في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طرابلس- لا يبدو تعطل مجلس النواب الليبي مجرد أزمة إجرائية داخل مؤسسة تشريعية، إذ يتقاطع مع صعوبات إدارة المال العام، وغياب الموازنة الموحدة، والخلاف حول أداء مصرف ليبيا المركزي، بينما تدفع بعثة الأمم المتحدة باتجاه مسار سياسي جديد من المرتقب أن يفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
ويكشف تداخل هذه الملفات عن مشكلة أوسع: فكلما عجزت المؤسسات الليبية عن إنتاج توافق داخلي، اتسعت مساحة الوساطة والتدخلات الدولية، بينما ينعكس الانقسام السياسي والمؤسسي على إدارة الموارد العامة والخدمات والقدرة على اتخاذ القرار.
يقول عضو لجنة التخطيط والمالية بمجلس النواب خليفة الدغاري للجزيرة نت إن المجلس لم يعقد جلسة رسمية منذ نحو 8 أشهر، باستثناء جلستين تشاوريتين خلال شهر رمضان، معتبرا أن استمرار هذا الوضع أضعف قدرة المؤسسة على ممارسة دورها التشريعي والرقابي، خصوصا في متابعة المال العام.
ويقول عضو مجلس النواب علي الصول، للجزيرة نت، إن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى لم يجتمع مع البرلمان في جلسة رسمية، وإنما التقى رئيس المجلس واجتمع مع لجنة التخطيط والمالية.
وقال إن الدعوة إلى عقد جلسة تمثل مسؤولية هيئة رئاسة المجلس، وإن عددا كبيرا من النواب طالبوا بذلك دون تلقي رد، معتبرا أن استمرار غياب الجلسات يضعف قدرة المؤسسة على استخدام أدواتها التشريعية والرقابية في مرحلة تتطلب قرارات موحدة بشأن المال العام.
ويقول الدغاري إن الإنفاق كان يُدار في السنوات السابقة، عند غياب الموازنة الجديدة، وفق قاعدة "1 على 12″، لكنه يرى أن تطبيقها يواجه صعوبات في الوضع الحالي، مشيرا إلى أن جزءا من إيرادات مبيعات النفط لم يصل إلى المصرف المركزي عبر الآلية المالية المتبعة، الأمر الذي خلق عجزا في تغطية بعض أوجه الإنفاق، لا سيما الإنفاق التنموي.
وقاعدة "1 على 12" هي آلية قانونية ومالية تُتيح للحكومة الإنفاق المالي المؤقت وتسيير الشؤون الضرورية للدولة عند تأخر اعتماد الميزانية العامة من السلطة التشريعية قبل بداية السنة المالية الجديدة، بحيث يقوم المراقب المالي بقسمة إجمالي مخصصات كل قطاع حكومي في آخر ميزانية معتمدة للدولة على 12، ويُسمح للجهة الحكومية بصرف جزء واحد فقط (1/12) من تلك الميزانية شهريا، ويستمر العمل بهذا الإجراء المؤقت شهراً بشهر، وينتهي تلقائيا بمجرد إقرار قانون الميزانية.
في المقابل، يقول مصدر خاص في مصرف ليبيا المركزي للجزيرة نت إن صعوبات إدارة الإنفاق العام لا ترتبط بحجمه فقط، ويعدد أسبابا أخرى، منها:
ويتحفظ المصدر على الربط المباشر بين هذه البيئة وطلب المحافظ الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، مؤكدا أن أسباب ذلك لا يمكن الجزم بها ما لم يصرح بها المحافظ نفسه.
ويرى أن اعتماد إطار موحد للإنفاق لعام 2026 يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يحسم المشكلة، في ظل استمرار تحديات ارتفاع الإنفاق الجاري، وضعف كفاءة الصرف والرقابة والشفافية، وتأخر الحسابات الختامية، إلى جانب الحاجة إلى ضبط الإنفاق الموازي والاستثنائي.
وتأتي هذه التعقيدات في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط. فقد وصف صندوق النقد الدولي المسار المالي الليبي بأنه غير مستدام، محذرا من استمرار ارتفاع الإنفاق وتأثيره على سعر الصرف والاحتياطات والتضخم.
كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن المحروقات شكلت خلال عام 2025 نحو 65% من الناتج المحلي و93% من الصادرات و72% من الإيرادات، بما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات الإنتاج والأسعار.
وبذلك لا تقتصر مشكلة الإنفاق على حجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما تمتد إلى كيفية إدارتها، والجهة التي تملك صلاحية تحديد أولوياتها، ومدى خضوعها للرقابة، في ظل تعدد مراكز القرار.
ولا ينفصل هذا المشهد عن المسار السياسي، إذ يذكر الدغاري أن أعضاء مجلس النواب لم يشاركوا رسميا في اختيار ممثليهم في لجنة "4+4″، ولا يعرفون، بحسب قوله، إذا ما كانت البعثة الأممية هي التي اختارتهم أم جرى اختيارهم بتوجيه مباشر من رئيس المجلس عقيلة صالح.
ويضيف أن النواب تابعوا الاجتماعات التي جرت في تونس خلال الأشهر الماضية عبر وسائل الإعلام والبيانات الرسمية، من دون إحاطة مباشرة بما دار فيها، وأن أعضاء المجلس المشاركين في اللجنة لم يطلعوا بقية النواب على تفاصيل المباحثات.
لذلك، يقول الدغاري إن المجلس لا يستطيع تحديد موقفه من اتفاق اللجنة قبل الاطلاع على نصه ومخرجاته رسميا، مؤكدا أن الإعلان الدستوري سيظل المرجعية التي يحتكم إليها المجلس في التعامل مع أي ترتيبات جديدة.
وفي 20 أغسطس/آب، أعلنت البعثة الأممية إلى ليبيا أن لجنة "4+4" وقعت بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق بشأن القوانين الانتخابية ومجلس إدارة المفوضية، مع الترتيب لاستكمال التنفيذ والإعلان الرسمي داخل ليبيا.
ويربط الدغاري اتساع الدور الدولي بعجز المؤسسات الليبية عن حل خلافاتها داخليا، معتبرا أن استمرار الانقسام بين مجلسي النواب و الدولة فتح المجال أمام تدخلات خارجية لمعالجة ملفات كان يفترض أن تحسمها المؤسسات الوطنية.
لكن المحلل السياسي فيصل الشريف يرى أن دور البعثة الأممية نفسه يظل مرتبطا بحد أدنى من التوافق بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الملف الليبي، مستشهدا بمساري برلين وجنيف اللذين أفضيا إلى تفاهمات سياسية سابقة.
ويقول الشريف للجزيرة نت إن البيانات الدبلوماسية المعلنة، بما فيها بيان الدول العشر الداعمة لاتفاق "4+4″، لا تعكس بالضرورة حقيقة المصالح والمواقف المتنافسة حول ليبيا، معتبرا أن جزءا كبيرا من القرار السياسي لا يزال مرتبطا بحسابات إقليمية ودولية.
ويتوقع أن تدفع البعثة في مرحلة ما نحو حوار سياسي موسع شبيه بمساري " الصخيرات" و"جنيف"، لكنه يرى أن قوى إقليمية، إلى جانب طرفي السلطة القائمة في شرق البلاد وغربها، ربما لا تكون راغبة في هذا الخيار خشية فقدان السيطرة على مخرجاته.
في المقابل، لا يزال باب التنسيق بين مجلسي النواب والدولة قائما، وإن كان متعثرا. ويقول عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب للجزيرة نت إن هناك نية لاستئناف التنسيق مع مجلس النواب عبر اللجان الدائمة، مشيرا إلى أن لجانا مشتركة بحثت في السابق إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، قبل أن تتجمد العملية، كما توقفت التعديلات المقترحة على القوانين الانتخابية عند نقاط خلافية.
ويرى الشريف أن قدرة المجلسين على التحرك منفردين أصبحت محدودة، معتبرا أن غياب التنسيق بينهما أضعف تأثيرهما في المسار السياسي، وأن مجلس النواب خصوصا فقد جزءا من دوره نتيجة عدم انعقاد جلساته، بينما أصبحت مواقف السلطة القائمة في شرق البلاد أكثر حضورا في إدارة الملفات السياسية.
ويخلص إلى أن الدور المرتقب لمجلسي النواب والمجلس الرئاسي قد يكون محدودا خلال المرحلة المقبلة، وقد يقتصر على توفير الغطاء المؤسسي أو البروتوكولي لتفاهمات يجري التوصل إليها بين طرفي السلطة القائمة على الأرض.
وتدفع الأمم المتحدة نحو تنفيذ خريطة طريق تشمل إطارا انتخابيا، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، وحوارا لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.
ورغم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية، يظل التنفيذ عائقا في ظل تعثر انعقاد مجلس النواب، ودعوة مجلس الدولة لتنسيق المؤسسات، وتعدد مرجعيات إدارة المال العام.
بذلك تبقى الأزمة الليبية محاصرة بين عجز المؤسسات المحلية عن تحقيق توافق مستدام، وتدخل دولي يسعى لسد الفجوة، وانقسام مالي يعتمد على النفط.
ويظل الاختبار الحقيقي في قدرة المؤسسات الليبية على استعادة دورها التشريعي والرقابي، وتوحيد المرجعيات المالية، واستعادة زمام العملية السياسية، بحيث لا تتحول الوساطة الدولية من أداة لتسهيل التوافق إلى بديل عن المؤسسات الوطنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة