آخر الأخبار

رسالة من سجين.. قصة 50 عاما من الصداقة و7 سنوات من العداء بين رئيسين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"إن مضمون هذه الرسالة لا يشكل بأي حال من الأحوال توسلا، ولا بالأحرى، تعبيرا عن اليأس أمام الظلم الذي دُبر ضدي". لم تكن هذه الفقرة غير ومضة من الرسالة الغاضبة التي وجهها الرئيس الموريتاني السابق السجين محمد ولد عبد العزيز إلى خلفه الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.

جاءت الرسالة -التي نشرتها وسائل إعلام موريتانية عدة- مفعمة بلغة تحذيرية حادة تتجاوز نبرة الرجاء والالتماس، لتقدم مرافعة سياسية وقانونية وحقوقية تنتقد مسار المحاكمة وأوضاع السجن وتحمّل السلطة ورئيسها مسؤولية تاريخية مباشرة عن تداعيات الوضع الصحي لصاحبها، وما قد تؤول إليه حالته مستقبلا.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 سفينة طبية صينية تعالج مئات المرضى مجانا في نواكشوط
* list 2 of 2 كنز موريتانيا الأزرق في خطر.. هل يعاد رسم خريطة الأسماك في الأطلسي؟ end of list

وفي التفاصيل تقدم الرسالة -المنسوبة لولد عبد العزيز- صورة كالحة عن رجل يقتات المرض من جسمه وينحت السجن ما أبقت منه السنون التي قاربت السبعين، وجاءت -وفق ما يقول أنصاره- لتكسر الصمت الذي أحاط بالرجل وقضيته.

ورغم تركيز الرسالة بقوة على الحق في العلاج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإنها أيضا جددت وبقوة اتهام الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني بالمسؤولية تدبيرا أو إقرارا عما آلت إليه صحة وحرية الرئيس الذي حمل لعقد لقبي رئيس الفقراء والعمل الإسلامي ثم جاءت بعد ذاك صروف دهر صرفنه إلى المحاكم والسجون.

5 عقود من الصداقة و7 سنوات من الخصومة

ورغم أن الرسالة لم يتم تأكيدها من عائلة الرجل، فإنها تداولتها وسائل الإعلام الموريتانية على نطاق واسع، وأعادت إلى دائرة الاهتمام قصة علاقة طويلة وممتدة بين رجلين جمعت بينهما الدراسة والمهنة والمصاهرة والرئاسة وأشياء أخرى كثيرة.

ولم يكن عامة الناس في موريتانيا يتوقعون أن تنتهي العلاقة بين من يُعرفون في موريتانيا بـ"المحمدين" (محمد ولد عبد العزيز، ومحمد ولد الغزواني) إلى مثل هذا السوء، وأن يتهم أنصار الأخير منهما -وفق ما نقلت العديد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل- الأول بمحاولة الإطاحة به بعد أن تسلم منه السلطة، وقبل ذلك بنهب المال العام والإثراء الهائل بعد أن حمل اسم رئيس الفقراء.

إعلان

لكنّ العارفين بالرجلين، بل أغلب الطيف السياسي المحيط بهما كان واثقا بأن نهاية العلاقة بين الرجلين صراع لا بد أن يحتدم أواره، والناس مختلفون عند بدء ظهور الأزمة في دركات القاع الذي يمكن أن تنحدر إليه مآلات تلك العلاقة.

كان المقربون من الرئيس السجين محمد ولد عبد العزيز يبالغون في ما يصفونه بـ"خضوع" الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، ويؤكدون أن سلم التفكير والولاء السياسي عند الرجل يضع الرئيس محمد ولد عبد العزيز في مرحلة متقدمة جدا.

أما المقربون من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فقد كانوا يجزمون منذ 2019 بأن الرئيس السابق استنزف كل رصيد لديه من الثقة، وتصاعدت أسهمه من العداوة تجاه خلفه ولد الشيخ الغزواني.

وقبل هذا التاريخ الحاسم في مسار الرجلين، كانت العلاقة بينهما قد امتدت قرابة 50 عاما من عمرها، قوية ذات عنفوان شبابي كبير، ثم هادئة قائمة على المصالح المتبادلة، ولما أمسكا برتاج العقد السابع من أعمارهما، صرح الشر عن ناجذيه، ودقت الرئاسة بينهما عطر منشم كما يقول العرب.

اجتمع المحمدان في الكلية العسكرية في مكناس المغربية، رفقة عدد من الضباط الكبار من بينهم وزير الدفاع الحالي حننا ولد سيدي، كانت تخصصاتهما مختلفة، ثم توالت بعد ذلك ظروف العلاقة ليشتركا في مصاهرات أسرية قريبة، لتتعزز العلاقة بينهما بشكل كبير.

لاحقا سيكون الرجلان أهم العناصر التي تصدرت المشهد العسكري والأمني في موريتانيا بعد عام 2000، وبالذات عقب فشل انقلاب 2003 الذي قاده الرائد والسياسي الحالي صالح ولد حننا، حيث كان ولد عبد العزيز في تلك السنوات يتولى قيادة الحرس الرئاسي، فيما تولى ولد الشيخ الغزواني قيادة المكتب الثالث (الاستخبارات العسكرية) بقيادة أركان الجيوش الموريتانية.

ولم يطل انتظار الضابطين مجددا، حتى نفّذا بالشراكة انقلابا عسكريا في الثالث من أغسطس/آب 2005 وأطاحا بالرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، ثم جلسا في الظل، وقدما للعالم رجلين آخرين هما: الرئيس الأسبق الراحل إعل ولد محمد فال رئيسا للدولة، والمرشح الرئاسي السابق سيد محمد ولد ببكر وزيرا أول ضمن فترة انتقالية أشاد بها العالم وكانت مفارقة في التاريخ السياسي للعسكر العربي.. حمل على أثرها ولد محمد فال لقب سوار الذهب الموريتاني.

ورغم عدم تصدرهما، فقد ظهر الرجلان متحكمين بقوة في المشهد السياسي، وحاضرين بقوة في تقاسم الحكومة التي أشرفت على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية وعلى مرحلة انتقالية مثلت يومها الأسطورة الموريتانية في الديمقراطية حين انتهت باختيار رئيس مدني في انتخابات لم يترشح لها أحد من قادة المجلس العسكري.

أول صدع في جدار العلاقة

وسرعان ما انقضى الفاصل المدني في حكم موريتانيا وعاد الرجلان الجالسان في الظل (محمد ولد عبد العزيز، وصديقه محمد ولد الغزواني) إلى البروز إلى أضواء السلطة وبهرجتها وهيلمانها، بالانقضاض عليها من جديد، وإزاحة الرئيس المرحوم ولد الشيخ عبد الله، والزج به في السجن، والرمي بالتجربة الديمقراطية الوليدة في سلة المهملات.

هكذا نظر الموريتانيون حينها إلى ما جرى، بيد أن أنصار الرئيس الحالي، يقولون إن أحداث تلك الأيام وتطوراتها التي انتهت بالانقلاب على أول رئيس مدني منتخب للبلاد، تمثل أول تصدع في جدار العلاقة بين الرجلين.

إعلان

ويقولون إنه حينما قرر الرئيس محمد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الإطاحة بأربع قادة من الجيش من بينهم المحمدان، كان ولد الغزواني يومها في باديته قرب مدينة كيفة (عاصمة محافظة لعصابة في وسط البلاد)، ولم يكن شريكا مباشرا في الانقلاب، لكنه مثل بقية الضباط وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع وأحداث متسارعة، تمثل في إقالات لكبار قادة المؤسسة العسكرية، ثم خطوة عكسية أنهت على الفور أقل من سنتين من حكم مدني في ثنايا 50 سنة من الحكم العسكري المباشر أو بأثواب مدنية شفافة.

وسواء كان ولد الغزواني شريكا مباشرا في الانقلاب، أو التحق به بعد وقوعه، أو كان رافضا أو مقتنعا به، فقد مثل عمليا الرجل الثاني في النظام الجديد، وأحد أبرز قادة المجلس العسكري الذي تشكل على الفور، كما كان واضحا -في تفاصيل المشهد اللاحق- حجم التقاسم بين الرجلين ومقربيهما في تشكيلات الحكومة.

وبالإضافة إلى عضويته في المجلس العسكري، فقد صعد ولد الشيخ الغزواني إلى قيادة الجيش، حيث مكث هنالك 10 سنوات صنع فيها التحولات الكبرى للمؤسسة العسكرية الموريتانية، مركّزا على بعد التمهين وتطوير عتاد وعلاقات المؤسسة العسكرية، فيما كان للرئيس محمد ولد عبد العزيز الدولة وما فيها من سلطة ونفوذ وعلاقات وقوة ومال.

كانت السنوات العشر عاصفة جدا، وكان ولد الشيخ الغزواني عنصر تهدئة بين النظام وخصومه السياسيين دون أن يتمكن من منع انهيارات قوية في العلاقة بين ولد عبد العزيز وبعض القوى السياسة المحلية والجيران.

انهيار الثقة على مشارف الرئاسة

بعد انقلاب 2008، وما قيل إنه أول شرخ في علاقة الرجلين، جاء الامتحان الذي بدا حينها أنه قد يكون الأصعب، مع انتهاء المأمورية الثانية والأخيرة للرئيس محمد ولد عبد العزيز في عام 2019.

تشير المصادر الموريتانية أن حجم التباين بين الطرفين على مشارف رئاسيات 2019، كان كبيرا، ووفق تلك الروايات المتداولة في الأوساط السياسية الموريتانية، وبالذات من أنصار الرئيس الحالي، والتي لم تؤكدها جهات رسمية، فقد أخذت الأزمة عدة أبعاد أبرزها:

– سعي الرئيس السابق إلى مأمورية ثالثة لتعزيز بقائه في السلطة، وعند تصدي قادة المؤسسة العسكرية انتقل إلى المسار الثاني.

– السعي لفرض جولة ثانية في الانتخابات الرئاسية التي ترشح لها غزواني، مع أقرب منافسيه، وهو أيضا سيناريو فشل في النهاية بعدما حسمت أصوات الأغلبية لصالح ولد الشيخ الغزواني.

– فيما كان الخيار الثالث وفق خصوم ولد عبد العزيز هو محاولة التحكم في الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني ثم محاولة الإطاحة به في عرض عسكري أقيم في مدينة أكجوجت شمالي موريتانيا في نوفمبر/تشرين أول 2019، حيث تردد حينها أن قوات النخبة في الجيش الموريتاني قامت باعتقال قادة في الحرس الرئاسي مرتبطين ولاء وتكوينا بالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

والمؤكد أن الصراع بدأ بعد ذلك يخرج عن السيطرة، بين مسارين غير متكافئين رئيس سابق انفض عنه سامر أنصاره، ولم يبق له غير ما يصفه خصومه بثراء هائل وعنفوان من المواجهة والاستفزاز، ونظام بدا أنه قوي ومتماسك، ولا يمكن التكهن بما يمكن أن يقدم عليه.

لجنة التحقيق البرلمانية.. الطريق المعبّد إلى السجن

أخرج البرلمان الموريتاني "أضغانه" تجاه الرئيس السابق، وبدا أن القدر يستعيد معه خطواته عندما شكل أنصاره في مجلس الشيوخ سنة 2008 لجنة للتحقيق مع ختو بنت البخاري حرم الرئيس الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بشأن ما قيل إنها تهم فساد واستغلال نفوذ وجمع أموال من جهات داخلية وخارجية بطرق غير شرعية لصالح جمعية خيرية تشرف عليها، وذلك بعيد أشهر من الانقلاب على زوجها، والزج به في السجن.

وضاقت الأرض بما رحبت على الرجل الذي كان يهابه الرجال، ويحسب له الداخل والخارج أكثر من حساب، ثم بدأت الأدلة تحاصره، وهو يعوذ بـ"كبريائه" وفق خصومه، وببراءته وفق أنصاره، ويرفض الرد على الأسئلة، قبل أن يبدأ الاعتقال ثم سلسلة المحاكمات التي انتهت بإدانته ومجموعة قليلة من المقربين منه، وألقت بهم وبه في غيابات سجن يُفترض -وفق آخر الأحكام التي صدرت بحقه- أن يمتد 15 عاما، وقد مضت منها نحو 4 سنوات قاسية.

الرسالة المفتوحة.. "كبرياء" في وحل السجن

أعادت رسالة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ملفه إلى الواجهة، بعد أن أغرقته يوميات الحراك السياسي المطالب بمأمورية ثالثة للرئيس الحالي، وغيرها من الملفات السياسة الساخنة في خريف موريتاني غير ماطر.

إعلان

وتتحدث الرسالة تفصيلا عن معاناة صاحبها من "اضطرابات تنفسية خطيرة أصبحت مزمنة"، تمنع النوم ليلا، إلى جانب مشاكل سابقة في الجهاز الدوري والقلب، فضلا عن خشونة شديدة من الدرجة الرابعة في مفصلي الركبتين تستدعي زراعة مفاصل اصطناعية.

وينتقد ولد عبد العزيز في رسالته عدم السماح له بالسفر للعلاج، معتبرا أن مسؤولية هذا المنع ليست قابلة للقسمة، ولا المساومة، "حتى إن إتاحة العلاج ولو متأخرا ولو في مشافٍ خارجية كما نقرأ في التاريخ الحديث لبلادنا، لا تؤثر في التكييف ولاما يترتب عليه".

ويلمّح ولد عبد العزيز في إحالته تلك إلى سماح قادة الانقلاب العسكري سنة 1979 للرئيس الموريتاني المؤسس المختار ولد داداه بالسفر من سجنه في قلعة ولاته أقصى نقطة في شرق موريتانيا إلى فرنسا للعلاج، وذلك بعد إلحاح قوى دولية من أجل ذلك، وبعد سفره إلى فرنس رفضت باريس إعادته إلى موريتانيا ونسب سياسيون موريتانيون إلى الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان قوله إنه ليس من تقاليد فرنسا تسليم مسن مريض إلى خصومه ليعيدوه إلى السجن، وإنه "يرفض أن تكون فرنسا امتدادا للسجون الموريتانية".

وفيما يكمل ولد عبد العزيز عامه السبعين وهو سجين منذ سنوات، ويكمل ولد الشيخ الغزواني هو الآخر سبعينه وهو رئيس البلاد، تبدو العلاقة بين الرجلين واحدة من أكثر القصص المتكررة بين من خلف وسلف من الحكام، وبين من قبض على الحكم بكلتا يديه، ومن تصور يوما أن مقعد الحكم قابل للشراكة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا