آخر الأخبار

البركان الكامن.. لماذا يؤجل المغرب ملف سبتة ومليلية؟

شارك

تعامل مسؤولو المغرب وإسبانيا مع تداعيات موجة الهجرة إلى مدينة سبتة في أواخر يوليو/تموز 2026، حتى الآن، بحذر شديد، إذ حرصوا على انتقاء كلماتهم بعناية، تفاديا لأي سوء فهم أو تأويل من جانب الطرف الآخر. ويعكس هذا الحذر، إلى جانب الأبعاد المتنوعة التي اتسم بها هذا الحدث، طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية وتعقيداتها.

تتميز العلاقات المغربية الإسبانية بدرجة عالية من الترابط والاعتماد المتبادل، لكنها أيضا تتسم بالحذر والتوجس.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 تحاصرهم 14 مستوطنة.. كيف يعيش سكان "بيت سكاريا" الفلسطينية؟
* list 2 of 2 في أول اعتراف علني.. مسؤول أمريكي: واشنطن تمتلك أسلحة في الفضاء end of list

وقد ساهمت عوامل كثيرة في تكريس هذه الوضعية، ومن ضمنها الإرث الاستعماري الثقيل، واستمرار احتلال إسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية وجزر مغربية على الساحل المتوسطي، وعدم الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بينهما، سواء في البحر الأبيض المتوسط أو على الساحل الأطلسي قبالة جزر الكناري.

وهذا ما يجعل هذه العلاقات شديدة الحساسية تجاه الأحداث السياسية والأمنية والتحولات الاقتصادية بين البلدين.

وقد أضافت الهجرة بعدا آخر إلى هذا الاعتماد المتبادل، إذ أصبحت في بعض الأحيان متداخلة مع أبعاد جيوسياسية أوسع.

تعد قضية مدينتي سبتة ومليلية والجزر المغربية في البحر الأبيض المتوسط التي لا تزال تحتلها إسبانيا بمثابة حجر مزعج في حذاء العلاقات بين البلدين، إذ تظل مصدرا كامنا للتوتر، يمكن أن يتجدد في أي لحظة

فعلى سبيل المثال، فتحت موجتا الهجرة الجماعية غير النظامية إلى سبتة في عامي 2021 و2026 النقاش حول إمكانية تحويل قضية الهجرة إلى أداة للضغط والتفاوض، لكنها قد تفرض في الوقت ذاته تكاليف دبلوماسية وتؤدي إلى توتر العلاقات بين شريكين إستراتيجيين.

إضافة إلى هذه العوامل التاريخية والموضوعية، هناك عوامل أخرى تؤثر في طبيعة العلاقة بين البلدين، وتتمثل أساسا في التصورات والتمثلات المتبادلة بينهما.

فمثلا لم تتخل بعد شريحة واسعة من النخبة السياسية الإسبانية عن نظرتها التقليدية تجاه المغرب، إذ لا تزال تنظر إليه باعتباره تحديا أو تهديدا محتملا، وفي أحسن الأحوال منافسا، وليس شريكا. وهو ما يدفع بعض الأحزاب السياسية إلى توظيف المغرب كورقة سياسية أو انتخابية.

سبتة ومليلية: حجر في حذاء البلدين

تعد قضية مدينتي سبتة ومليلية والجزر المغربية في البحر الأبيض المتوسط التي لا تزال تحتلها إسبانيا بمثابة حجر مزعج في حذاء العلاقات بين البلدين، إذ تظل مصدرا كامنا للتوتر، يمكن أن يتجدد في أي لحظة.

إعلان

رغم أن المغرب لا ينفك يثير قضية هذه الأراضي المحتلة حفاظا على حقوقه حتى لا تسقط بالتقادم، فإنه لم يضع هذه القضية، بعد، على رأس أولويات سياسته الخارجية، لاعتبارات كثيرة، منها ما يتصل بالطبيعة المعقدة للملف بسبب قدم الوجود الإسباني في شمال المغرب وارتباطه بالسياق الأوروبي، ومنها ما يتعلق بتركيز الدبلوماسية المغربية على طي ملف قضية الصحراء، لأن فتح جبهات سياسية متعددة في الوقت نفسه قد يكون خيارا مكلفا.

لذلك، يبدو أن المغرب يؤجل وضع إستراتيجية واضحة لاسترجاع هذه المناطق في الوقت الراهن، لكن هذا لا يعني عدم وجود سياسة لتدبير هذه القضية، تقوم على مجموعة من القواعد.

إذ يحرص المغرب على إبقاء قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة حاضرة في خطاباته ووثائقه الرسمية وفي المحافل الدولية والإقليمية، حفاظا على الحقوق المغربية، مع ترسيخها في الوعي المغربي والدولي باعتبارها من آخر قضايا الاستعمار في أفريقيا.

علاوة على ذلك، يتجنب المغرب الدخول في أي ترتيبات ثنائية مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي قد تفسر باعتبارها اعترافا ضمنيا بشرعية الوجود الإسباني، كما يحرص على إبقاء القضية في إطار نزاع ثنائي مغربي–إسباني، مع الحد من تأثيرها على العلاقات بين البلدين وتحييد الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.

يحرص المغرب على إبقاء قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة حاضرة في خطاباته ووثائقه الرسمية وفي المحافل الدولية والإقليمية، حفاظا على الحقوق المغربية، مع ترسيخها في الوعي المغربي والدولي باعتبارها من آخر قضايا الاستعمار في أفريقيا

ومع ذلك، كلما اضطر المغرب إلى التعبير عن موقفه في المنظمات والمنتديات الدولية، حرص على توضيحه حتى لا يفسر سكوته على أنه إقرار بالأمر الواقع.

وعادة ما يرد الممثلون الإسبان على ذلك بهدوء، ثم تستمر الأمور على حالها دون أن تتطور، حتى الآن، إلى صدام دبلوماسي حول هذه القضية.

الصحراء وسبتة ومليلية وجبل طارق: لعبة الأوراق المتبادلة

هناك دائما علاقة تأثير متبادل بين قضية الصحراء وقضية سبتة ومليلية، وقد ظهر ذلك جليا خلال الأزمة السياسية بين المغرب وإسبانيا في عام 2021.

منذ انسحاب إسبانيا من الصحراء عام 1975، ظلت تمسك العصا من الوسط في موقفها من هذه القضية، ولم تقدم أي إشارة واضحة من شأنها أن تسهم في تسوية هذا النزاع، الذي كانت طرفا أساسيا في نشوئه، إلى غاية 18 مارس/آذار 2022، عندما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن إسبانيا تعتبر مقترح المغرب للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.

لا شك أن إسبانيا تدرك جيدا أن المغرب، بمجرد تسوية قضية الصحراء، سيفتح ملف سبتة ومليلية وباقي الجزر المحتلة.

وقد يفسر ذلك، إلى حد ما، عدم اضطلاع إسبانيا بدور إيجابي وفعال في تسويته، مع أن عليها مسؤولية تاريخية في المساهمة في إيجاد حل عادل لهذه القضية، وإنصاف المغرب الذي تعرض للاستعمار من قوى أوروبية متعددة منذ بداية القرن العشرين.

أما قضية جبل طارق، فرغم أن المغرب كان في البداية يربط حل قضية المناطق الخاضعة للسيطرة الإسبانية في شمال المغرب بتسوية مسألة جبل طارق، وهو ما عرف حسب تعبير الراحل محمد العربي المساري بـ "مذهب الحسن الثاني "، لكن مع منتصف عقد الثمانينات بدأ المغرب يفصل مستقبل سبتة ومليلية عن قضية جبل طارق.

تأجيل طرح قضية استرجاع سبتة ومليلية، والاكتفاء بالتأكيد المستمر على مغربيتهما، يمثل خيارا إستراتيجيا يراعي تعقيدات القضية وموازين القوى والظروف السياسية الراهنة. ولذلك، يحرص المغرب على الحفاظ على حقوقه وإبقاء القضية حاضرة، مع تجنب أزمات غير محسوبة

حيث أعلن الملك الراحل الحسن الثاني في عام 1987 خصوصية المدينتين مقارنة مع وضع جبل طارق وأنه لا مجال للمقارنة بينهما، على اعتبار أن جبل طارق موجود في أوروبا وتحت إدارة دولة أوروبية.

إعلان

كما دعا أيضا إلى تشكيل خلية تفكير مشتركة بين المغرب وإسبانيا للنظر في مستقبل سبتة ومليلية، غير أن إسبانيا لا تزال ترفض هذا المقترح حتى الآن.

ويعكس هذا التحول في الموقف المغربي إدراكا لخطورة ربط مصير المدينتين، بما لهما من خصوصيات تاريخية وقانونية وجغرافية وحضارية، بقضية جبل طارق التي تختلف عنهما اختلافا جوهريا.

بيد أنه عندما تستعيد إسبانيا جبل طارق يوما ما، سيكون لذلك تأثيرات جيوستراتيجية كبيرة في المنطقة والعالم، وستتحول مسألة السيطرة على المضيق إلى قضية دولية أكثر تعقيدا، ولن تنظر القوى الدولية بعين الرضا إلى احتمال تحكم إسبانيا في ضفتي ممر بحري دولي حيوي للتجارة وسلاسل الإمداد والنقل الدولي.

هدوء هش وتوتر كامن

ويمكن القول إن تأجيل طرح قضية استرجاع سبتة ومليلية، والاكتفاء بالتأكيد المستمر على مغربيتهما، يمثل خيارا إستراتيجيا يراعي تعقيدات القضية وموازين القوى والظروف السياسية الراهنة.

ولذلك، يحرص المغرب على الحفاظ على حقوقه وإبقاء القضية حاضرة، مع تجنب أزمات غير محسوبة قد تربك أولوياته الإستراتيجية، في انتظار ظروف أكثر ملاءمة للانتقال من تدبير النزاع إلى البحث في تسويته.

ورغم أن البلدين سيتمكنان على الأرجح من احتواء تداعيات أزمة الهجرة لهذا العام، فإن علاقاتهما ستظل مشوبة بالحذر والتوجس المتبادلين، وستكون عرضة للتأثر السريع إذا لم يلتزم الطرفان بالإطار الذي حدده البيان المشترك الصادر في أبريل/نيسان 2022، والذي رسم خارطة طريق للعلاقات بين البلدين، يتمثل أحد أهم عناصرها في "معالجة المواضيع ذات الاهتمام المشترك بروح من الثقة والتشاور، بعيدا عن الأعمال الأحادية أو فرض الأمر الواقع ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا