في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لزيارة وفد تركي إلى محافظة حلب السورية، رافقها ادعاء بأن محافظ حلب عزام الغريب أمر بإزالة العلم السوري عن قلعة حلب التاريخية تزامنا مع الزيارة، في خطوة اعتبرها كثيرون تغييبا متعمدا لرمز سيادة الدولة إرضاء للضيوف الأتراك.
وحصد الادعاء تفاعلا واسعا وأثار موجة من الانتقادات والغضب عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار الادعاء وحللت الصور المتداولة لكشف حقيقته.
في 27 أغسطس/آب 2026، نشر وزير التجارة التركي عمر بولات على حسابه في منصة إكس منشورا مطولا مرفقا بصور من زيارته لقلعة حلب، مؤكدا أن في أحجار هذه المدينة القديمة آثارا للتاريخ المشترك بين البلدين.
واعتبر الوزير التركي أن إعادة إحياء حلب وإعمار سوريا لا يقتصران على النهوض بمدينة ودولة فحسب، بل يمثلان إعادة رسم لمستقبل المنطقة بأكملها، مؤكدا أن بلاده ستواصل، بما تملكه من خبرات في إدارة الدولة وقدرات إنتاجية وتجارية وروابط أخوية، الاضطلاع بدور رئيسي في هذا التحول.
وأعاد محافظ حلب نشر التغريدة على حسابه الرسمي في إكس، وعلق قائلا: "أهلا وسهلا بكم في حلب، محافظة الحضارة والتجارة التي تجمعها بغازي عنتاب روابط الجغرافيا والأخوة والمصالح المشتركة"، مضيفا: "نرحب بكل يد تسهم في نهضة سوريا بروح التعاون وتبادل الأدوار في حماية أمننا وحدودنا ومصالح شعوبنا".
وتهدف الزيارة، التي تخللها لقاءات مع مسؤولين ورجال أعمال سوريين وأتراك، إلى بحث سبل تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
وبعد يومين، تداول حساب "إكس ميديا" صورتين من الزيارة، إحداهما فردية للوزير التركي أمام أحد أبراج قلعة حلب، والأخرى جماعية للوفد لا يظهر فيها العلم السوري، وهو ما شكل نقطة الانطلاق الفعلية للادعاء القائل بأن "العلم أزيل عمدا" من القلعة تزامنا مع الزيارة.
وذكر الحساب على فيسبوك وإكس أن إخلاء أحد أبرز الرموز التاريخية والسيادية في حلب من العلم السوري خلال زيارة وفد أجنبي يمثل "مشهدا مستفزا"، وسط تساؤلات عن الجهة التي اتخذت قرار تغييب العلم خلال زيارة الوفد التركي.
وانتشر الادعاء بسرعة عبر عشرات الحسابات والصفحات الإخبارية غير الرسمية، اعتمادا على الصورتين المتداولتين من الزيارة. وسرعان ما تطور الأمر من مجرد تساؤل عن سبب غياب العلم في صورة محددة إلى جزم صريح بصدور قرار من محافظ حلب لإزالته.
ورافقت الادعاء منشورات حملت عناوين تهكمية، تساءلت عن غياب العلم السوري عن قلعة حلب، وما إذا كان قد أزيل "إرضاء للضيوف الأتراك". كما تساءلت منشورات أخرى عن سبب إزالة المحافظ للعلم بالتزامن مع زيارة مسؤولين أتراك، وطرحت احتمال أن يكون غياب العلم صدفة أم رسالة مقصودة.
وتضمنت هذه المنشورات مزاعم بوجود معلومات مؤكدة تفيد بأن محافظ حلب هو من أصدر قرار إزالة العلم، وربطت ذلك بإعادته نشر منشور الوزير التركي عمر بولات على حساباته، معتبرة ذلك دليلا على تواطؤ رسمي خلال الزيارة.
كما استحضرت بعض المنشورات مقارنة مع واقعة سابقة لإزالة العلم السوري على يد نشطاء أكراد في عين العرب ( كوباني)، متسائلة عن ازدواجية المعايير في التعامل مع رمز العلم بحسب الجهة التي تقف خلف إزالته، كما طالب عدد من المعلقين بإقالة محافظ حلب.
في إطار التحقق من صحة الادعاء، بدأت وحدة المصادر المفتوحة بالبحث العكسي عن صورة الوزير التركي وتدقيق تفاصيل المبنى الظاهر خلفه.
وأظهرت النتائج أن الصورة التقطت أمام أحد الأبراج الجانبية في قلعة حلب التي بنيت في القرن الـ13، وهو موقع معتاد لالتقاط صور الزوار في أهم معالم مدينة حلب التاريخية.
وباستخدام خاصية البحث عن المنشورات من خلال الموقع الجغرافي في منصة " إنستغرام" أظهرت نتائج من نفس مكان التقاط الصورة، تعود لأوقات زمنية مختلفة.
وعند مطابقة الصور المتداولة بصور أرشيفية أخرى لزوار سابقين من الزاوية نفسها، تبين أن العلم السوري لا يظهر فوق هذا البرج تحديدا في أي منها، بصرف النظر عن هوية الزائر أو توقيت الزيارة، وهو ما يعني أن غيابه عن هذه الصورة بالذات لا صلة له بزيارة الوفد التركي.
ولمزيد من التدقيق، لجأت وحدة المصادر المفتوحة إلى تقنية "التجول الافتراضي" في "خرائط غوغل" لمعاينة موقع البرج الجانبي في تواريخ سابقة للزيارة بفترة طويلة.
وكشفت المعاينة أن العلم السوري لم يكن مرفوعا أصلا فوق هذا المبنى قبل الزيارة التركية بوقت طويل، ما يؤكد أن غيابه ليس إجراء استثنائيا ولا خطوة اتخذت خصيصا خلال زيارة الوفد التركي.
ولتعزيز النتيجة، بحثنا بكلمات مفتاحية مرتبطة بالقلعة في الصفحة الرسمية لمحافظة حلب على فيسبوك، وقادتنا النتائج إلى مشاهد من فعاليات ومناسبات مختلفة أقيمت في محيط القلعة، أظهرت أن العلم السوري يرفع بشكل دائم فوق البرج الأمامي الرئيسي، وهو برج مختلف عن ذلك الذي التقطت أمامه صور الوفد التركي.
وظهر العلم بوضوح فوق هذا البرج في مقاطع لعرض عسكري أقامته قوات وزارة الدفاع السورية احتفالا بذكرى التحرير في ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى جانب مواد أرشيفية أخرى سابقة للزيارة بعدة أشهر.
ولإضفاء بعد تاريخي أعمق، اطلعت وحدة المصادر المفتوحة على أرشيف الصور المتاح على الموقع الرسمي لمنظمة اليونسكو الخاص بمدينة حلب القديمة المصنفة موقعا للتراث العالمي.
وعند البحث عثرنا على صورة موثقة للمصور "رون فان أورس" محفوظة برابط دائم على موقع المنظمة.
وتظهر الصورة أن العلم السوري كان يرفع تاريخيا، وحتى في عهد النظام السوري المخلوع، فوق البرج الأمامي حصرا دون سواه من الأبراج الجانبية، وهو ما يؤكد أن اقتصار رفع العلم على هذا البرج ليس ترتيبا مستحدثا لمناسبة الزيارة التركية، بل عرف قائم منذ سنوات.
وبتعميق البحث، عثرنا على حساب يحمل اسم "غزوان المصري"، الذي يقدم نفسه بصفته خبيرا بالشؤون التركية، وتبين أنه كان أحد المرافقين للوفد التركي خلال الزيارة.
ونشر الحساب صورة جماعية أخرى للوفد التقطت أمام البرج الأمامي، وظهر فيها العلم السوري بوضوح في مكانه المعتاد. وتؤكد هذه الصورة الملتقطة في التوقيت والزيارة ذاتها، أن العلم لم يزال عن القلعة.
وبمراجعة الزيارات التركية السابقة للقلعة على مدى الأشهر الماضية، تبين أن وفدا تركيا ضم بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي، إلى جانب مسؤولين آخرين أجرى جولة بمحافظة حلب في منتصف مايو/أيار 2026 شملت قلعة حلب وخاناتها.
وأظهرت الصور والمقاطع الموثقة للزيارة، وجولات أخرى مماثلة، حرص الوفود على التقاط الصور التذكارية أمام البرج الأمامي الرئيسي للقلعة تحديدا، حيث يظهر العلم السوري في الخلفية دائما، وهو ما ينفي وجود أي سلوك متكرر لإخفاء العلم السوري عند استقبال المسؤولين الأتراك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة