آخر الأخبار

حين قصف الشاه البرلمان.. حكاية ثورة إيران التي أكلت قادتها

شارك

"إن سعادة الأمم تكمُن في سيادة القانون وحده، والحرية لا تتحقق إلا عن طريق برلمان منتخب يراقب أعمال الحكومة"

بواسطة (من مقال كتبه ميرزا آقا خان كِرماني في صحيفة "اختر" الإيرانية التي كانت تصدر في إسطنبول وكانت المنبر الرئيسي للثورة الدستورية في إيران)

إذا كان النصف الأول من القرن التاسع عشر هو الفترة الذهبية للاستعمار الغربي في الشرق الآسيوي، لا سيما في الهند والصين، فإن أواخره هو فترة اليقظة لدى شعوب المنطقة لمواجهة المد الاستعماري. ثم كانت فترة بداية القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى فترة ثورات عمَّت أهم حواضر المشرق الإسلامي، سواء ثورة 1919 في مصر، أو ثورة 1920 في العراق، أو الثورة السورية الكبرى بين عامي 1925 و1927، وأخيرا الثورة الفلسطينية عام 1936.

عبَّرت معظم هذه الثورات عن مطالب متشابهة إلى حد كبير: الاستقلال السياسي عن الاستعمار الأوروبي وتدخُّلاته، وإقامة دستور وحياة برلمانية والعدالة الاجتماعية. وقد كشفت الموجات الثورية، المتزامنة والمتقاربة، النسيج المتشابك لشعوب المشرق الإسلامي، إذ انتقلت فيها الأفكار والتنظيمات والرؤى عبر الحدود، فيما يشبه "ربيعا ثوريا" اجتاح المنطقة بأسرها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لغز سبيس إكس.. لماذا تخسر الشركات الأمريكية على الأرض وتربح في البورصة؟
* list 2 of 2 العملية "إلزا".. رحلة أوروبا للبحث عن الصاروخ المحرم منذ 40 عاما end of list

بيد أن هذا "الربيع" لم يقف عند حدود البلدان العربية، فقد كانت تركيا وإيران سبَّاقتين في هذه التحوُّلات، إذ اندلعت حركة للضباط في تركيا عام 1908 ممهدة الطريق للجمهورية فيما بعد، وقبلها ثورة إيران الدستورية التي بدأت عام 1905 واستمرت أحداثها حتى عام 1911، حين أُجهِضَت لصالح عودة قبضة السلطنة القاجارية، قبل انقلاب الضابط رضا خان الذي حوَّل إيران إلى حُكم السلالة البهلوية.

مصدر الصورة الشاه ناصر الدين القاجاري (غيتي)

من "اختر" إلى ثورة التبغ

كانت إيران طيلة القرن التاسع عشر خاضعة لحكم سلالة قبلية تركمانية هي سلالة القاجار، التي عاشت إيران في عهدها حالة من الركود والجمود والتخلف. وفي تلك الأثناء بدأت الهيمنة الاستعمارية تتوغَّل في إيران، خاصة في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري، إذ سَعَت كل من الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الروسية القيصرية إلى تمديد نفوذها.

إعلان

في تلك الأثناء لعبت إسطنبول دورا مهما بوصفها عاصمة الخلافة، حيث ظلَّت مساحة لتأسيس الصحف والمجلات الموجَّهة لإيران. هناك تأسست صحيفة "اختر" استمرت بين عامي 1876 و1896، والتي يمكن اعتبارها أول صحيفة إيرانية إصلاحية، وكانت تنتقل أعدادها مع المسافرين بين تركيا وإيران، كما كان يُعاد طباعة نسخ منها داخل إيران.

"صدرت صحيفة اختر باقتراح ورعاية ميرزا محسن خان معين الملك، السفير الإيراني في إسطنبول"

وقد صدرت الصحيفة باقتراح ورعاية ميرزا محسن خان معين الملك، السفير الإيراني في إسطنبول، الذي كان يمولها من المخصصات المالية للسفارة الإيرانية. أما إدارتها ونشرها فتولاهما محمد طاهر تبريزي، وهو تاجر كبير ومثقف كان ينشط في التجارة بين إيران وتركيا، فيما تولى رئاسة تحريرها ميرزا مهدي تبريزي، مؤسس دار خورشيد للنشر في إسطنبول. وقد أصبحت هذه الشخصيات، إضافة إلى بقية كُتَّاب الصحيفة، من الوجوه المؤثرة في الحياة السياسية والفكرية الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة الدستورية.

في هذا السياق، ثمَّة معضلة شهيرة تكررت في نشأة الدولة الحديثة في تركيا وإيران ومصر، وهي الاحتياج للتحديث التقني والعلمي، بحيث تواكب الدولة الثورة الصناعية في أوروبا، وتسد الفجوة التكنولوجية والعسكرية معها. ولذلك حرصت تلك الدول على إنشاء معاهد وجامعات على النمط الفرنسي، اعتقادا منها بأنها ستكون "منزوعة السياسة"، لكن التجربة المتكررة أثبتت أن الكوادر التي أفرزتها تلك الجامعات سرعان ما سألت الأسئلة السياسية الكُبرى وشكَّلت تحديا للسلطة الموجودة.

مصدر الصورة صحيفة "اختر" ظهرت عام 1876 في إسطنبول واستمرت في الصدور حتى 1896 (صحيفة اختر)

ففي تركيا كانت مدرسة الفنون أحد الحواضن الرئيسية لتكون حركة تركيا الفتاة، وجمعية الاتحاد والترقي، التي كانت المُحرِّك الأساسي لعزل السلطان عبد الحميد واستعادة نظام المشروطية قبل تأسيس الجمهورية عام 1923. وفي مصر، بعد نضال ممتد لإنشاء الجامعة المصرية، تأسست جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقا)، التي كانت أحد الحواضن الرئيسية لثورة 1919. وينطبق الأمر نفسه على دار الفنون في طهران، التي سعى لتأسيسها أمير كبير، رئيس وزراء الدولة القاجارية في منتصف القرن التاسع عشر، متأثرا بالنموذج التحديثي الذي انتهجه محمد علي باشا في مصر.

ومن مشاهير المُدرِّسين في دار الفنون كان ملكم خان، وهو أرمني درس في فرنسا، ثم أصبح سفيرا للدولة القاجارية في بريطانيا، ومن هناك أصدر صحيفة "قانون" الإصلاحية، داعيا منها إلى تأسيس نظام تعدُّدي في إيران. وكان من خريجي دار الفنون أيضا مرتضى قولي خان هدايت، أول رئيس للبرلمان الإيراني عقب نجاح الثورة، ومحمود علامير، المعروف باحتشام السلطنة، ثاني رئيس للبرلمان، وغيرهما من الشخصيات الرئيسية فيمن يمكن أن نسميهم منذ ذلك الحين "الجناح العلماني" في الثورة الدستورية.

"كانت دار الفنون المحضن الأهم للعديد من رموز الثورة الدستورية"

كما صدرت في الفترة نفسها صحف أخرى مثل صحيفة "الحبل المتين"، وصحيفة "صور إسرافيل". وقد أنشأ الصحيفة الأخيرة خريجون من دار الفنون انتظموا في جمعية "باغ ميكده"، وهي جمعية سرية تبنَّت نهجا أكثر راديكالية هو إنهاء حكم القاجار بالثورة المسلحة، وكانت سببا في حل البرلمان وهزيمة الثورة كما سيتبيّن لاحقا. وقد أُعدم أبرز وجوه هذه الدائرة أو قُتلوا تحت التعذيب، ومنهم ميرزا جهانكير خان الشيرازي رئيس تحرير الصحيفة. وقد ركَّزت هذه الصحف جميعها على فكرة الثورة الدستورية نفسها، ونجحت إلى حد كبير في استقطاب الفئة المتدينة والعُلَمائية، مثل السيد جمال الدين واعظ الأصفهاني، أحد زعماء الثورة الدستورية وخطيبها لاحقا، الذي ذاعت شهرته في منابر الوعظ والخطابة، خاصة تأكيده على أنه "لا معصية للدين والشريعة أعظم من مخالفة القانون".

مصدر الصورة صحيفة "صور إسرافيل" (المكتبة الجامعية ومكتبة الولاية)

بالإضافة إلى الواعظ الأصفهاني، انجذب أشخاص آخرون إلى دعاية صور إسرافيل، مثل نصر الله خان بهشتي الشهير بلقب "ملك المتكلمين"، وهو من أبرز خطباء الثورة. هذا إذن هو الجناح الأول في الثورة الدستورية، الذي تكوّن ما بين إسطنبول بالأخص والعواصم الغربية الكبرى عموما مثل باريس ولندن، وبين دار الفنون في طهران. وفي خضم كل ذلك، كانت هناك جناح آخر للثورة يتشكَّل، وهو جناح المرجعية الدينية، متمثلة بالمرجع ميرزا محمد حسن الشيرازي، ثم مَن جاء بعده من المراجع مثل الأخوند الخراساني والميرزا محمد حسين النائيني وأبو الحسن الأصفهاني.

إعلان

لم تُحتل إيران رسميا لا من قبل بريطانيا ولا من قبل روسيا، لكنها كانت عمليا واقعة تحت النفوذ الاستعماري لكلتا الإمبراطوريتين، مما جعلها فعليا دولة منقوصة السيادة. وكانت الفترة التي تجسَّد فيها التغلغل الأجنبي هي فترة ناصر الدين شاه، الذي فرط في مقدرات الإيرانيين وثرواتهم، وقسمها ما بين احتكارات إنجليزية وروسية ليوازن بين القوتين. وكان النشاط الاقتصادي الأساسي في إيران حينها يقوم على الزراعة وتجارة المحاصيل، وكان التبغ من أكثر المحاصيل رواجا، إلى أن أتى عام 1890 ومنح ناصر الدين الضابط البريطاني جيرالد تالبوت امتياز احتكار محصول التبغ في إيران عبر امتياز عرف باسم "ريجي"، مقابل عوائد زهيدة للخزينة وهدايا للشاه وحاشيته.

"نصت فتوى التنباك على أن استعمال التبغ بأي شكل كان في حكم محاربة الإمام المهدي"

أضرَّ الامتياز بشريحة واسعة من الإيرانيين الذين كانوا يعملون في زراعة التبغ وتجارته، ومن ثمَّ اندلعت احتجاجات ومناوشات بين العاملين في التبغ وبين قوات الشاه. وكان المرجع الأعلى للشيعة آنذاك هو ميرزا محمد حسن الشيرازي، وكان مقيما في سامراء بالعراق، فراسل ناصر الدين شاه مرارا للتراجع عن الامتياز لكن دون جدوى، إلى أن اضطر إلى إصدار فتواه الشهيرة التي عُرفت بفتوى التبغ (التنباك)، التي نصَّت على أن استعمال التبغ بأي نحو كان هو في حكم محاربة الإمام المهدي.

كان للفتوى صدى واسع بين عموم الإيرانيين، إلى حد أن بعض نساء أسرة ناصر الدين شاه نفسه امتنعن عن التدخين وشرب الأرجيلة امتثالا لها كما تذكر المصادر. وقد أفضى ذلك إلى خسائر حادة للشركة صاحبة الامتياز واحتدام المواجهة بين الشعب والشاه، إلى أن امتثل الشاه أخيرا للضغط بإلغاء الامتياز، ولكن مع دفع تعويضات فادحة للشركة اقترضتها الدولة من البنوك البريطانية. في كل الأحوال عُدَّ ذلك انتصارا لإرادة الشعب الإيراني على النهب الاستعماري، وهو ما جعله يتطلع إلى المزيد، كما أنه صقل علاقة ثورية بين طبقة علماء الدين وطبقة تجار البازار ستظل حاضرة ومؤثرة حتى ثورة عام 1979، كما شرح طلال مجذوب في كتابه "إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية".

مصدر الصورة احتجاجات التبغ في إيران اعتراضا على الامتياز الذي منحه الشاه ناصر الدين القاجاري للبريطانيين عام 1890 (غيتي)

جمال الدين.. ومقتل الشاه

تشكَّل رابط بين العالمين السني والشيعي، والعربي والعجمي، عبر شخصية محورية في مجمل أحداث المشرق الإسلامي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وإن لم يعش كي يشهد الثورة الدستورية الفارسية، وهو السيد جمال الدين الأفغاني الذي يمكن اعتباره أحد آباء الثورة الدستورية، بل وصاحب فِكر مؤثر ومُلهم للثورة الإسلامية الإيرانية.

ويُمكِن تلخيص دور الأفغاني في إحياء الدرس الكلامي والفلسفي، وربطه بقضايا التحرر ومواجهة الاستعمار، واطلاعه الواسع على الحالة الفكرية والفلسفية والسياسية الأوروبية، وتبنِّيه فكرة الجامعة الإسلامية بتحويل فكرة الخلافة من المفهوم السلطاني المركزي إلى مفهوم دستوري، وهي فكرة روَّج لها مع الإمام محمد عبده عن طريق مجلة "العروة الوثقى" في باريس، وكانت حاضرة بقوة في أحداث الثورة الدستورية في إيران.

"تأثير جمال الدين الأفغاني لم يكن تأثيرا فكريا بحتا، وإنما كان تأثيرا عمليا"

لكن تأثير السيد جمال الدين لم يكن تأثيرا فكريا بحتا، وإنما كان تأثيرا عمليا، إذ دأب على تأسيس خلايا وجماعات سرية وعلنية في الحواضر الإسلامية المختلفة، تسعى كل واحدة منها لعمل ثوري أو مقاوم. ومع استقرار الأفغاني في إسطنبول أصبح نقطة التقاء للخلايا الثورية من إيران ومن المشرق العربي. وفي هذا السياق ترجم تلامذته والمتأثرون به إلى الفارسية كتاب "طبائع الاستبداد" للشيخ عبد الرحمن الكواكبي، كما أعادوا ترجمة أفكار فلاسفة التنوير من الفرنسية إلى الفارسية، وخاصة "العقد الاجتماعي" لروسو و"روح القوانين" لمونتسكيو، وهما من النصوص المؤسسة للثورة الفرنسية. لكن الفارق هنا عن عمل ملكم خان وخريجي دار الفنون أن تلك الترجمة لم تكن حرفية، وإنما جرى دمجها في سياق إسلامي واضح.

إعلان

في تلك اللحظة نضجت الفوارق بين الاتجاه العلماني للإصلاح والثورة من جهة والاتجاه الإسلامي من جهة أخرى. فقد كان الجناحان يؤمنان بالديمقراطية والدستور والفصل بين السلطات والحياة النيابية، لكن في تفصيل تلك العناوين وتطبيقها اختلافات عميقة ما زالت موجودة حتى اللحظة في كل تجربة ديمقراطية مرت على المشرق العربي والإسلامي.

مصدر الصورة جمال الدين الأفغاني (غيتي)

كان أبرز تلامذة الأفغاني الإيرانيين ثلاثة من أبناء كرمان عُرفوا بالكرمانيين الثلاثة، وهم ميرزا آقا خان كرماني أحد كُتاب صحيفة "اختر"، ورفيقه الشيخ أحمد روحي، وميرزا رضا كرماني الذي نفَّذ لاحقا عملية اغتيال ناصر الدين شاه، وباغتياله دخلت إيران حقبة اضطراب انتهت بانتصار الثورة الدستورية عام 1906. أما ما جذب هؤلاء للتلمذة على يد الأفغاني فكانت دعوته لتأسيس وطن يتساوى فيه الجميع في إيران، وعقد اجتماعي يواجه التخلف والاستبداد والتبعية للاستعمار على قاعدة إسلامية وليست علمانية. ولذا كان هؤلاء، وبالتحديد آقا خان كرماني وأحمد روحي، ممن اضطلعوا بأعمال الترجمة من الفرنسية والعربية المشار إليها أعلاه، قبل أن يُعتقلا في إسطنبول بأمر من السلطان عبد الحميد ويُسلَّما إلى إيران عقب اغتيال الشاه، حيث أُعدما في تبريز عام 1896.

وما زالت قضية اغتيال ناصر الدين شاه محل جدل لم يُحسم، إذ تستمر الشكوك حول ضلوع الأفغاني من عدمه في التخطيط لها، في حين يقول البعض إنها كانت مبادرة فردية من ميرزا رضا كرماني، رغم أنه قال حين أطلق النار على الشاه بحسب الرواية الشائعة: "خذها من يد جمال الدين".

جمال الدين الأفغاني (وسط) والواعظ الأصفهاني (الأعلى يمين) وملك المتكلمين (الأعلى يسار) وعدد من تلامذة الأفغاني (موقع تلفزيون سوريا)

حين انتصرت الثورة الدستورية.. مؤقتا

بموت ناصر الدين شاه بدأ العد التنازلي للثورة الدستورية التي انتصرت بعدها بعشرة أعوام عام 1906. فقد تولَّى بعده ابنه مظفر الدين، وكان مريضا بأمراض جعلته غير قادر على ممارسة السلطة بالكامل. وكانت تلك الأعوام العشرة عقدا من الاضطرابات وتنازع النفوذ بين الوزراء والطامعين من الأسرة القاجارية، وزيادة الاحتكارات الأجنبية وصولا إلى أزمة اقتصادية طاحنة جراء قروض بفوائد هائلة من روسيا وبريطانيا، ومقابل كل عجز عن الوفاء بالديون كان يُمنح امتياز احتكاري جديد لإحدى الإمبراطوريتين.

ومثل كل الثورات، لم يكن الأمر يحتاج إلا إلى شرارة، تمثلت في جلد عدد من تجار السكر الذين حُمِّلوا مسؤولية ارتفاع الأسعار في أواخر عام 1905، فاندلعت الاحتجاجات في أنحاء إيران واستمرت شهورا حتى رضخ مظفر الدين شاه لمطالب الثورة، ووقَّع في أغسطس/آب 1906 على مرسوم المشروطة القاضي بتكوين برلمان يتولى بدوره إعداد دستور لإيران. وبدا حينها أن الإيرانيين حققوا انتصارهم المرجو، مع أن الأشخاص الذين أسسوا للوصول إلى تلك اللحظة كانوا جميعا قد ماتوا ولم يشهدوها. فبعد وفاة الميرزا الشيرازي عام 1895، توفي الأفغاني عام 1897. أما مظفر الدين شاه فتوفي بعد أشهر قليلة من اعتماد المرسوم الدستوري، وخلفه ابنه محمد علي شاه الذي سيصبح آخر شاه قاجاري يملك سلطة فعلية.

"كان جَلد تجار السكر الشرارة التي اندلعت على إثرها الثورة الدستورية"

نجحت الثورة إذن عام 1906، وظهر إثر ذلك جناحان؛ جناح ليبرالي مؤيد بين مجموعة "اختر" ومجموعة دار الفنون وفئات أخرى، وجناح إسلامي فيه ثلاثة مراجع شيعة: الأخوند الخراساني الذي أصبح أكبر مراجع الشيعة بعد وفاة الشيرازي، وتلميذاه الميرزا النائيني المذكور سابقا، وأبو الحسن الأصفهاني الذي أصبح في عشرينيات القرن العشرين المرجع الأعلى للشيعة. ويليهم بالرتبة ممن مارسوا السياسة مباشرة داخل طهران ثلاثة من العلماء هم: الشيخ فضل الله نوري (قبل أن يتحول إلى خصم للثورة ويعدم إثر ذلك)، والسيد محمد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني.

في أواخر العام 1905 اندلعت الاحتجاجات في أنحاء إيران واستمرت شهورا حتى رضخ مظفر الدين شاه لمطالب الثورة عام 1906 (غيتي)

هؤلاء الثلاثة، والجناح الإسلامي عموما، اختلفوا مع الجناح الليبرالي في كل شيء تقريبا. فمن جهة، كان الاختلاف الأبرز عند كتابة الدستور هو حرص بعض رموز الجناح الليبرالي على فصل الدين عن الدولة في الدستور الإيراني. والمفارقة أنه على عكس الشائع عن إيران "الفارسية"، كانت العرقية المسيطرة على إيران آنذاك هي التركية، ليس فقط لكون أسرة القاجار نفسها وأغلب السياسيين النافذين من الترك، وإنما أيضا لأن قطاعا وازنا من الطبقة البرجوازية، أو طبقة تجار البازار، كانت منهم كذلك.

إعلان

لكن هذا التوجه ووجه برفض حاسم وقاطع من الجناح الإسلامي، وكان أشهر من تزعم ذلك الرفض الشيخ فضل الله نوري. وقد أراد هؤلاء النص على إيران الإسلامية، وليس فقط كونها إسلامية وإنما أن يكون المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الشيعي الجعفري. وهؤلاء كما تقدم كانوا في تحالف مع طبقة تجار البازار الذين كان جلد بعضهم شرارة اندلاع الثورة.

وقد تفرَّع هذا إلى اختلاف آخر حول من له حق الانتخاب. فقد جاء قانون الانتخاب الأول متأثرا بالنموذج الطبقي للثورة الفرنسية، إذ قسَّم الناخبين إلى ست طبقات: الأمراء القاجاريين، والعلماء وطلبة العلوم الدينية، والأعيان والأشراف، والتجار أصحاب المحال المعروفة، ومُلَّاك الأراضي ممن تتجاوز قيمة أملاكهم ألف تومان، وأصحاب الحرف المنتظمين في نقابة معترف بها، بينما استُبعدت من حق الانتخاب الفئات الكادحة مثل العمال. وهكذا أفرزت الانتخابات الأولى طبقة سياسية ذات طابع برجوازي.

"في كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة أصل النائيني للحكم النيابي الدستوري، بوصفه الحكم الموافق للشريعة الإسلامية"

هنا تدخَّل الميرزا النائيني لمحاولة حل هذا الإشكال بتأليف كتابه المهم "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، وقد كتبه متأثرا بكتاب الكواكبي "طبائع الاستبداد"، ويمكننا اعتبار كتابه تأصيلا شرعيا لأطروحة الكواكبي. وفي هذا الكتاب أصَّل النائيني للحكم النيابي الدستوري، بوصفه الحكم الموافق للشريعة الإسلامية. وكان عنوان الكتاب لافتا، لأن النائيني ربما أراد أن يقول إن كتابه تنبيه للأمة إلى أنها إذا لم تتجاوز تلك الخلافات فسيعود الاستبداد الذي ثارت ضده أشد من ذي قبل. وفي تلك الدوامة من الاختلافات التي استمرت سنوات دون حسم، برز تياران ظنَّا أنهما سيحسمان المواجهة مع الاستبداد بشكل أكثر جذرية، لكن التفاعلات التي أطلقاها كانت طريقا إلى هزيمة الثورة الدستورية كما حذَّر النائيني، وهما حركة "جَنْكَل" (نهضة الغابة) وباغ ميكده.

محمد حسين النائيني (المرجع الإلكتروني للعتبة العباسية المقدسة – فيسبوك)

حركة جنكل والجمهورية السوفيتية في جيلان

ربما يُعد من أبرز تلامذة الأفغاني تلميذ لم يره قط، بل بدأ نشاطه السياسي بعد وفاته، وهو ميرزا كوجك خان، مؤسس حركة جَنْكَل، وهو من مدينة رشت في إقليم جيلان المطل على بحر قزوين، وبدأ حياته طالبا للعلوم الدينية في الحوزة، ثم جذبته نداءات الثورة الدستورية وتأثر بأفكار الأفغاني التي بثَّها تلامذته الإيرانيون، كما تأثر بالتوجهات الاشتراكية، دون أن يتخلَّى عن هويته الإسلامية. ولم يشارك كوجك خان في أحداث الثورة الدستورية في البداية نظرا لحداثة سنه، فهو من مواليد 1880، أي أنه كان في السادسة والعشرين حين انتصرت الثورة عام 1906.

ولكن حين وصلت دوامة الخلافات المشار إليها لنتيجتها الطبيعية، قرر محمد علي شاه عام 1908 التخلص من المشروطة كلها، فطالب البرلمان بتسليم عدد من نوابه وقياداته الراديكالية المحسوبة على جمعية باغ ميكده لاعتقالهم، وحين رفض البرلمان تقدَّم لواء القوزاق ذو القيادة الروسية بأوامر الشاه، وحاصر مبنى البرلمان وقصفه بالمدفعية، فيما أصبح عمليا الانقلاب الأول على الثورة الدستورية.

على إثر ذلك، اندلعت المقاومة المسلحة، وكان قلبها في تبريز بقيادة ستار خان وباقر خان، ثم زحفت على طهران في العام التالي 1909 قوات من جيلان، وكان الشاب كوجك خان أحد المقاومين في صفوف الجيلانيين. وحين سقطت طهران بيد الثوار، وخُلع محمد علي شاه ولجأ إلى روسيا القيصرية، ونُصب مكانه ابنه الصبي أحمد شاه، بدا ذلك انتصارا جديدا للثورة الدستورية.

"اجتاحت روسيا الشمال الإيراني، وفرضت إنذارا أجبر الحكومة على حل البرلمان الثاني، ما مثل نهاية فعلية للحقبة الدستورية"

ولكن في عام 1911 حاول محمد علي شاه العودة إلى العرش بإنزال عسكري على الساحل الشمالي قرب جيلان مُنِي بالهزيمة، وكان كوجك خان ممن تطوَّعوا لقتاله وجُرح وأُسر لدى الروس. وقد اجتاحت روسيا نفسها الشمال الإيراني في أواخر ذلك العام، وفرضت إنذارا أجبر الحكومة على حل البرلمان الثاني، ما مثَّل نهاية فعلية للحقبة الدستورية. وفي لواء القوزاق نفسه، الذي ظل بقيادة ضباط روس، كان يتدرج صعودا ضابط شاب اسمه رضا خان، سيبدأ من تلك المؤسسة العسكرية طريقه إلى قمة السلطة وتأسيس السلالة البهلوية أواخر عام 1925، والتي خلعتها الثورة الإسلامية عام 1979.

ستار خان (وسط) وإلى يساره باقر خان، قائدا مقاومة تبريز بين عامي 1908 و1909، يقفان وسط المقاتلين (المصدر: ملكية عامة)

كان حاسما في تلك المرحلة أمران: الأول الفتوى مرة أخرى، ولكن هذه المرة من الأخوند الخراساني المرجع الأعلى حينذاك من النجف، إذ أفتى باعتبار القوات الروسية التي دخلت إيران قوات احتلال، وأعلن وجوب الجهاد لمقاومتها والنفير العام، وأنه سيتقدم بنفسه على رأس حشد من النجف يزحف إلى إيران لمواجهتها، لكنه توفي فجأة عشية تحركه، فلم يغادر ذلك الحشد العراق أبدا. أما العامل الثاني والأهم فهو اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، إذ أصبحت لدى روسيا القيصرية تحديات أكبر وأخطر بانخراطها في الحرب، وكانت تلك هي الفرصة لكوجك خان لإطلاق حركة "جنكل" عام 1915، والبداية الفعلية لخوضه حرب العصابات في غابات جيلان الكثيفة ضد الروس.

سرعان ما اندلعت ثورة القرن العشرين الأهم في أكتوبر/ تشرين الأول 1917 في روسيا، ولاحقا تأسس الاتحاد السوفيتي، ومن ثمَّ انقلبت المعادلة الجيوسياسية رأسا على عقب. فقد طاردت القوات البلشفية فلول "الروس البيض" حتى ميناء أنزلي على الساحل الجيلاني، وأعلنت دعمها للجنكليين، ومعها وفد الكوادر الماركسية من حزب "عدالت" الذي تأسس بين العمال الإيرانيين في باكو، ويُعد الجد المؤسس لحزب "توده" الشيوعي الإيراني لاحقا.

وبضغط من هؤلاء ومن الجيش الأحمر أُعلنت في يونيو/حزيران 1920 الجمهورية السوفيتية الاشتراكية في جيلان، وهي أول جمهورية تُعلن على أرض إيران، وتسلَّم كوجك خان رئاسة مجلس مفوضيها. لكن الرجل الذي كان يعتنق اشتراكية ملتحمة بأطروحة الأفغاني الإسلامية سرعان ما اصطدم بالجناح الماركسي المعادي للدين، فانسحب محتجا على تجاوزات رفاقه من مصادرات وتنكيل بالتجار، بينما راهن على أن خلافه مع موسكو خلاف بين "رفيقين" قابل للتسوية.

"بدا رضا خان أمام قطاع من الإيرانيين المنهكين القائد القوي الذي سيُخلِّص البلاد من الفوضى التي أعقبت الثورة الدستورية"

لكن حسابات القوى العظمى كانت مختلفة تماما. فبينما كان كوجك خان يستعد لمعركته الحاسمة ضد البريطانيين، كان الاتحاد السوفيتي يعقد اتفاقياته مع الحكومة في طهران ومع بريطانيا مطلع العام 1921، ويتخلى عمليا عن الجمهورية الوليدة في جيلان مقابل تثبيت مصالحه. فوجد كوجك خان نفسه مُحاصَرا بلا سند، وتكفَّلت قوات القوزاق بقيادة رضا خان بالبقية، إذ طاردته ومن بقي معه في الجبال حتى مات متجمدا من البرد في ديسمبر/كانون الأول 1921، ثم عثرت مفرزة من الجنود على جثمانه فقطعوا رأسه وأرسلوه إلى مقر القيادة، ونُشرت صورة الرأس المقطوع في الصحف وأسفلها خبر يقول: "قطع رأس المتمرد ميرزا كوجك خان".

وكانت جمهورية جيلان قد فتحت الباب لموجة من الإعلانات الجمهورية في أقاليم أخرى؛ فأعلن الشيخ محمد الخياباني عام 1920 حركته في إقليم أذربيجان من مدينة تبريز وسمَّى الإقليم "آزادستان" أي أرض الحرية، وتبعه عام 1921 الكولونيل محمد تقي خان بسيان بحركته المستقلة في خراسان انطلاقا من مدينة مشهد. واللافت أن كوجك خان لم يسعَ إلى جمهورية انفصالية قومية، بل نصَّ على أن هدفه "وحدة الشعوب الإيرانية"، لكن رضا خان استغل وجود نزعات انفصالية حقيقية لدى بعض الأقليات ليصم كل حركات الجمهورية بأنها مشاريع تفتيت، وقدَّم نفسه بوصفه "أتاتورك إيران" الذي يحفظ وحدة التراب الإيراني بحكومة مركزية قوية وجيش حديث بناه انطلاقا من لواء القوزاق. وبالقضاء على هذه الحركات واحدة تلو الأخرى، بدا رضا خان أمام قطاع من الإيرانيين المنهكين القائدَ القوي الذي سيُخلِّص البلاد من الفوضى التي أعقبت الثورة الدستورية.

كوجك خان (يمين) مع أحد رفاقه في غابات إقليم جيلان (المصدر: ملكية عامة)

إعدام فضل الله نوري وتحالف الثورة المضادة

أشرنا سلفا إلى الخلاف المحتدم بين تياري الثورة حول علاقة الدين بالدولة، وهو الخلاف الذي تصدره فضل الله نوري بإصراره على إضافة كلمة "مشروعة" إلى مرسوم المشروطة ليكون متسقا كليا مع الشريعة. وقد اشتد هجوم نوري ليس فقط لرفضه استلهام الدساتير الأوروبية العلمانية كالدستور البلجيكي، بل لشكوكه العميقة في الانتماءات "البابية" للكثير من رموز التيار العلماني. والبابية حركة دينية منشقة عن المذهب الشيعي التقليدي خاضت صراعا دمويا مع الدولة القاجارية في منتصف القرن التاسع عشر، وانخرط أتباعها لاحقا في الجمعيات الدستورية لتصفية حساباتهم التاريخية مع السلطنة والمؤسسة الدينية على السواء.

في ظل هذا الخلاف المحتدم، كان صناع الثورة يعدون العدة لإسقاط حكم سلالة القاجار بالكامل عبر محاولة اغتيال محمد علي شاه بإلقاء القنابل على موكبه مطلع العام 1908. وبعد أن نجا الشاه من المحاولة اتهم فورا أعضاء الجمعية بتدبيرها، وطلب من البرلمان تسليم المحسوبين عليها وإلا حلَّه وألغى حكم المشروطة، وهو ما حصل بالفعل وصولا إلى لحظة قصف البرلمان. وقد اعتُقل جهانكير خان محرر "صور إسرافيل" وملك المتكلمين وأُعدما خنقا في حديقة باغ شاه، وقُتل الواعظ الأصفهاني بعد فراره.

وعندما استُعيد البرلمان عام 1909 لم يعد الأمر كما كان قبل حله وقصفه. فالجناح العلماني، الذي كان قد كوَّن حزب "الديمقراطيين"، اتهم الشيخ فضل الله نوري بأنه السبب المباشر في تمكُّن الشاه من قصف البرلمان وإلغاء المشروطة، لأنه فضَّل حكم الشاه على حكم "العلمانيين الكفار"، وأن انشقاقه تحت شعار "المشروطة المشروعة" هو الذي شق الصف. وبناء عليه أقاموا له محاكمة ثورية حاكت عهد إرهاب روبسبير في الثورة الفرنسية، وأعدموه شنقا في ميدان توبخانة وسط طهران في مشهد ظل عالقا في الذاكرة الإيرانية. ثم توالى ما يمكن تسميته "عهد الإرهاب العلماني"، وبرز فيه القائد الأرمني يفرم خان، رئيس شرطة طهران، قبل مقتله في المعارك عام 1912. وهذا التسلسل في الأحداث أدى إلى تصفية القوى الثورية بعضها بعضا، قبل انشغالها بعد ذلك بمقاومة التدخل الأجنبي الذي لم ينجح في وقف صعود رضا خان.

"أفسحت تلك التحوُّلات المجال لصعود الشخصية الأخرى التي قادت انقلاب فبراير مع رضا خان، وهو الصحفي ضياء الدين الطباطبائي"

أفسحت تلك التحوُّلات المجال لصعود الشخصية الأخرى التي قادت انقلاب فبراير/شباط مع رضا خان، وهو الصحفي ضياء الدين الطباطبائي. واللافت في مسيرته أنه بدأ حياته صحفيا في الجرائد الإسلامية التوجه، ثم بدأ اتصاله بالسفارة البريطانية وأخذ منها تمويلا لإنشاء جريدة "رعد" التي صارت البوق الإعلامي للسياسة البريطانية في إيران، ثم توثقت صلته بالدوائر الاقتصادية الاستعمارية عبر البنك الشاهنشاهي التابع للبريطانيين.

وعلى أثر الضربات التي تلقاها الجناح الإسلامي للثورة على يد العلمانيين الراديكاليين، اهتز تحالفه مع تجار البازار، ونجح ضياء الدين في استمالة قطاع منهم بالمال البريطاني. ثم أصبح عمله أكثر تنظيما، فأسس ما عُرف بـ"اللجنة الحديدية"، وهي شبه جمعية سرية ضمت نخبة من بيروقراطية إيران الملكية، وكانت النقيض التام لجمعية باغ ميكده؛ إذ كان هدفها تنظيم صفوف أعداء الثورة الدستورية وصولا إلى لحظة انتصار الثورة المضادة وإنهاء حقبة المشروطة، بالتنسيق مع الجنرال إدموند أيرونسايد قائد القوات البريطانية في شمال إيران.

الشيخ فضل الله نوري اتهم بأنه السبب المباشر في تمكُّن الشاه من قصف البرلمان وإلغاء المشروطة (مؤسسة مطالعات تاريخ معاصر إيران)

1919 وما بعدها: الخميني يستخلص الدروس

وهكذا توالت الأحداث إلى أن جاء حدث مفصلي مهَّد الطريق نحو انقلاب فبراير/شباط 1921. ففي عام 1919، وفي ذروة موجة الحركات الوطنية التي اجتاحت المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى، سارعت بريطانيا إلى توقيع اتفاقية مع رئيس الوزراء الإيراني وثوق الدولة عُرفت باسمه، وهي اتفاقية وضعت الجيش والمالية في إيران تحت إشراف مستشارين بريطانيين، بما يجعل إيران فعليا تحت الحماية البريطانية.

كان البرلمان مُعطَّلا منذ سنوات الحرب، لكن الشارع الإيراني كان ما يزال حيا، فشهدت البلاد احتجاجات واسعة ضد الاتفاقية أعادت إلى الأذهان زخم الثورة الدستورية، وأصرَّت على الالتزام بالدستور الذي ينص على أن اتفاقية كهذه يجب أن تُعرض على البرلمان أولا، ومن ثمَّ يجب أن تُعقد الانتخابات ويُعاد تشكيل البرلمان خاصة بعد انتهاء الحرب.

وقد تزعَّم تلك الاحتجاجات آية الله حسن المدرس، الذي اتخذ من أحد مساجد طهران الكبرى مقرا لخطبه التي كانت تخرج بعدها المظاهرات عقب صلاة الجمعة، إلى جانب الدكتور محمد مصدق الذي بدأ اسمه يبرز زعيما سياسيا خلال تلك الأحداث، وكان حينها خارج إيران مستقرا في سويسرا، ومنها قاد حملة دعائية ضد الاتفاقية. وقد انتهى الأمر بانهيار الاتفاقية فعليا؛ إذ لم تُعرض على برلمان منتخب قط، وواجهت عداء أمريكيا وفرنسيا وسوفيتيا صريحا، وهو ما كان حاسما في الضغط لتعطيلها. ويمكن عدُّ هذا النجاح آخر موجة ثورية في الثورة الدستورية، أو الصحوة الأخيرة قبل موتها.

"كان انهيار اتفاق وثوق الدولة مع البريطانيين بمثابة صحوة الموت للثورة الدستورية"

يالتوازي مع ذلك كان التفكير البريطاني ينتقل من فرض الحماية عبر الطرق الشكلية إلى خطوة أكثر جذرية، هي السعي الفعلي لانقلاب يأتي بثنائية رضا خان وضياء الدين الطباطبائي إلى السلطة، وينهي حقبة الثورة الدستورية بالكلية. وقد كان للبريطانيين ما أرادوا، إذ وقع انقلاب فبراير/شباط 1921، ثم أُعلن رسميا إنهاء حكم سلالة القاجار وتنصيب رضا خان شاها على إيران بعدها بأربع سنوات عام 1925.

صورة لأعضاء حكومة انقلاب فبراير/شباط 1921، ويظهر رضا خان أقصى يسار الصورة (المصدر: ملكية عامة)

خلال كل تلك الأحداث العاصفة، كان قد وُلد في مدينة خمين عام 1902 طفل اسمه روح الله، لعائلة من السادة عُرفت بلقب "الهندي" لإقامة جده في الهند، قبل أن يتخذ لاحقا لقب "الخميني" نسبة إلى مدينته حين فرض رضا خان نظام الألقاب العائلية. وعند انتصار الثورة الدستورية، كان الخميني طفلا في الرابعة، وعند نهاية حقبتها عام 1921 كان شابا أنهى للتو المرحلة المتوسطة من دراسة العلوم الدينية، وكان وعيه السياسي يتشكل آنذاك دون أن يعلم أنه سيغيِّر تاريخ إيران والشرق الأوسط بأكمله.

كان الخميني ينظر بعين الانبهار إلى حسن المدرس، وهو أحد الفقهاء الخمسة الذين انتدبتهم المرجعية الدينية للبرلمان لمراجعة القوانين والتأكد من مطابقتها للشريعة، وهو الإجراء الذي انتهت إليه المعركة المريرة بين المشروطة والمشروطة المشروعة، قبل أن يدخل المدرس البرلمان لاحقا نائبا منتخبا.

بدأ الخميني يسافر خصيصا إلى طهران ليحضر خطب حسن المدرس ودروسه، ويقول عن تلك الأيام: "كنت أذهب إلى طهران في أيام شبابي، وأجلس في شرفة المقاعد المخصصة للجمهور في البرلمان، فقط لأشاهد السيد المدرس وهو يواجه رضا خان والسياسيين الموالين لبريطانيا.. كان جسدا نحيفا يرتدي ثيابا بسيطة وعمامة رثة، ولكنه عندما كان يتكلم كان يرتجف له البرلمان بالكامل". تطورت تلك العلاقة لاحقا إلى تلمذة مباشرة، ومن المدرس تلقَّف الخميني كلمته الشهيرة "سياستنا هي ديننا وديننا هو سياستنا". ويمكن اعتبار اغتيال رضا خان للمدرس عام 1937، بعد أن استقرت له السلطة، الحادثة المفصلية التي ربما رسخت في ذهن الخميني حتمية إسقاط الحكم البهلوي في إيران.

متظاهرون يحملون صورة لروح الله الخميني في طهران خلال مظاهرة مناهضة للشاه عام 1979 (الفرنسية)

وقد أثَّرت بقية أحداث الثورة الدستورية في تكوين الخميني، فقد كان يتحدث عن أن تصوره لبنية تشريعية ثلاثية، مكونة من البرلمان ومجلس صيانة الدستور الذي يراجع مطابقة القوانين للشريعة ومجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل في النزاعات بينهما، إنما اختمر في ذهنه لمعالجة الصدام الذي حصل بين المشروطة والمشروطة المشروعة في يوم من الأيام، والذي كان الطريق إلى هزيمة الثورة الدستورية.

وهذا عموما ما قاله مُنظِّر الثورة الإسلامية مرتضى مطهري في كتابه "الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري"، الذي يبني فيه سردية تاريخية تجعل الثورة الإيرانية حصيلة الحركات الإسلامية في القرن السابق عليها؛ إذ يستعرض السياق السني المتمثل في الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا، وبالمقابل السياق الشيعي منذ الميرزا الشيرازي وثلاثية الخراساني والنائيني والأصفهاني، ويخلص إلى نتيجة التأثير المتبادل بين المسارين، كما في المثال الذي ذُكر هنا بين "طبائع الاستبداد" و"تنبيه الأمة".

"ينظر مطهري إلى الخميني وتيار الثورة الإسلامية بوصفهم من ضخوا أطروحة الأفغاني في بنية المرجعية الدينية فتحققت الفائدة من قدراتها التعبوية"

لكن أهم ما في الكتاب تحليله أن أطروحات المصلحين السنة ظلت في مضمار الإصلاح لا الثورة، لأنهم افتقدوا الجسم الحركي التعبوي المستقل ماليا وشعبيا المتوفر لدى المؤسسة المرجعية الشيعية، بينما امتلك الشيعة هذا الجسم القاعدي من دون الأطروحة الفكرية الناضجة التي توفرت عند المصلحين السنة وعلى رأسهم الأفغاني الذي لجأ إلى التنظيمات السرية. ولذا ينظر مطهري إلى الخميني وتيار الثورة الإسلامية بوصفهم من ضخوا أطروحة الأفغاني أخيرا في بنية المرجعية الدينية فتحققت الفائدة من قدراتها التعبوية.

حين اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979، كان النظام الإسلامي للمفارقة هو من أحيا إرث كوجك خان عبر الطوابع والأناشيد والأعمال الدرامية، وهو الذي ترأس جمهورية سوفيتية في يوم من الأيام. والفكرة هنا أعمق من مجرد الاحتفاء برجل أسس جمهورية انفصالية فعليا رغم دعوته الوحدوية؛ إذ إنها تُعبِّر عن إدراك الثورة الإسلامية بأنها وريثة لجميع الحركات الاحتجاجية التي ظهرت في إيران منذ انتفاضة التبغ في نهاية القرن التاسع عشر مرورا بالثورة الدستورية وحتى صعود مصدق.

كما أنها تعكس رؤية النظام الإسلامي في الموازنة على مستوى السردية الوطنية بين الشعوب الإيرانية المختلفة ضمن إطار الجامعة الإسلامية التي نادى بها الأفغاني وكان كوجك خان مؤمنا بها. وما يزال هذا التوازن بين الأعراق الإيرانية في التمثيل السياسي أحد أكثر الملفات حساسية في بنية النظام الإيراني المعاصر، إضافة إلى أن مزيج الإسلام والاشتراكية ما يزال شائعا وسط هذا الطيف من الإسلاميين الموالين للثورة الإسلامية حتى اليوم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا سوريا اسرائيل روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا