آخر الأخبار

من يحارب المفاوضات بإيران؟.. معركة داخلية تتجاوز واشنطن

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طهران- كلما وضعت طهران التفاوض مع واشنطن على جدول الأعمال أو تفاعلت مع الوساطات الإقليمية الرامية إلى إعادة الملف إلى طاولة المباحثات، تصاعدت على إثرها موجة هجمات على حكومة الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي ورئيس الوفد المفاوض رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، متجاوزة حدود النقد والتنافس السياسي إلى تنظيم احتجاجات وهتافات تطالب بـ"استقالة المفرطين بالمصالح الوطنية" ومحاكمتهم أحيانا.

ولم تعد التجمعات الليلية، المتواصلة منذ الليلة الأولى للحرب، مجرد منابر للتعبير عن الآراء السياسية، بل تحولت إلى ساحات لرسم ما تعتبره شريحة من الإيرانيين خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها، وإن كان هذا التوجه يستلزم مهاجمة بعض الوجوه البارزة على المستوى الوطني.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ناقلات تتخفى ليلا.. وزير الطاقة الأمريكي يتحدث للجزيرة عن شحنات النفط عبر هرمز
* list 2 of 2 إيران تعيد فتح المدارس وسط تحديات نفسية وعلمية end of list

فقد انتشرت مؤخرا مقاطع فيديو على منصات التواصل الإيرانية تظهر تجمعات هنا وهناك، وبحضور بعض نواب البرلمان ورجال الدين، حيث يوجه الخطيب شتائم غير مسبوقة إلى "دعاة التفاوض مع العدو" مفادها بأنه "كان يجب إعدام بعض المسؤولين الحاليين والسابقين" في مؤشر على حجم الانزياح الذي وصلت إليه المعركة السياسية رغم دعوات هرم السلطة بضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية.

عملية مبرمجة

يثير هذا التحول -وفق مراقبين- علامة استفهام تتجاوز الخلاف على بند تفاوضي إلى الصراع على من يحق له تحديد مسار الجمهورية الإيرانية، ومن يخشى تهميشه من معادلة السلطة إذا نجحت المبادرات التفاوضية.

وفي محاولة لفهم منطق جانبي الصراع، تحدثت الجزيرة نت إلى خبراء وناشطين سياسيين من التيارين المحافظ والإصلاحي اللذين تناوبا على حكم البلاد منذ ثورة 1979.

فيرى محمد علي أبطحي، وهو ناشط سياسي ورئيس مكتب الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، أن الهجمات على المفاوضين لا علاقة لها بالحرص على المصالح الوطنية، مؤكدا أن طيفا من السياسيين الإيرانيين يفضلون مبدأ التفاوض من أجل ضمان سيادة البلاد ومصالحها وتحقيق مطالب الناس بعيدا عن الحرب والصراع.

إعلان

وأضاف للجزيرة نت أن "ما نشهده هذه الأيام من هجمات للمفاوضين هو في الحقيقة جر متعمد للخلافات السياسية إلى الفضاء العام ومحاولة واضحة تتناقض مع توجه الحكومة الحالية الرامي إلى الإجماع الوطني والوفاق" مؤكدا أن "بعض الجماعات المتطرفة تصر على دفع المجتمع نحو الاستقطاب وصناعة صراع داخلي منهك؛ وهي عملية تبدو هادفة ومبرمجة ومستمرة".

وكشف أبطحي عن "مفارقة" في سلوك الخصوم السياسيين، قائلا "النقطة الجديرة بالتأمل في سلوك هذا التيار أنه إذا قيس حجم هجماته أيام التوترات والأزمات الإقليمية الأخيرة، يتبين أن معدل هجومه ضد كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية أكبر بكثير من مواجهته للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أو للكيان الإسرائيلي".

وأوضح أن هذا التيار، حتى عندما يتخذ موقفا ظاهريا ضد الجانب الأمريكي، يقصد أن يصنع من ذلك أداة لمهاجمة رموز الدولة ومنها رئيسا السلطتين النتفيذية والتشريعية إلی جانب بقية المسؤولين الساعين إلى إبعاد شبح الحرب عبر منطق التفاوض.

وتابع: إذا كنا نبحث عن علامة لتحديد التيارات المنحرفة عن مبادئ الثورة، فإن أثرها يُرى في هذه السلوكيات التي يجب أن تحقق فيها المؤسسات المسؤولة والجهات الأمنية الرقابية وتتبع جذورها وأسبابها.

تجارب مريرة

في المقابل، يرى عبد الرضا داوري، وهو ناشط سياسي ومستشار للرئيس المحافظ الأسبق محمود أحمدي نجاد، أن بلاده قد تضررت دائما من التفاوض مع الولايات المتحدة، موضحا أنه "بعد كل اتفاق التزمت طهران بتعهداتها، لكن الطرف المقابل دأب على التهرب من تنفيذ التزاماته، منذ اتفاقية الجزائر عام 1981 إلى الاتفاق النووي 2015، وصولا إلى مفاوضات العامين الماضيين التي انتهت إلى شن الحروب على إيران".

وأكد للجزيرة نت أن السبب وراء معارضة شريحة من الشعب الإيراني للتفاوض مع واشنطن هو "التفريط بالمصالح الوطنية على ضوء نكث الجانب الأمريكي لتعهداته في المفاوضات مع طهران" مضيفا أن الحكومات التي وصلت إلى السلطة جراء رفعها شعار حلحلة جميع المشكلات عبر التفاوض أوجدت "خطابا زائفا عزز بالفعل استقطابا في المجتمع بين موافق أو معارض للمباحثات".

ولدى إشارته إلى أن فريقا في طهران اعتبر التفاوض مع واشنطن مفتاحا سحريا لكل مشاكل البلاد، في حين يعتبره فريق آخر محرما، يؤكد داوري أنه بحد ذاته ليس جيدا ولا سيئا، والأمر يعتمد على الظروف والأهداف والنتائج المرجوة منه.

وتكمن المشكلة في التفاوض مع واشنطن -برأيه- في موقع إيران على الطاولة، موضحا أن "كل مفاوضاتنا مع أمريكا بعد انتصار الثورة لم تكن ناجحة وسبب هذه الخسائر المتتالية أن طهران تطالب بحقوقها وأموالها المجمدة، لكنها تجلس إلى الطاولة من موقع ضعف. وكان يمكن أن تذهب من موقع قوة، وبأوراق لعب قوية مثل السلاح النووي".

وأضاف "نحن نعتقد أن أمريكا لن تتفق مع إيران إلا عندما تقتنع بأن كلفة المواجهة معها تتجاوز بكثير كلفة الاتفاق، وعلى طهران أن تذهب إلى الطاولة بأوراق رابحة تقنع واشنطن باتفاق أكثر واقعية، حتی ترفع يدها عن تهديد بلادنا إلى الأبد".

الخيانة والوطنية

وبين هذا وذاك، يرفض الدکتور محسن سوهاني أستاذ العلاقات الدولیة بجامعة "سورة" -والخبیر فی الشؤون الإستراتیجیة- اختزال الجدل الدائر في طهران في ثنائية "الخيانة أو الوطنية" موضحا أن المفاوضات والدبلوماسية ليست بذاتها فضيلة ولا رذيلة، بل إنها أداة لتحقيق المصالح، وتعتمد قيمتها ووظيفتها على متغيرات عدة مثل التوقيت، والسياق، والطرف الآخر، وأوراق الضغط، والكلفة، والبدائل المتاحة. ولا يمكن الحكم عليها دون النظر إلى ذلك.

إعلان

وعن تفسير ظاهرة المعارضة للتفاوض داخل إيران، يقول سوهاني للجزيرة نت إن جزءا من الأمر يتعلق بظاهرة التيارات المتطرفة التي تبسّط عادة كل شيء إلى ثنائية الخير المطلق والشر المطلق، ولا تتحمل أي تعقيد أو مصلحة أو إستراتيجية تدريجية، مستدركا أن ليس كل معارضي التفاوض متطرفين أو عملاء، بل بعضهم لديه معارضة مشروطة وإستراتيجية صائبة لضمان المصالح الوطنية، و"هذا يختلف عن أصحاب المنطق القائل: لن نتفاوض أبدا".

وأرجع أسباب الجدل الدائر في إيران بشأن التفاوض مع أمريكا، إلى العوامل التالية:


* أيديولوجية ونفسية: حيث يشعر البعض بارتياب بنيوي من الغرب وخوف من الاختراق والخداع.
* سياسية وفئوية في إطار التنافس على السلطة: يرى أصحابها أنه في حال تفاوض الخصم السياسي، حتى لو كانت النتيجة جيدة، يجب تدميره. وهنا يصبح التفاوض أداة للصراع الفئوي.
* مؤسسية واقتصادية: المعروف أن بعض المؤسسات والشبكات تستفيد من استمرار العقوبات والعزلة. وبالنسبة لها يكون التوافق والانفراج الاقتصادي تهديدا.
* أمنية وتاريخية: هنا يحضر التاريخ بقوة، فالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015، ونقض واشنطن للتعهدات، وإعادة العقوبات، والتجارب التاريخية الأخرى كلها تعزز انعدام الثقة.
* خارجية ولاعبون مخربون: قد لا تجد أحدا ينفي عمل بعض الأطراف الخارجية على إفشال أي تفاوض بين طهران وواشنطن.

قد لا يحتاج المراقب للشأن الإيراني أن يطرح سؤاله عما إذا كانت الوساطات الإقليمية المتواصلة ستنجح هذه المرة في إعادة طهران إلی طاولة المفاوضات، بل يبدو أن السؤال الحقيقي -وفق التحليل الذي يذهب إليه الأكاديمي محسن سوهاني- هو: من يخشى أن تنجح هذه المفاوضات؟ ومن المستفيد من استمرار الحرب والاستقطاب الداخلي؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا