عدن- داخل عشة من القماش والكرتون والخشب في مدينة عدن، جنوبي اليمن، يتقاسم 42 شخصا من 11 أسرة مساحة لا تكاد تتسع لأسرة واحدة، إذ لا تقيهم العشة من حر المدينة ولا من أمطارها، لكنها كانت المأوى الوحيد المتاح لهم بعد رحلة نزوح استمرت أيامًا من الساحل الغربي.
وصلوا بلا متاع، فاستقبلهم قريبهم محمد أحمد صالح، وهو نفسه نازح من الحديدة يعيش منذ 6 سنوات في مخيم بمديرية البريقة غربي العاصمة المؤقتة عدن. فتح لهم ما تبقى من مساحة داخل عشته، رغم أنها بالكاد كانت تستوعب أسرته.
لم تكن تنتظرهم خيام مجهزة، ولا فرش أو حصص غذائية عند الوصول.
وهكذا وجد نازح قديم نفسه مضيفا لنازحين جدد، في مشهد يتكرر داخل مخيمات المدينة: أسر تفر بلا شيء، وجرحى يحتاجون إلى العلاج، وأطفال فقدوا ذويهم، في حين تتزايد أعداد الوافدين أسرع من عمليات الحصر وتجهيز أماكن لإيوائهم.
من بين الوافدين أحمد حسن مرزوق، الذي فر من المخا مع زوجته وأطفالهما الخمسة، والذي يصف الطريق إلى عدن بأنه كان "أشبه بيوم الحشر".
ويقول للجزيرة نت: "كنا نمشي والرصاص والقصف من حولنا، والسيارات تحترق على الطريق، احترقت بيوتنا بعد أن غادرنا، وخرجنا بلا شيء، لا وثائق ولا بطاقات هوية. نجونا بأرواحنا فقط".
ولم يكن الخروج من المخا يعني الوصول إلى الأمان سريعا، فمع عدم توافر وسائل النقل، اضطرت الأسر إلى قطع أجزاء من الطريق سيرا على الأقدام.
وبحسب أحمد، استقلت الأسرة لاحقا عربات عسكرية تابعة لقوات طارق صالح كانت تنسحب من المخا باتجاه ذو باب ثم مديرية المضاربة، قبل أن تواصل طريقها على متن مركبات مارة حتى بلغت عدن.
استغرقت الرحلة نحو أسبوع، ووصل أحمد والأسر التي نزحت برفقته إلى عدن في 14 سبتمبر/أيلول، منهكين من طول الطريق والتنقل المتكرر، ومن دون طعام أو متاع كافٍ.
لكن الوصول أنهى رحلة القصف، لا المعاناة، ففي المخيم، حل قلق الطعام والعلاج محل الخوف من الطريق. ويضيف أحمد: "الوضع قاسٍ، والمعاناة لا توصف، والجوع لا يرحم. حتى الآن لا نعرف من أين سنأتي بوجبة العشاء".
وبين النازحين الـ42 ستة جرحى، وفق أحمد، أصيب بعضهم بالرصاص وآخرون بشظايا القصف. ومن بينهم عبد القادر حسن مرزوق، الذي يتحرك مستندا إلى عكازين بعد إصابته بشظية في ساقه اليمنى.
ويضيف أن "بعض النساء والأطفال يعانون مشكلات في السمع جراء شدة الانفجارات، مشيرا إلى أن أطباء أبلغوهم بتأثر طبلة الأذن لدى بعض الحالات".
أما رداد محمد رزق، فلم يكمل عامه الرابع. ويقول أحمد مرزوق إن القصف قتل والديه وشقيقه، ولم يتبقَّ له أحد من أسرته، فحمله معه خلال رحلة النزوح حتى وصلوا إلى عدن. وفي باحة المخيم، يحتضنه أحمد حينا، ثم يتركه ليلعب مع أطفال آخرين.
ولم تكن قصة أحمد وعائلته استثناءً، ففي المخيم نفسه، وصل حسين محمد مرزوق مع أسرته المكونة من 6 أشخاص بعدما فروا من المخا تحت قصف شديد، ويقول إنهم لم يحملوا سوى الملابس التي كانت عليهم بعدما احترق منزلهم، وفق روايته.
نجت الأسرة من القصف، لكنها بدأت في عدن رحلة من نوع آخر: البحث عن مأوى وطعام يعينانها على حياة مؤقتة لا تعرف كم ستطول.
لكن العثور على مأوى في عدن لا يعني الوصول إلى مكان مهيأ لاستقبال الوافدين، فكثير من الأسر وجدت أول سقف لها لدى نازحين سبقوها إلى المدينة، وما زالوا هم أنفسهم يعيشون في مساكن هشة.
وتختصر عشة محمد أحمد صالح هذه المفارقة. فحين وصلت الأسر الـ11، لم يكن لدى الرجل، النازح أصلا من الحديدة، ما يقدمه سوى المساحة الضيقة التي بناها من الخشب والكرتون وقطع القماش.
وعند ركن شبه مكشوف للطهي، تقف زوجته مريم عيدروس إلى جوار قدور وأوعية مبعثرة، من دون مؤن تكفي عشرات الأشخاص. وتقول إن العشة التي كانت بالكاد تستوعب أسرتها أصبحت مكانا للنوم والجلوس والطهي لـ42 شخصا، بينهم أطفال وجرحى.
وليست عشة محمد حالة منفردة، ففي المخيم نفسه، تعيش جواهر صالح القصة نفسها بصورة مختلفة. نزحت عام 2019، ولا تزال تقيم في عشة داخل مخيم لنازحين قدامى، لكنها فتحتها الآن لـ3 أسر من أقاربها وصلت حديثا من الساحل الغربي.
وتقول جواهر إن إحدى الأسر فقدت والدها وطفلين في القصف، في حين فقدت أسرة أخرى أحد أبنائها، ولا يزال مصير الأب مجهولا، بينما يتلقى عدد من أفرادها العلاج من إصابات بشظايا.
لا يتسع مأواها لكل هؤلاء، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح حين لم تجد الأسر مكانا آخر تذهب إليه.
وخلف مشاهد المخيمات، تتسع موجة النزوح بسرعة تجعل حصيلتها تتغير من يوم إلى آخر. فقد سجل التقرير الموحد للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، المحدث في 14 سبتمبر/أيلول ببيانات حتى اليوم السابق، 13 ألفا و980 أسرة تضم 95 ألفا و324 شخصا في الحديدة و تعز ولحج وعدن و أبين و شبوة.
وجاءت تعز في صدارة المحافظات بنحو 54 ألفا و643 نازحا، تلتها لحج بـ19 ألفا و5 أشخاص، بينهم 12 ألفا و656 في مديرية المضاربة ورأس العارة.
لكن الحصيلة واصلت الارتفاع، ففي 15 سبتمبر/أيلول الجاري، قال مدير إدارة نظم المعلومات في رئاسة الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، الدكتور أحمد الأنصاري، للجزيرة نت إن الموجة بلغت قرابة 15 ألف أسرة تضم نحو 100 ألف شخص في 6 محافظات، في حين لا تزال عمليات الحصر والتقييم مستمرة.
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أمس الثلاثاء نزوح ما لا يقل عن 125 ألف شخص في أنحاء اليمن منذ بداية الشهر الجاري.
وتتقاطع هذه التقديرات مع بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي قالت في 15 سبتمبر/أيلول إن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ تجدد القتال، في حين فر آلاف آخرون بحرًا إلى جيبوتي، محذرة من أن انعدام الأمن وتضرر الطرق وتعطل الاتصالات وقيود الحركة تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
ومع اتساع الموجة، تتزايد الضغوط على الوحدة نفسها، إذ يوضح الأنصاري أنها تدير 646 مخيما و1045 تجمعا سكنيا في 108 مديريات، في ظل موازنة تشغيلية محدودة واعتماد جزء من فرقها على العمل التطوعي.
ويقول إن هذا الانتشار الواسع، مقابل شح التمويل، يحد من قدرة الفرق على مواكبة الاحتياجات، في وقت لا يزال فيه التدخل الإنساني في كثير من مناطق النزوح أقل من حجم الاحتياج.
ولا تبدأ معاناة كثير من الأسر مع هذه الموجة، فالأنصاري يقول إن مخيمات الخوخة وحيس في الحديدة كانت تضم نحو 18 ألف أسرة، تمثل قرابة 70 ألف نازح، قبل أن تدفع المعارك الأخيرة أعدادا منها إلى النزوح مرة أخرى.
وفي عدن، سجل تقرير الوحدة حتى 13 سبتمبر/أيلول 1180 أسرة تضم 5555 شخصا، مشيرا إلى أن غالبية الوافدين تقيم لدى عائلات مضيفة، وسط احتياجات عاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية والحماية.
لكن حركة الوصول بدت أسرع من تحديث البيانات. إذ يقول وكيل محافظة عدن لقطاع المشاريع، المهندس غسان الزامكي، للجزيرة نت إن عمليات الحصر كانت تشير، وقت تصريحه في 15 سبتمبر/أيلول، إلى وصول قرابة 3 آلاف أسرة إلى المدينة.
ولا يعكس الفارق بين الرقمين تناقضا بالضرورة، إذ يعودان إلى توقيتين ومنهجيتين مختلفتين، بينما تتوزع الأسر بين بيوت الأقارب والمخيمات القديمة ومواقع الإيواء الناشئة، وهو ما يجعل تثبيت حصيلة نهائية أكثر صعوبة.
ومع استمرار الوصول، يقول الأنصاري إن المخيمات القائمة في عدن بلغت طاقتها الاستيعابية، حيث اضطرت أسر إلى الإقامة في مساجد ومرافق حكومية، لتتحول المشكلة من مجرد حصر أعداد الوافدين إلى العثور على مكان يستوعبهم.
يتقاسم 42 نازحا من 11 أسرة عشة صغيرة داخل مخيم بالبريقة غربي العاصمة المؤقتة عدن (الجزيرة)وأمام هذا الضغط، تحاول السلطة المحلية توسيع قدرة المدينة على الاستيعاب، إذ يقول الزامكي إن العمل بدأ لتجهيز مخيم في مدينة الفردوس بمنطقة عمران غربي عدن، ليستوعب في مرحلته الأولى نحو ألف أسرة، مع نصب قرابة 50 خيمة يوميا بتمويل مباشر من السلطة المحلية.
ويضيف أنه، حتى وقت الإدلاء بتصريحه، "لم تتلق السلطة المحلية أي دعم من أي منظمة في هذا الجانب"، مشيرا إلى استمرار التواصل مع الحكومة لمخاطبة المنظمات الدولية وحشد دعم عاجل.
لكن التحدي لا يقتصر على توفير الأرض أو نصب الخيام، فالزامكي يقول إن تحويل المساحات المتاحة إلى مواقع إيواء يتطلب توفير المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، حتى لا تصبح مجرد تجمعات من الخيام.
وتتقاطع هذه الاحتياجات مع تقرير الوحدة التنفيذية، الذي وضع المأوى والغذاء ومياه الشرب والإصحاح البيئي والرعاية الصحية والحماية والمساعدات النقدية ضمن الأولويات العاجلة.
ومن جهته، يدعو الأنصاري إلى حشد تمويل دولي عاجل وتعزيز التنسيق مع السلطة المحلية، محذرا من أن إمكانات الاستجابة الحالية لا تواكب اتساع موجة النزوح.
نساء نازحات يجتمعن مع أطفالهن أمام عشش تفتقر إلى أبسط مقومات السكن في مخيم بالبريقة (الجزيرة)وبينما يجري تجهيز مخيمات ومساحات جديدة، تبدو في المواقع التي زارتها الجزيرة نت الفجوة بين سرعة الوصول وقدرة الاستجابة واضحة على الأرض.
تتلاصق العشش على جانبي ممرات ترابية ضيقة، وتتوزع خزانات مياه مشتركة تتجمع حولها مياه راكدة، بينما تتراكم أكوام النفايات قرب الأماكن التي يلعب فيها الأطفال.
وفي مثل هذه البيئة، لا تملك الأسر الوافدة ترف انتظار اكتمال مواقع الإيواء الجديدة، فهي تحتاج فورا إلى طعام وفراش وعلاج ووثائق بديلة ومساحة تحفظ قدرا من الخصوصية.
أما الأسر المضيفة، ومعظمها نازحة وفقيرة أصلا، فتتقاسم ما لديها مع الوافدين الجدد، حتى يتضاءل نصيب الجميع من الطعام والمساحة والخدمات.
وفي باحة المخيم، يعود رداد إلى اللعب مع أقرانه بعد رحلة فقد خلالها والديه وشقيقه، بينما يبقى سؤال أحمد عن وجبة العشاء بلا جواب، فالوصول إلى عدن أنهى رحلة الفرار من القصف، لكنه لم ينهِ المعاناة، إذ نجا النازحون بأرواحهم، في حين ظلت حاجتهم قائمة إلى مأوى يقيهم، وعلاج لجرحاهم، وطعام يكفي يومهم التالي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة