داود، المعروفة بـ"هنادي بت الفاشر" وهي متطوعة طبية في مخيم زمزم، ظهرت في مقطع فيديو متداول تواجه قوات الدعم السريع بسكين، قبل أن تُقتل أثناء دفاعها عن المخيم.

كما قُتلت قسمة علي عمر، التي اعتقلتها قوات الدعم السريع في زالنجي بتهمة "الجاسوسية" وعذبتها حتى الموت، حيث علقتها من يديها ورجليها على شجرة وتركتها تنزف حتى فارقت الحياة.

ويقول الدكتور محمد سليمان أتيم، استشاري علم الاجتماع، للجزيرة نت، أن "ظاهرة لبس النساء للزي العسكري في دارفور ليست جديدة، لكنها تصاعدت بشكل غير مسبوق في هذه الحرب". ويوضح "المرأة الدارفورية كانت دائما في قلب المعركة، لكن دورها كان مقتصرا على الإسناد. واليوم، تغيّر المشهد. فهي لا تدير المعركة من الخلف، بل تقف في خط النار".

ويشير أتيم إلى أن "الحرب الحالية فرضت على النساء الخروج من الأدوار التقليدية، ليس رغبة في القتال، بل لأنهن لم يجدن من يحميهن".

مصدر الصورة محراب من العمل الإنساني التطوعي إلى القتال في الصفوف الأمامية (الجزيرة)

حلم العودة

من ناحيتها، تتحدث محراب آدم يوسف عن خوفها الأكبر، وتقول "قوات الدعم السريع عُرفت باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب. سمعت قصصا لا تُحكى عن نساء تعرضن للاغتصاب في الفاشر والجنينة. لم أرد أن أكون واحدة منهن". وتؤكد "أفضّل الموت على أن أتعرض للاغتصاب على أيديهم. لبست الزي العسكري لأحمي نفسي، وأحمي كل امرأة دارفورية تريد أن تعيش بكرامة".

إعلان

ورغم قسوة الحرب، لا تزال محراب تحلم بالعودة إلى الفاشر لكن "كمن ساهم في تحريرها". وتقول "أحلم باليوم الذي أدخل فيه الفاشر مرة أخرى. سأعود إلى بيتي، وسأمشي في شوارع مدينتي، لكنني لن أكون نفس المرأة. سأكون أكثر قوة وإصرارا".

وتضيف أن "المقاومة الشعبية والقوات المسلحة تحقق انتصارات متتالية في إقليمي كردفان ودارفور. أشعر أن اللحظة تقترب. قريبا سنحرر الفاشر، وسنعيد إليها الحياة".

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 14 مليون شخص بسبب الحرب في السودان منذ أبريل/نيسان 2023، بينما يواجه نحو 28 مليون شخص خطر الجوع الحاد.

وتشير تقارير منظمة أطباء بلا حدود إلى أن حالات العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع في دارفور بلغت 732 حالة موثقة في أقل من شهر واحد بين فبراير/شباط ويناير/كانون الثاني 2026.

وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول اتهاماتها باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، وعن وضع النساء في المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها، وذلك عبر التواصل مع الناطق الرسمي باسمها، لكنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا