(CNN) -- وجه التقدم الميداني الكبير الذي أحرزته مؤخراً جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن - بما في ذلك الاستيلاء على جزيرة ذات أهمية استراتيجية في البحر الأحمر - ضربة أخرى لمنطقة تعاني بالفعل من تداعيات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، كما فاقم من حدة أزمة الطاقة العالمية الخانقة أصلاً.
ورغم إقرار المسؤولين الأمريكيين بأن الجماعة تتقدم بهدف السيطرة في نهاية المطاف على مضيق باب المندب الحيوي، إلا أن إدارة ترامب تشير إلى عدم رغبتها في استخدام القوة العسكرية الأمريكية لوقفهم، معتمدةً بدلاً من ذلك على المملكة العربية السعودية للقيام بهذه المهمة.
لم تكن تحركات الحوثيين مفاجئة للمصادر في المنطقة أو للدبلوماسيين السابقين، إذ كانت نقاط الضعف لدى القوات اليمنية المدعومة من السعودية معروفة جيداً. وذكر مسؤولون أمريكيون أن تقارير الاستخبارات الأمريكية أشارت، على مدى أشهر، إلى أن الجماعة ستحاول إغلاق ممر مائي رئيسي آخر للملاحة التجارية، على غرار ما فعلته إيران في وقت سابق من هذا العام .
ومع ذلك، ترى الولايات المتحدة أنها توفر حالياً للسعودية كل ما تحتاجه لتحقيق النجاح في مواجهة الحوثيين، حسبما صرح مسؤول أمريكي لشبكة CNN ، مشيراً إلى الزيادة الأخيرة في تبادل الدعم الاستخباراتي وبيانات تحديد الأهداف مع المملكة. كما أكدت المملكة للمسؤولين الأمريكيين ثقتها في قدراتها العسكرية، وذلك بعد نحو عقد من تدريب جيش الحكومة اليمنية، وفقاً لما ذكره مصدران للشبكة .
وكانت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية قد بدأت قتال الحوثيين -الذين يتلقون الدعم والتدريب من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني- قبل أكثر من عقد من الزمان خلال الحرب الأهلية العنيفة في اليمن. وقد أدت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022 إلى فترة شهدت مستويات منخفضة نسبياً من الأعمال العدائية بين الجانبين.
دأبت السعودية على تدريب الجيش اليمني منذ نحو عقد من الزمن، إلا أن هذه القوات عجزت -حتى الآن- عن صد الحوثيين بفعالية، ورغم أن الضربات السعودية -المدعومة بمعلومات استخباراتية أمريكية وقدرات استهداف دقيق- قد حالت دون إحكام الميليشيا قبضتها على بعض المناطق التي استولت عليها، فإن التقدم الذي أحرزته تلك الميليشيا لم يُصدَّ بالكامل.
وأفادت مصادر بأن كبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية تجاهلوا إلى حد كبير التهديد الذي يشكله الحوثيون على مدى العقد الماضي، وذلك رغم تحذيرات مسؤولين أمريكيين من مستويات أدنى وأطراف إقليمية بضرورة إيلاء اهتمام أكبر لهذه الجماعة المتمردة مع تزايد قوتها. كما كشفت الحملة العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين العام الماضي عن محدودية القدرات النارية الأمريكية؛ إذ فشلت أشهر من القصف في القضاء فعلياً على موطئ قدم الجماعة داخل اليمن، وانتهت بوقف مفاجئ لإطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين .
وقال المسؤول الأمريكي إن الولايات المتحدة "ثبّتت وقف إطلاق النار" مع الحوثيين خلال اجتماع عُقد في سلطنة عمان في عطلة نهاية الأسبوع؛ وهي خطوة تعكس عدم رغبة الإدارة الأمريكية في الانخراط في الصراع .
وصرح مسؤول حوثي بارز مطلع على الأمر لشبكة CNN ، الخميس قائلاً: "لقد بعث الأمريكيون برسالة مفادها أنهم لا يريدون الانضمام إلى السعوديين أو أن يكونوا طرفاً في الصراع".
وأضاف المصدر: "لقد تلقينا هذه الرسالة بإيجابية".
ويقول بعض المسؤولين الأمريكيين -الحاليين والسابقين- إنه كان هناك اعتقاد بأن القوة النارية التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، مقترنةً باستثماراتها في الجيش اليمني، من شأنها أن تشكّل ثقلاً موازناً لهجمات الحوثيين؛ إلا أن هذا التوقع للآن لم يتحقق على أرض الواقع.
ويرى آخرون أن النجاحات التي حققها الحوثيون لا تُعد مفاجئة، لا سيما بالنظر إلى تماسك الميليشيا والدعم الذي تتلقاه من إيران .
وفي هذا الصدد، قالت ليف -وهي مساعدة سابقة لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى-: "يتمتع الحوثيون بعلاقة عميقة ومثمرة للغاية مع (الحرس الثوري الإسلامي)؛ فقد تولى الحرس تدريبهم ونقلهم نقلة نوعية كبيرة، محولاً إياهم من مقاتلين بدائيين يختبئون في الكهوف -كما كانوا عليه قبل 12 عاماً- إلى قوة قادرة حقاً على إلحاق دمار هائل".
وتابعت قائلة: "لقد أمضى الحوثيون وقتاً طويلاً خلال الأشهر الماضية في إعداد قواتهم لمثل هذه الخطوة تحديداً. لقد اخترقوا صفوف القوات المتحالفة مع السعودية والحكومة اليمنية -وهو أمر لم يكن مفاجئاً- إذ اخترقوها ببساطة، لتتفكك تلك القوات وتنهار".
ومع تزايد الوضوح بأن الحكومة المدعومة من السعودية ستحتاج إلى المزيد من الموارد لمواجهة الحوثيين، تجد المملكة نفسها أمام ضغوط هائلة نتيجة تعاملها مع مجموعة واسعة من التحديات الناجمة عن الحرب المستمرة، بما في ذلك الهجوم الأخير على خط أنابيب النفط (شرق-غرب)، والعمل مع الجيش الأمريكي لضمان حركة ناقلات النفط عبر المضيق، والحفاظ على ممر بري مفتوح لنقل الموارد الحيوية عبر المنطقة .
كما أقدمت المملكة العربية السعودية في الأيام الأخيرة على خفض صادراتها النفطية إلى أوروبا لشهر سبتمبر، مما أثار مخاوف من احتمال تفاقم أزمة الطاقة العالمية.
ومن المرجح أن يتطلب أي تصدٍّ فعّال من جانب القوات المدعومة من السعودية في اليمن إرسال المزيد من القوات البرية -سواء من المملكة أو من جهات أخرى- وإظهار التزام أمريكي واضح؛ غير أن أياً من هذين الأمرين لا يبدو مرجحاً .
وقال مصدر إقليمي آخر: "ينبغي على الأقل أن يظل احتمال التدخل الأمريكي قائماً ليشكل عامل ردع؛ فاستبعاد هذا الخيار دون داعٍ من شأنه أن يُحبط المعنويات، ولا سيما لدى اليمنيين الموجودين على الأرض".
كما أعربت مصادر خليجية وأمريكية عن شكوكها بشأن إمكانية حسم التصعيد الحوثي عسكرياً بشكل كامل.
المصدر:
سي ان ان