في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تعني التفاهمات التجارية بين أمريكا والصين اقتراب التوصل إلى اتفاق شامل. فبين فول الصويا والمعادن النادرة والرقائق وأمن الطاقة، يحاول الطرفان حماية ما لا يمكن الاستغناء عنه الآن، فيما يستعد كل منهما لتقليل اعتماد الآخر عليه لاحقا.
لا تنهي الرسوم الجمركية مشكلة حين تكون المشكلة أعمق من السلع التي تعبر الميناء. تستطيع أمريكا رفع كلفة الواردات الصينية، وتستطيع الصين الرد برسوم أو تقييد مواد تحتاجها الصناعات الأمريكية، لكنّ أيا من الطرفين لا يستطيع في وقت قصير إعادة بناء شبكة المصانع والمعادن والتقنية التي جعلت اقتصاده مرتبطا بالآخر.
لهذا، لا ينبغي قراءة قمة واشنطن بوصفها محطة أخيرة في نزاع تجاري مر بمحطات في بوسان وبكين. الأصح أنها محاولة لتنظيم خصومة لا يملك أكبر اقتصادين في العالم كلفة تركها من دون ضوابط.
وفي تقرير أعده للجزيرة أحمد مرزوق، وضع هذه المفارقة في صلب القصة: الرسوم قد تبطئ مرور السلع عند الحدود، لكنها لا تعالج فائض القدرة الإنتاجية ولا تعيد توزيع السيطرة على المعادن والتقنية وسلاسل التوريد.
تنظر واشنطن إلى العجز التجاري وفائض الإنتاج الصناعي الصيني بوصفهما دليلا على منافسة غير متكافئة، وتراهن على الرسوم والقيود التقنية لحماية الصناعة المحلية وتعديل ميزان التجارة. لكن بكين ترى أن جزءا من الاختلال يرتبط بقيود تفرضها أمريكا على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى السوق الصينية.
وهنا تكمن العقدة: الرسم الجمركي يستطيع تقليص تدفق سلعة أو رفع سعرها، لكنه لا يغير مباشرة قرارات الدعم الصناعي ولا خطط الاستثمار ولا السيطرة على حلقات أساسية من الإنتاج.
وأشار تقرير أحمد مرزوق إلى أن الصين وسّعت أسواق صادراتها في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يفسر محدودية قدرة الرسوم وحدها على تغيير صورة التجارة العالمية. فالصراع لم يعد يدور حول ما يدخل إلى الموانئ الأمريكية فقط، بل حول من يصنع وما الذي يستطيع بيعه ومن يملك البديل حين تغلق سوق أو تتعطل مادة.
وبحسب ما أفادت به مراسلة الجزيرة في واشنطن أمينة أسريري، فقد سبقت لقاء الرئيسين محادثات مطولة بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس مجلس الدولة الصيني، هدفها تهيئة الملفات الاقتصادية قبل وصولها إلى الرئيسين.
وقالت أسريري إن التفاهمات شملت تمديد تجميد الرسوم الجمركية الانتقامية حتى يناير/كانون الثاني المقبل، بعد أن كان مقررا انتهاء الهدنة في نوفمبر/تشرين الثاني. كما نقلت التوصل إلى ترتيب لإدارة الرسوم المتبادلة على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار لكل طرف، مع استثناء الملفات المرتبطة بالأمن القومي.
هذه التفاصيل، إذا ثبتت في بيان مشترك، لا تعني انتهاء النزاع، بل تؤكد طبيعته الجديدة: استثناء ما لا يحتمل الطرفان تعطيله، وتأجيل ما لا يستطيعان حله.
تظهر المعادن النادرة لماذا انتقل النزاع من الرسوم إلى الإمدادات، فالصين ليست موردا لمادة خام فحسب، بل طرفا محوريا في الإنتاج والمعالجة وسلاسل الصناعات التي تستخدم هذه العناصر في المغناطيسات والمحركات والمركبات الكهربائية والمعدات الدفاعية والتقنيات المتقدمة.
ووفق ملخص المعادن لعام 2026 الصادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنتجت الصين نحو 270 ألف طن من العناصر الأرضية النادرة عام 2025، من إجمالي عالمي يقدر بنحو 390 ألف طن. كما جاءت 71% من واردات أمريكا من مركبات ومعادن العناصر الأرضية النادرة بين عامي 2021 و2024 من الصين، بينما بلغ اعتماد أمريكا الصافي على الواردات منها 67% من الاستهلاك الظاهر في 2025.
وهذا ما يجعل فك الاعتماد عملية بطيئة، فإنتاج المعدن ليس سوى الحلقة الأولى، بينما تتطلب المعالجة وبناء المصانع وتطوير البدائل استثمارات طويلة ووقتا وخبرة صناعية لا يوفرها قرار جمركي.
وفي قراءة لموازين القمة، قال جيف هاوسر، من المركز الأمريكي للدراسات الاقتصادية والسياسية، إن إدارة ترمب تريد بوضوح أن تمارس الصين ضغوطا على إيران، لكنه لا يتوقع أن تقوض بكين علاقتها مع طهران، نظرا إلى أهميتها في حسابات الطاقة الصينية.
وأضاف هاوسر أن الصين لا تبدو مستعدة لتقديم تنازل إستراتيجي مقابل حفاوة الاستقبال أو الرمزية البروتوكولية، قائلا إن الصينيين "لا يهتمون بالصور والرمزية بقدر اهتمامهم بمصالحهم الحقيقية على المدى البعيد".
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ملف هرمز، فاضطراب النقل والطاقة لا يحول المضيق إلى بند تجاري عادي، لكنه يرفع كلفة الخصومة على الطرفين. الصين تحتاج إلى أمن تدفقات الطاقة، وأمريكا تريد منع أي صدمة جديدة من الوصول إلى الأسواق والصناعة والأسعار.
لا تملك بكين ورقة المعادن وحدها، كما لا تملك واشنطن ورقة التكنولوجيا وحدها. فالمواجهة تشمل الرقائق والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والاستثمار والتمويل، وهي ملفات لا يبدو أن القمة حسمتها.
وقال هاوسر إن تفوق أمريكا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي "أضيق مما يعتقد"، معتبرا أن إدراك واشنطن لقوة الصين في المعادن النادرة يجعل موقعها التفاوضي أقل صلابة مما توحي به الخطابات السياسية.
وهذا لا يعني تساوي أوراق الطرفين، بل يعني أن كل طرف يستطيع إيلام الآخر في نقطة يصعب تعويضها بسرعة: أمريكا عبر التكنولوجيا المتقدمة، والصين عبر المعادن والمعالجة والسوق والإنتاج.
لا يتفاوض الطرفان على إنهاء الاعتماد المتبادل، بل على إدارة كلفته. ما السلع التي تبقى خارج الصراع؟ وما القيود التي يمكن تأجيلها؟ ومن يملك الوقت الأطول لبناء بدائل؟
تحتاج أمريكا في المدى القصير إلى تدفق مواد تدخل في صناعاتها، لكنها تعمل في المدى الأبعد على خفض اعتمادها على الصين. وتحتاج الصين إلى سوق أمريكية مستقرة لصادراتها، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تقليص تعرضها للقيود الأمريكية على الرقائق والتقنية.
لذلك، لا تقاس نتيجة قمة واشنطن بعدد الصور أو بطول الهدنة. المقياس الحقيقي هو ما إذا كانت ستمنع انتقال المنافسة من الجمارك إلى التعطيل: تعطيل خط إنتاج، أو إرباك مزارع ينتظر مشتريا، أو رفع كلفة جهاز يعتمد على مكون تقني مقيد.
الرسوم لم تحل المشكلة لأنها عالجت التجارة عند نهايتها، فيما بقيت أسباب الخلاف داخل نموذج الإنتاج والتقنية وسلاسل الإمداد. ولهذا تبدو القمة أقل شبها باتفاق ينهي النزاع، وأكثر شبها بغرفة تحكم تحاول إبقاء منافسة كبرى تحت سقف يمكن احتماله.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة