في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد أشهر من اضطراب إمدادات النفط بفعل الحرب في إيران والهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، بدأت أزمة الطاقة العالمية تأخذ شكلا مختلفا، فالمشكلة لم تعد تقتصر على كمية النفط الخام المتاحة، بل امتدت إلى قدرة العالم على تحويل هذا الخام إلى ديزل وبنزين ووقود طائرات وغيرها من المنتجات التي تحرك الاقتصاد.
وتكشف الفجوة بين سوق الخام وسوق المنتجات حجم الاختناق، إذ ارتفعت هوامش تكرير الديزل إلى مستويات قياسية في أوروبا والولايات المتحدة، في وقت بقيت فيه طاقات تكرير كبيرة خارج الخدمة، وانخفضت المخزونات، بينما تعمل المصافي الأمريكية بالفعل قرب أقصى طاقتها.
وخلال مؤتمر آسيا والمحيط الهادئ للنفط "أبيك " في سنغافورة، قال الرئيس التنفيذي لشركة "فيتول راسل هاردي" إن السوق تفتقد نحو مليوني برميل يوميا من المنتجات الروسية، ونحو مليوني برميل أخرى من الشرق الأوسط، محذرا من أن العالم يواصل استنزاف مخزوناته مع عدم تشغيل طاقة تكرير كافية لتعويض النقص.
وتؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية اتساع المشكلة، إذ بلغت عمليات تكرير الخام عالميا 80.9 مليون برميل يوميا في يوليو/تموز الماضي، بزيادة 1.8 مليون برميل يوميا عن يونيو/حزيران، لكنها ظلت أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميا عن مستوياتها قبل عام.
تبدأ الأزمة من حقيقة أساسية في سوق الطاقة، فتوافر النفط الخام لا يضمن بالضرورة توافر الوقود للمستهلكين، إذ يحتاج الخام أولا إلى الوصول إلى مصافٍ قادرة على معالجته وتحويله إلى المنتجات المطلوبة، قبل نقل هذه المنتجات وتوزيعها على الأسواق.
وقد تعرضت هاتان الحلقتان لضغوط متزامنة خلال الأشهر الماضية. ففي الخليج، الذي صدر نحو 3.3 ملايين برميل يوميا من المنتجات النفطية المكررة خلال عام 2025، تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى توقف قرابة 3 ملايين برميل يوميا من طاقة التكرير، بفعل الهجمات وتعطل منافذ تصدير رئيسية.
ويزيد مضيق هرمز المشكلة تعقيدا، لأن السعودية والإمارات تستطيعان تحويل جزء من صادرات الخام إلى خطوط أنابيب تنتهي خارج المضيق، لكن خيارات تجاوز هرمز أمام المنتجات المكررة أقل بكثير.
ويقول خبير الطاقة ممدوح سلامة للجزيرة نت، إن المشكلة في جزء من مصافي الشرق الأوسط ليست بالضرورة نقص الخام داخل المنطقة، وإنما عدم القدرة على تصدير إنتاجها بصورة طبيعية عبر هرمز، وهو ما يحول اضطراب النقل إلى اختناق في سوق المنتجات العالمية.
أما روسيا، فجاءت الضغوط من اتجاه مختلف، إذ أدت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة إلى تعطيل مصاف وتقليص عمليات التكرير والصادرات، بالتزامن مع قيود موسكو على صادرات الديزل لحماية السوق المحلية.
وفقدت السوق العالمية في الوقت نفسه اثنين من أهم مصادر المنتجات المكررة، خصوصا الديزل، بينما لا تستطيع بقية المصافي ببساطة رفع إنتاجها بمقدار مماثل.
ويرى سلامة أن المصافي خارج روسيا والشرق الأوسط تواجه حدودا أمام تعويض ملايين البراميل المفقودة، خصوصا مع اضطراب إمدادات الخام نفسها، وأن استعادة تدفقات هرمز بصورة طبيعية ستكون عاملا رئيسيا في زيادة تشغيل المصافي وتخفيف أسعار المنتجات.
تكشف معدلات تشغيل المصافي سبب صعوبة سد الفجوة، فالمصافي ليست مخزونا احتياطيا يمكن تشغيله بالكامل بمجرد ارتفاع الأسعار، بل منشآت صناعية معقدة لها حدود تشغيلية وتحتاج إلى صيانة دورية، كما تختلف قدرتها على معالجة أنواع الخام وإنتاج المشتقات المختلفة.
وفي الولايات المتحدة، قال مسؤول التجارة العالمية في شركة "فيليبس 66 مارك سين" خلال مؤتمر "أبيك " إن معظم المصافي الأمريكية تعمل بالفعل بأقصى طاقتها تقريبا.
وتشير تقديرات إس آند بي غلوبال إلى وصول معدل استخدام المصافي الأمريكية إلى نحو 98%، ما يعني أن أكبر مركز بديل لإمداد الأسواق الغربية لا يمتلك هامشا كبيرا لزيادة الإنتاج إذا حدث تعطل جديد.
وتظهر الأزمة بصورة أوضح في التجارة الدولية، فبحسب وكالة الطاقة الدولية، انخفضت تجارة المنتجات النفطية المنقولة بحرا بنحو 3.8 ملايين برميل يوميا على أساس سنوي، رغم ارتفاع الصادرات الأمريكية بنحو 700 ألف برميل يوميا.
وتراجعت صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا مجتمعة بنحو 1.3 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 20% من تجارة الديزل العالمية المنقولة بحرا، بينما انخفضت صادرات وقود الطائرات من المناطق نفسها بنحو 670 ألف برميل يوميا، بما يعادل 34% من التجارة العالمية.
استطاعت الأسواق خلال الأشهر الأولى من الحرب تعويض جزء من نقص الإنتاج باستخدام المخزونات، لكن استمرار الأزمة بدأ يقلص هذا الهامش.
فقد هبط إجمالي مخزونات النفط العالمية المرصودة إلى أقل قليلا من 7.9 مليارات برميل بنهاية يوليو/تموز الماضي، بخسارة تراكمية بلغت 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب في إيران، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
وفي سوق الديزل تحديدا، قدرت "إس آند بي غلوبال " المخزونات العالمية بنحو 542 مليون برميل في 21 أغسطس/آب الماضي، بانخفاض 28.5 مليون برميل مقارنة بالعام السابق.
وتبدو الولايات المتحدة نموذجا لهذا الضغط، فرغم ارتفاع مخزون الديزل منخفض الكبريت قليلا إلى 94.18 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس/آب الماضي، ظل أقل بنحو 12.2 مليون برميل عن العام السابق، وتحت الحد الأدنى لنطاق السنوات الخمس السابقة.
لكن الطلب العالمي على البراميل الأمريكية يتزايد في الوقت نفسه، إذ سجلت صادرات الديزل الأمريكية مستوى شهريا قياسيا بلغ 54.2 مليون برميل في أغسطس/آب الماضي، مع محاولة السوق تعويض الإمدادات المفقودة من روسيا والشرق الأوسط.
يحتل الديزل موقعا حساسا في أزمة التكرير لأن إنتاج المصفاة لا يمكن تغييره بلا حدود لصالح منتج واحد.
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نسب البنزين والديزل ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات التي تنتجها المصفاة تتحدد بعوامل تشمل تصميمها وقدرات وحدات المعالجة فيها وأنواع النفط الخام التي تستقبلها.
ورغم قدرة المصافي على تعديل هذه النسب استجابة لظروف السوق والأسعار، فإن هذه المرونة تظل محدودة بالمعدات المتاحة وتصميم المصفاة ونوعية الخام، ما يعني أن ارتفاع أسعار الديزل لا يسمح بتحويل كل برميل إضافي من الخام إلى ديزل بسهولة.
وتزداد حساسية السوق مع تركز الضغوط على نواتج التقطير الوسطى، وفي مقدمتها الديزل ووقود الطائرات، بعدما أدت اضطرابات مصافي روسيا والشرق الأوسط إلى تقلص إمداداتها.
وتظهر الأسعار حجم الاختلال، فقد قفز هامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي تجاوز 108 دولارات للبرميل خلال الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول، في حين سجلت أسعار الديزل الأمريكية مستويات قياسية.
كما دفعت الأرباح المرتفعة المصافي إلى إعطاء أولوية أكبر لإنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات على حساب منتجات أخرى، وهو ما بدأ ينقل الأزمة إلى زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء.
لا تقتصر أهمية الديزل على السيارات، إذ يعتمد عليه جانب كبير من حركة الشاحنات التي تنقل السلع بين المصانع والموانئ والمتاجر، إلى جانب القطارات ومعدات البناء والتعدين والآلات والمولدات.
وفي الزراعة، تستخدم الجرارات والحصادات ومضخات الري وغيرها من المعدات الديزل، ولذلك يمكن أن تنتقل زيادة تكلفته من الحقل إلى أسعار الغذاء عبر مرحلتين؛ ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي ثم ارتفاع تكلفة نقل المحاصيل والمنتجات إلى الأسواق.
ويقول سلامة إن اعتماد الشاحنات والجرارات الزراعية على الديزل يجعل ارتفاع سعره أوسع أثرا من مجرد زيادة فاتورة الوقود، إذ يمتد إلى تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي ونقل السلع.
وفي قطاع الشحن البحري، لا يقتصر الاعتماد على الديزل، بل يمتد إلى أنواع مختلفة من الوقود البحري، التي بدأت بدورها تواجه ضغوطا متزايدة على الإمدادات مع اتساع أزمة التكرير.
وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى احتمال تسجيل سوق زيت الوقود عجزا بنحو 218 ألف برميل يوميا خلال الربع الثالث، فيما ارتفع سعر زيت الوقود البحري منخفض الكبريت في سنغافورة بنحو 76% منذ اندلاع حرب إيران ليقترب من 825 دولارا للطن في الأول من سبتمبر/أيلول الماضي.
وفي قطاع الطيران، لا تستخدم الطائرات الديزل وإنما وقود الطائرات، لكن كليهما ينتمي إلى نواتج التقطير الوسطى، ما يجعل إنتاجهما مرتبطا بجزء من قدرات المعالجة نفسها داخل المصافي.
ولا تتوقف تداعيات أزمة التكرير عند سوق الوقود، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والديزل ووقود الطائرات يرفع التكاليف ويعطل سلاسل الإمداد ويضعف القوة الشرائية، فيما تؤدي اضطرابات النقل والتجارة إلى زيادة تكاليف وصول السلع إلى الأسواق.
وتظهر دراسة للصندوق أن صدمات أسعار الوقود تنتقل إلى الأسعار المحلية بوتيرة أسرع من صدمات الغذاء، ما يوسع أثر أزمة الطاقة على المستهلك والتضخم.
ويرى سلامة أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والديزل يزيد تكاليف التجارة والإنتاج والغذاء، ومن ثم قد يضغط على النمو الاقتصادي، لكن تقدير حجم هذا الأثر يتوقف على مدة الأزمة واستجابة الطلب والأسعار والسياسات الحكومية.
وتدخل سوق الوقود مرحلة أكثر حساسية خلال الأشهر المقبلة، مع تزامن ارتفاع الطلب الموسمي مع ضغوط قائمة بالفعل على قدرات التكرير العالمية.
ويرتفع الطلب على الديزل مع موسم حصاد الخريف في أمريكا الشمالية وبدء الزراعة في أجزاء من أمريكا الجنوبية، بينما يدفع اقتراب الشتاء في نصف الكرة الشمالي إلى زيادة استهلاك وقود التدفئة. وتتزامن هذه الضغوط مع دخول بعض المصافي فترات الصيانة الموسمية، ما يحد من قدرتها على زيادة الإنتاج وتعويض نقص الإمدادات.
وتقدر إس آند بي غلوبال أن الطلب العالمي على الديزل يرتفع عادة بنحو مليوني برميل يوميا بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول، وهي زيادة تأتي هذه المرة في سوق فقدت جزءا كبيرا من مصادر إمداداتها المعتادة.
وتبرز أوروبا بين المناطق المعرضة للضغط بسبب اعتمادها على الواردات، بينما تواجه آسيا اضطراب المنتجات القادمة من الشرق الأوسط، في حين أصبحت الولايات المتحدة مطالبة بتغطية جانب متزايد من الفجوة العالمية رغم انخفاض مخزوناتها المحلية.
وفي أمريكا الجنوبية تبدو البرازيل أكثر تعرضا بعدما فقدت الإمدادات الروسية واتجهت بقوة نحو الولايات المتحدة، التي وفرت نحو 74% من وارداتها من الديزل خلال أغسطس/آب الماضي.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن وفرة النفط الخام لا تضمن بالضرورة وفرة المنتجات المكررة، في ظل استمرار اختناقات التكرير والتجارة وتراجع المخزونات. ومن ثم، قد ترتبط معضلة الشتاء المقبل بقدرة المصافي على تحويل الخام إلى الوقود المطلوب، وتوافر المخزونات ومسارات التجارة اللازمة لإيصاله إلى الأسواق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة